القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية دمية مطرزة بالحب الفصل المائة والسابع عشر 117 بقلم ياسمين عادل

 رواية دمية مطرزة بالحب الفصل المائة والسابع عشر 117 بقلم ياسمين عادل

رواية دمية مطرزة بالحب الفصل المائة والسابع عشر 117 بقلم ياسمين عادل

رواية دمية مطرزة بالحب الفصل المائة والسابع عشر 117 بقلم ياسمين عادل


إنها الحياة؛ لن تهديك أفضل أيام حياتك بالمجّان، دائمًا هناك ضريبة مدفوعة أمام كل ما تفوز به وكل ما تعيشه، ما تجهله أنت إنها موازين عادلة للغاية، ولكلٍ ميزانهِ."
________________________________________
تاه في ملكوت آخر، وكأنه ودّع شقاء الشوق ولوعتهِ الحارقة، بعناقٍ جعل إنصهاره يبرد. وكأنما سكبت الماء على حفنة من الجمرات المشتعلة فـ خمد وهجها الساخن. لم يشعر بنفسه إلا وهي بين ذراعيهِ يستقبلها بأحضانه غير مدرك لكل الأعين التي ارتكزت عليهم، ما شغل عقله هو إشتياق روحه لنصفها وآليفها، رؤيتها تكفلت بكل ما أرقه بالفترة - المديدة - السابقة، والآن هو في أفضل حال منذ وقت ليس بقليل.
غادر "يزيد" صالة المطار ومنها إلى السيارة التي أتت لإصطحابه بدون "يونس"، الأمر الذي أزعجهُ وأنقص قليلًا من سعادتهِ، خاصة وأن شقيقه لم يترك له تبريرًا مقنعًا يجعله يهدأ. استقل السيارة بجوارها في الخلف، وتسلط الوجوم على ملامحه أثناء تشبث كفه بأصابعها، فـ شددت "نغم" على يده وهي تسرقه من شرودهِ قائلة :
- متزعلش يايزيد ، أكيد في حاجه حصلت.
فـ اعتلت تلك الإبتسامة المزيفة ثغره معبرًا عن عدم اكتراثه :
- لأ عادي مفيش حاجه.
لكنه لم يقوَ على كبح امتعاضه المتخفي، فـ أظهره في هيئة عبارة ساخرة :
- أكيد قاعد مع ملك ولا حاجه.
منعت "نغم" نفسها من أن تضحك أمامه فـ تستثير بتلقائيتها غضبه المكتوم؛ لكنه بالكاد شعر بها، فـ منحها نظرة تنم عن بوادر إنفعال آتيه لا محاله، وبدورها امتصت كل ذلك بكلمة كانت كفيلة لأن يصمت :
- حقك عليا مقصدش.
وتأبطت بذراعهِ متابعة :
- أنا جمبك أهو، ولا مش كفاية ؟.
- كفاية طبعًا.
قالها قبيل أن يُقبل رأسها، ثم تابع تعقيبهِ بـ :
- بس كان هيفرق لو كان جه ياخدني زي ما اتفقنا.
أراد ألا يمط بالموضوع ويزعجها، فـ نقل مسار حديثه لآخر :
- عملتي إيه في الشقة؟.
فـ انبعجت شفتيها بإبتسامة عريضة وهي تردف بتباهي شديد :
- خلصت، كل حاجه خلصت.. فاضل الفرش بس وده هنختاره سوا.. حبيت يكون في حاجه نعملها سوا.
مسح على كفها عدة مرات مشيدًا بمجهوداتها المضاعفة بالفترة الأخيرة، وأكد على تواجده معها منذ الآن :
- بعد كده كل حاجه هنعملها سوا، خلاص مش هسيبك تاني.
****************************************
ظل محدقًا فيها لبعض الوقت، ونظراته تتأرجح ما بين وجهها وبين بطنها، رفرفت السعادة على قلبه منذ أن أتاه نبأ طفلتيه اللاتي ينتظر ولادتهن، سعادة أضعاف مضاعفة، كأن القدر لم يكتفِ بتعويضه وأراد أن يكون عوضًا إستثنائيًا. أما عنها، فقد غرقت في نوبة من النوم بعد إرهاق مكثف وتوترٍ بالغ خوفًا من خسارة طفلها - كما اعتقدت -، ولم يسمح لها الوهن استشعار لذة الخبر المفرح الذي فاجئها. لم يفرط "يونس" في إيقاظها، وظل متابعًا - بتركيز - نومها الساكن؛ لكن بداخله يريد لو يسير في الشوارع ويبلغ كل المارّة إنه سيرزق بطفلتين، أو يصيح في الأبواق لتسمع العاصمة بأكملها، وربما يعلنها بكافة وسائل التواصل الإجتماعي گواحد من أعظم أحداث حياته. كتم ضحكة سعيدة، وابتعد قليلًا عنها كي لا يزعجها بضوضائهِ، أستل أصابعه من بين يديها التي تطبق بهما على كفه برفق شديد، وغادر الفراش برويّة ليمشي بعدها بخطوات حسيسة نحو الباب، فقد أحس بسيارة تمر للداخل وأيقن إنه شقيقه قد أتى، فأسرع كي يستقبله ويعطيه بشارة الخبر.
كان يهبط على الدرج بتلك السرعة المريبة التي أكدت لـ "يزيد" وقوع أمرٍ ما، انتابه بعض القلق وهو يسأل متوجسًا :
- في حاجه حصلت يايونس!.
فكان جواب شقيقه العاطفي صادمًا إلى حدٍ ما :
- وحشتني ياأخي.
وفتح إليه ذراعيهِ ليعانقه، ويُزيل قليلًا من حنينهِ إليه، فلم يتأنى "يزيد"، بل إنه بادلهُ ذلك الشوق وانضم إلى صدره يعانقهُ بقوة، ولم يترك عتابهِ مكتومًا، وإنما أباح به :
- مجتش المطار ليه؟.
ربت "يونس" على ظهره قبل أن يبتعد، ثم أجاب بـ :
- ملك جالها نزيف مفاجئ واضطرينا ننقلها المستشفى.
تفشّت معالم القلق على وجهه، ولكن "يونس" بادر بمتابعة حديثه ليُزيل عنه مخاوفه :
- بس الحمد لله أتدخلنا في الوقت المناسب.
وصعدت تلك الإبتسامة السعيدة على محياه، وهو يمنحهُ ذلك الخبر السار جدًا :
- ملك حامل في بنتين توأم.
انبعجت شفتي "يزيد" بإنبهار شديد، وضحك قبل أن يردف معلقًا :
- معقول!!.
بدا له كأنه على حافة الجنون من فرط سعادته، حتى إنه فكر في الخروج للتسوق بهذه الساعة المتأخرة من فرط حماسته :
- أنا قولت كده في الأول! ، مش معقول.. بس أهو حصل.
ثم استعد للمغادرة :
- أنا خارج مشوار كده وهرجع تاني.
استوقفه "يزيد" مازحًا معه :
- رايح فين السعادي يا أبو البنات؟.
انفتح وجه "يونس" أكثر وأكثر بهذا اللقب وتأثيره الغريب على مسامعه، وأبدى إعجابًا شديدًا به:
- أبـو البنـات!. حـلو ده.. أبو البنات رايح يجيب حاجه للبنات.
شده "يزيد" وهو ينظر لساعة يده، وهتف مستهجنًا :
- دلوقتي!.
- آه، جاي على بالي.. تعالى معايا.
واجتذبه وهو يتابع :
- في الطريق بقى تحكيلي عملت إيه، أنا مفوقتش عشان أسألك.. من ساعة ما عرفت وانا عندي مشاعر غريبة جدًا ، حاسس إني .........
لم يكفّ "يونس" عن الثرثرة طوال الطريق، حتى إنه لم يستمع لشقيقهِ إلا القليل، بالرغم من أن تلك ليست عادته، ولكن السعادة التي غمرت قلبهِ جعلته يشتهي الحديث، الكثير من الحديث.
****************************************
لا تصدق إنها استيقظت على ذلك المشهد المجنون، إمتلأت الغرفة بالكثير من الحقائب والعلب التي ابتاعها بالأمس لكلتا طفلتيه، أشياء كثيرة جدًا وجميعها - بلا إستثناء - أشياء مبهجة أبهرتها.
فتش "يونس" بداخل الحقيبة جيدًا عن الجورب المفقود حتى وجده في أسفلها، ثم أخرجه منبعج الشفتين وهو يقول :
- أهـو، ده الشراب التاني.. كده الطقم كامل.
نظرت "ملك" للحوائج التي ملأت الطاولة، وابتسمت وهي تعقب :
- إنت جيبت حاجات كتير أوي يايونس!.
- مفيش أي حاجه في الدنيا كتير على بناتي.. ده انا لسه مخلصتش، حاسس إن حاجات كتير ناقصة.. بس قولت نجيب سوا.
ثم اعتذر عن تسرعّه في شراء كل ذلك بدونها :
- حقك عليا كان المفروض أستنى وآخدك معايا، بس مقدرتش أنام ولا أرتاح غير لما عملت كده.. في سراير صغيرة حجزتها بس هتيجي كمان كام يوم.
ضحكت "ملك" بعدما تذكرت إعتقادهم الخاطئ طوال الفترة الماضية، وهتفت بـ :
- طب وسرير يحيى!.. قصدي اللي كنا فاكرينه يحيى.
بادلها الضحك على الموقف الغريب الذي وقع كلاهما ضحيتهِ، وأردف بـ :
- هيفضل زي ما هو، يمكن يحيى ييجي وقت تاني مثلًا.
وغمز لها، فـ أشاحت بوجهها عنه وهي تدفع ذلك الحياء عنها :
- بس بقى! الله!
وتسلطت فكرة إختيار الأسم على ذهنها وهي تسأله :
- معرفتش أفكر في أسم لحد دلوقتي، حاسه المفاجأة لسه مأثرة عليا.
- مـليكـة.. إيـه رأيـك ؟
ذلك الأسم الذي اختاره "يونس" لأول طفلة له، وعرض الأمر على شريكة حياته - بل حياتهِ كلها - مستعينًا برأيها لتأكيد الأسم، فـ عبّرت "ملك" عن إعجابها بالأسم :
- حلو أوي مليكة.
وضع "يونس" غطاء خفيف على ساقيها الممددتين على الأريكة قبل أن يجلس جوارها وهو يهتف بـ :
- ديچا هطلعلك الفطار هنا النهاردة.
أومأت برأسها وهي تسأل بإهتمام :
- والبنوتة التانية نسميها إيه؟.
فـ ابتسم وتلك النظرة الوالهة تصاحب عيناها المرتكزة عليها :
- إفتكرتك فهمتي لوحدك.. ملك طبعًا.
ازدادت ابتسامتها إتساعًا، وأسبلت جفونها قليلًا وبشئ من الخجل :
- في أسامي كتير جديدة وأحلى من ملك.
- إنتي أحلى من كل حاجه،
قالها بنبرةٍ اخترقت مشاعرها بـ يُسر، وتبعها بـ :
- أنا عايز ملك صغيرة، بريئة وجميلة زيك، زي قلبك بالظبط.. يابخت اللي أمهم هتكون إنتي ياملك.
احتوت وجهه بين راحتيها، وإبهاميها لامسن بشرته وهي تتعمق بالنظر إليه :
- يابختهم هما عشان إنت باباهم.
محى كل مشاعر الخوف التي تمكنت منها منذ الأمس، وزرع بدلًا من مخاوفها الطمأنينة، وببضع كلمات أفاضت بهم عبّرت عن كل ما يجيش به صدرها :
- أنا مطمنة عليهم من دلوقتي، إنت الأب المثالي اللي عمره ما هيحسس واحدة منهم بالنقص، هتصاحبهم وتحميهم وتاخد برأيهم وتدعمهم وتسندهم، هتديهم كل اللي انا اتحرمت منه ومش هعرف أقدمه ليهم.
على الفور تفهم ما يُثقل كتفيها، وبادر بإزالة تلك المخاوف اللعينة من بواطنها المذعورة :
- إنتي هتقدري تديهم كل ده، أنا هبقى مجرد مُكمل ليكي.
نفت عن نفسها مقدرتها على فعل ذلك، مستعينة بمثالٍ آمنت به :
- فاقد الشئ لا يعطيه يا يونس.
- غلط.
تشدد في رفض رأيها، وفسّر رفضهِ بـ بلطفٍ ليّن :
- فاقد الشئ أكتر واحد يقدر يديه وببزغ ياملك، عشان هو أكتر حد أتحرم منه وعارف معنى فقدانه، لما يقدمه هيقدمه برضا، فاقد الشئ لما يقدمه هيحس كأنه هو اللي امتلكه.. الأيام بينا وبكرة أفكرك، إزاي هتكوني أحن وأحسن أم في الدنيا.
ترك أثر شفاههِ على كفها بـ قُبلةٍ رقيقة، وسألها:
- واثقة فـيا ؟.
- أكتر من أي حاجه في الدنيا.
سعد لسماعه ذلك رغم إيقانهِ به، فـ بعض الأشياء رغم كوننا متأكدين منها، إلا أن سماعها أمر ضروري، كأنه يُضيف مزيد من اللذة لطعم اعتدنا على تذوقه فـ بات عاديًا، ولم يتوانى "يونس" عن تأكيد مبادلته لنفس الثقة إليها :
- أنا كمان واثق إنك تقدري، واثق جدًا.
*****************************************
تلك الطاقة الإيجابية ملأتها بالحيوية في أول صباح سيجمع بينهما من جديد، بعد غيابه لشهرين وأكثر. ذهبت بكلّ حيوية لمقرّ الشركة في انتظار لقائهِ، فـ علمت إنه هنا منك الصباح الباكر، مما أجج رغبتها في رؤيته على الفور.
صعدت حيث مكتبها القريب من مكتبه، فـ اصطدمت برؤية "سيف" مع تلك الفتاة الغريبة أمام المكتب يتحادثان، تغضن جبينها بدون أن تلفت إنتباهًا ودخلت غرفتها بصمتٍ شديد، لحظات وكان "سيف" يتبعها ليبلغها بـ :
- نغم، عايزين مواعيد إنترڤيو عشان الناس اللي جاية تقدم في وظيفة السكرتارية.
بدت ملامح الدهشة عليها، وتبدل حال وجهها من السعادة للإستنكار والغرابة وهي تسأل :
- مين طلب سكرتارية؟.
- مستر يزيد بنفسه مأكد عليا بقاله يومين ومستعجل على التعيينات الجديدة.
بدأ يتسرب لوجهها بعض التعابير الغاضبة، لشعورها بإنه يستغنى عن وجودها بشكل مباشر :
- طب وأنا ؟؟.. روحت فين ؟.
فتح "يزيد" باب غرفته بتلك الآونة، وكان وجهه مُغلفًا بتعابيرٍ حازمة وهو يوجه حديثه لـ "سيف" :
- واقف هنا ليه ياسيف، روح على مكتبك؟.
- حالًا.
وخرج تمامًا، فسألت "نغم" بتلك النبرة الجدية :
- إنت معرفتنيش إنك هتستغنى عني وتجيب سكرتيرة جديدة.
ظهر بعض من اللين وهو يحادثها :
- أنا مش بستغنى عنك، أنا برقيكي.. مكانك مش هنا.
فـ سخرت من وضعها الغير مستقر معه، وهي تستعين بتذكيره كل المراحل التي مرت بها :
- من الحسابات للأرشيف للبوفيه وبعدها على هنا، المرة الجاية هتنقلني فين يا يزيد.
كان جوابه بسيطًا، لكنه مفاجئًا وثقيلًا عليها :
- لبيتي، مكانك بقى بيتـي.
يتبع.....
لقراءة الفصل المائة والثامن عشر : اضغط هنا
لقراءة باقي فصول الرواية : اضغط هنا

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات