القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية دمية مطرزة بالحب الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم ياسمين عادل

 رواية دمية مطرزة بالحب الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم ياسمين عادل
رواية دمية مطرزة بالحب الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم ياسمين عادل

رواية دمية مطرزة بالحب الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم ياسمين عادل

جلست "ملك" على المائدة مستندة عليها بذراعها وقد طال انتظارها لـ "يونس" الذي لم يأتي بعد منذ أن غادر ظهيرة اليوم.. حتى إنه لم يتناول من الطعام التي أعدتهُ له بنفسها، وكان ذلك سبب عبوسها أغلب اليوم.
استمعت لطرقات على الباب، فـ هبت من مكانها معتقدة إنه حضر أخيرًا.. فتحت، فـ تفاجئت بوجود "رضا" العامل لدى متجر والدها الصغير.. أحنى بصره عنها بـ احترام و :
- الحج موجود؟

أجفلت بضيق مجددًا وهي تجيبه:
- آه
- أصله بعت طلبني وانا جيت أشوفه عايز مني إيه

أفسحت له "ملك" و :
- أتفضل وانا هبلغه

أغلقت الباب وقبل أن تدخل لوالدها كان يخرج هو بعدما سمع صوتهِ و :
- أهلًا يارضا

فـ صافحهُ رضا بـ حرارة و :
- أهلًا ياحج، أؤمر

أشار له ليجلس و :
- أقعد، كوبايتين شاي يابنتي الله يكرمك
- حاضر يابابا

وولجت للمطبخ تاركة إياهم، فبدأ "إبراهيم" يتحدث إليه بـ استفاضة :
- أنا عايز أبيع المحل وبدور على مُشتري

حدق "رضا" وقد أصابه الذهول :
- ليه كده ياحج! ؟؟.. ده احنا اللهم صلي على النبي أكبر محل ملابس رجالي في المكان بتاعنا والزباين بييجوا علينا بالأسم!

أطرق "إبراهيم" رأسهِ متضايقًا كونهِ مضطر أن يتخلى عن هذا الكيان الذي بناه لنفسه وسعى ليكون أفضل المتاجر الخاصة بالملابس وتكبد العناء كي يكون على مكانته تلك، ولكنهُ مضطر على تأمين "ملك" أولًا.. فهي لن تستطيع التعامل بنفسها مع الأمر وتولي مكان والدها، لذلك قرر تجميد كل شئ وتحويلهُ لمبلغ نقدي كبير من أجلها :
- عارف، بس الأعمار بأيد ربنا وانا مش ضامن أعيش يوم زيادة
- ياحج بعد الشر ربنا يطول في عمرك

فـ غصب نفسهِ على بسمة مريرة وقد لاحت الحقيقة أمام عينيه :
- مش باين

فـ اقترح عليه "رضا" :
- طب ما تأجره ليا، أو أشغله وليا تلت الربح.. أي حاجه بس متقفلش مكان أكل عيشي أنا والرجالة

اختنق "إبراهيم" من هذه النقطة أيضًا، فهو ربّ عمل لـ خمس عمال بـ خمس أسر يعيشون من خيرهِ وفائضهِ.. تنهد بثقل، فـ رفع عنه "رضا" حمل الرد واستطرد قائلًا :
- هسيبك تفكر وتعرفني ردك بعدين، بس فكر فينا ياحج الله يخليك، دلوقتي الدنيا عطلانة والشباب اللي معاهم شهادات على القهاوي، يبقى أحنا هنعمل إيه!

عادت "ملك" ووضعت الشاي أمامهم ثم انصرفت للداخل، فـ أومأ "إبراهيم" رأسه له و :
- ماشي، هفكر يارضا.. ربنا يعمل اللي فيه الخير
- إن شاء الله كل خير ياحج

نظرت "ملك" من نافذة غرفتها يمينًا ويسارًا، لم ترى أي مؤشر يُنبئ بحضورهِ.. حتى أن "عيسى" مازال مُرابطًا أسفل منزلهم ولم يتحرك من المكان الذي تركه فيه "يونس"، زفرت بـ اختناق وهي تتحسس ذراعها بلطف لعلها تنسى تلك الوخزات المؤلمة التي مازالت تُرافقها، ثم مددت على الفراش بعدما تناولت هاتفها.. عضت شفتيها وهي تفتح تطبيق المكالمات المرئية، وأفتر ثغرها مبتسمة بعدما قررت أن تتصل به وتراه على الأقل.. ولكنها فشلت في الوصول إليه، يبدو إنه أغلق بيانات الهاتف ولم يستخدم الأنترنت منذ الصباح.. فـ ألقت الهاتف على الفراش مستسلمة لحزنها، وعيناها على الهاتف تتمنى لو إنه يتصل الآن بها فـ ينقشع حُزنها.
............................................................................

نظر "ربيع" لـ مكعبات لعبة الضُمنة التي اشتهرت بها المقاهي الشعبية قبل أن يقوم باللعب، ثم أشار للصبي الذي يعمل بتقديم الطلبات بالمقهى وصاح :
- واحد شاي تقيل يابني وزود السكر حبتين

ثم عاد ينظر لصديقه الذي أردف :
- يعني عايز إيه من الآخر؟

فـ صرحّ "ربيع" بشفافية شديدة :
- هتراقب الباشا ده، هو اللي هيوصلنا لبنت خالتي بكل سهولة

فكر صديقهِ مليًا قبل أن يرد بـ :
- الراجل ده معاه حراسة؟
- لأ، المرات اللي شوفته فيها كان بطوله

ترك الصبي كوب الشاي المُخمر وانصرف، فـ تسائل صديقهِ وقد بزغ الطمع في نظراته :
- والحكاية دي هتقبضني كام فيها؟.. البت شكلها مريشة عشان كده عينك هتطلع عليها

فـ جسد "ربيع" دور البراءة أمامه و :
- أبدًا ياخويا، بس دي لحمي ودمي ومش هسيبها يعني.. أمي راسها وألف سيف تشوفها.. هتموت عليها من ساعة ما خالتي منار اختفت

فـ ضحك صديقهِ بسخرية و :
- مدخلتش دماغي، بس هعديها.. المهم مصلحتي
- هتاخدها ياعم، بس هاتلي المفيد

دعس "ربيع" سيجارتهِ وتابع :
- بس قبل ما تبدأ هعمل معاهم محاولة كده، يمكن يعقلو
............................................................................
نفث "يونس" دخان سيجارتهِ أفقيًا في الهواء وهو يجلس بحديقة مزرعتهِ ممدًا سيقانهِ على الطاولة المصنوعة من الخوص .. منذ أن أتى بالصباح وهو بالخارج إما جالسًا وسط الكلأ أو بداخل الإسطبل مع خيولهِ، أراد أن ينفصل قليلًا عن الناس جميعًا، فقد أُرهق مؤخرًا بشكل لم يعتادهُ.
ورغم صفو الأجواء وانفراده بنفسه إلا إنه مازال متخبط في اتخاذ قرار مناسب، والأصعب أن الأمر يخص "ملك" تحديدًا.. وهذا ما جعل القرار صعبًا بالنسبة له.
جلس "مهدي" بالقرب منه وسأل :
- وليه مجبتش ملك معاك!؟ مش بتقول إنها اتحسنت

فـ أومأ و :
- آه، بس قاعدة مع عمي يوم كده ولا اتنين بعد ما عرفت بمرضه، أقرب وقت هحاول أرجعها على هنا ونبعد عن كل الصداع ده

تنغض جبين "مهدي" بتحفظ على صيغة الجمع الذي تحدث بها وعقب على ذلك :
- تبعدوا؟؟

فـ صحح "يونس" على الفور :
- أقصد ابعدها عن الضغط ده، عشان نفسيتها لازم تكون كويسة في فترة العلاج

استمع لصهيل "ريحان"، فـ استدار برأسه ينظر نحو الأسطبل و :
- هي ريحان كويسة؟
- متقلقش، الدكتور جه النهاردة واطمن عليهم كلهم زي ماانت عايز

تحرك "يونس" من مكانه وهو يزفر مختنقًا و :
-أنا هطلع أغير هدومي وانزل عشان أرجع القاهرة قبل طلوع الصبح
- يونس؟

وقف "مهدي" أمامهُ ينظر لتعابير وجهه المكتئبة وسأله :
- مالك يابني، أنت كويس؟

نفخ "يونس" بـ انزعاج و :
- كل ما الدنيا تظبط واقول هرتاح شوية ألاقي مصيبة جديدة طلعت من تحت الأرض، والمفروض إني أفكر في مليون حاجه في وقت واحد!.. أنا زهقت

استشعر "مهدي" وجود أمر ما لا يعلم عنه، فلم يتوانى عن محاولاته لسلب تلك الطاقة السلبية منه :
- في حاجه تاني حصلت مقولتش عليها؟ يمكن أساعدك

فـ خطى نحو الداخل وهو يردف :
- متشغلش بالك، بعدين أقولك

صعد "يونس" ببطء وكأنه لا يرغب في ترك المكان هنا ، لولا إنه ترك "ملك" في القاهرة ما عاد إليها مرة أخرى.. لقد نسى منذ مدة ماذا تعني الضغوط العصبية وما إلى شابه، ولكنه عاد يعيش وسط هذا الأمر وبقوة أكبر.
مرّ "يونس" على غرفة "ملك".. فدخل إليها، وكأنه أحس برائحتها فيها رغم غيابها عنها لأكثر من شهر.. مازالت أشيائها موجودة وحقيبة ملابسها، حتى دُميتها على الفراش وكأنها كانت تنام في أحضانها بالأمس.
التقطها من أعلى الفراش، يبدو عليها القِدم ولكن شكلها مميز.. تفحصها بدقة لأول مرة، وبتلقائية غريزية قربها من أنفه يتشمّم رائحتها.. فـ إذ بها معبئة برائحة "ملك" حرفيًا، تنفس فيها كأنه يدفن أنفه في عنقها، ولم يحس بالدقائق التي تمر وهو على نفس حالتهِ الغريبة.. حتى انتبه لما يفعل.
حدق في الدُمية لحظات وهو يسأل نفسهِ ما الذي يفعله هو الآن؟ ، ثم أبعدها عن مركز بصره ومازال ممسكًا بها، وخرج من الغرفة مصطحبها معه.. حتى يعود بها لصاحبتها.
...........................................................................

ارتبكت "نغم" وهي ترافق صديقتها للخارج بعدما أقنعتها "ملك" بأن تصطحبها معها.. لم تكن موافقة بالبداية، ولكنها رضخت في الأخير لإلحاح "ملك" المستمر.
هبطت "ملك" بعدما أقنعت والدها إنها ستذهب لشراء بعض الحوائج برفقة "نغم" وإنها ستذهب بصحبة "عيسى".. وما أن رآها الأخير وهو داخل السيارة بملابسها المتأنقة وشعرها المُصفف جيدًا، ترجل عن السيارة وسار نحوها متسائلًا بشدوه :
- رايحين فين ياملك هانم؟

فـ أجابتهُ ببساطة :
- مشوار مهم وانت اللي هتودينا

فـ أومأ برأسها وهو يشير نحو السيارة :
- تحت أمرك، أتفضلوا

استقر كلاهن بالخلف وجلس "عيسى" في مقعده متسائلًا :
- هنروح على فين؟
- وديني ليونس

ارتفع حاجبيه تلقائيًا و :
- بس الباشا مأمرش بحاجة زي دي، وبعدين أنا معرفش مكانه

فـ بدت نبرتها حازمة قليلًا وهي تقول :
- أنا عارفه، كلمني الصبح وقالي إنه رايح الشركة.. وديني هناك

ثم أشارت بسبابتها تُحذرهُ :
- ومتتصلش بيه ولا تبعت أي رسايل توضح إني رايحة له

تردد "عيسى" قليلًا وهو يُشغل المحرك، فـ قطعت "ملك" تفكيره قائلة :
- متقلقش أنا اللي مسئولة، وهو مش هيضايق منك.. يلا نمشي

وبالفعل قاد السيارة ليخرج بها من المنطقة ثم إلى مقر المجموعة.
وما أن وصل بها وترجلت كلاهما من السيارة سائرتين نحو البوابة.. أشار "عيسى" للأمن كي يفتح الطريق لهن، ثم سرعان ما أتصل بـ" يونس" يخبره بإنها وصلت إلى هنا.
دلفت "ملك" غير منتبهة لعراقة المكان وفخامتهِ الزائدة، بينما تطلعت "نغم" لذلك الصرح الضخم بـ انبهار وأردفت :
- مكنتش أعرف إن عمك الله يرحمه تقيل أوي كده

فـ تلوت شفتي "ملك" و :
- ولا انا كنت أعرف أي حاجه عنه

ثم سارت نحو الإستقبال وطلبت :
- من فضلك، عايزة أقابل يونس

قطبت الموظفة جبينها وهي تسأل عن هويتها :
- مين حضرتك؟
- بـ......

ولكن قطع صوتهما صوت الهاتف الخلوي، فـ اعتذرت الموظفة وهي ترفع السماعة :
- آسفه، ثانية واحدة.. ألو

استمعت للأمر ثم سألتها :
- حضرتك مدام ملك؟

فـ أومأت الأخيرة برأسها، نهضت الموظفة عن مكانها و :
- حاضر يافندم

ثم خرجت من مكانها و :
- أتفضلي أنا هطلعك عنده بنفسي

وسارت في المقدمة وهن خلفها.. بينما تفهمت "ملك" على الفور إنه علم بحضورهن في الحال .. كان "يونس" قد ترك مكتبهِ وخرج لاستقبالها بنفسه، نظر نحوها وهي تتهادى في خطواتها فـ علت ابتسامة طفيفة ثغرهِ وهو يدنو منها، بسط يدهِ نحوها يصافحها بحرارة و :
- لو عرفتيني إنك جاية كنت جيت أخدتك بنفسي

فـ بادلته ابتسامة مستحية و :
- محبتش أضايقك

اندهشت موظفة الإستقبال من استقبالهِ الشخصي لها بينما هو لا يفعل ذلك في المعتاد حتى مع ضيوفهِ الهامين، ثم استأذنت بالإنصراف و :
- عن أذنكم

نظر "يونس" نحو "نغم" و :
- أهلًا يانغم
- أهلًا

ثم سحب "ملك" برفق و :
- أتفضلوا

فـ رفضت "نغم" بتهذيب و :
- لأ أدخلوا أنتم واتكلموا براحتكوا، أنا هستنى هنا

فهزت "ملك" رأسها بالإيجاب وسارت معه وهو يسألها :
- طمنيني دراعك عامل إيه؟

تجولت "نغم" في الشركة وتخيلت العديد من المشاهد وهي تسترجع أحد المسلسلات التركية المهووسة بها.. حتى إنها تخيلت نفسها مديرة بهذا المكان تحكم وتأمر فيه وتديره.. وأثناء تجولها شعرت إنها تبحث عن أحد ما بدون وعي، إنها تبحث عن وجه "يزيد" بين الأوجه التي تمر لها.. حتى وجدتهُ بالفعل، كان يخرج من مكتبه يحمل ملف ما ويتفحص ورقاتهِ.. ولكن على وجهه العبوس بيّن للعيان، توترت ولم تشأ أن تقاطع تفكيره، ولكنه رفع بصره أمامه ليقع عليها صدفة.. اتسعت عيناه مذهولًا ونظر حوله متخيلًا إنه يتوهم، فـ ضحكت وهي تراه مشتت هكذا.. دنى منها وسأل بتحير :
- أنتي بتعملي إيه هنا؟ وجيتي إزاي؟
- جيت مع ملك، سيبتها بتتكلم مع يونس وأنا قولت أتفرج على الشركة

لم يتبين من تعابير وجهه شيئًا تفهم منه هل تضايق أم سعد أم ماذا؟.. ولكنها وجدت نفسها تسأله بفضول :
- هو مين الكبير فيكم، أنت ولا يونس؟
- يونس أكبر بـ عشر دقايق تقريبًا

وضاقت عيناه متسائلًا :
- أشمعنا ؟

وكأنها تخلق مجال للتحدث إليه، فلم تجد جوابـًا مناسبًا ترد به سوى :
- عادي مجرد سؤال، أصلكوا مختلفين عن بعض خالص

أسبل جفونه ينظر للملف في يده و :
- دي حقيقة، إحنا الأتنين مجرد شبه في الشكل بس

كاد ينصرف من أمامها ليقضي مهمتهُ و :
- أنا هروح آ.....

ولكن ظل "رغدة" الذي لمحه يقترب قطع صوته، فـ أحنى بصره عنها كأنه لم يراها وسأل "نغم" :
- تشربي حاجه؟

فـ وافقت على الفور :
- ماشي

وقفت "رغدة" بالقرب منهم وهي تنظر لـ "نغم" بنظرات متفحصة و :
- أنا من امبارح بحاول أكلم معاك مش عارفه

ثم وجهت حديثها لـ "نغم" :
- صباح الخير
- صباح النور

قالتها "نغم" ببشاشة وهي تبتسم بعفوية، بينما نظرت "رغدة" لـ "يزيد" كأنها تسأله عن هويتها، ولكنه لم يريد أن يرضي فضولها وقال برسمية جادة :
- مش فاضي

ثم ناولها الملف و :
- ياريت تراجعي الملف ده، عيب لما يخرج من مكتب سيادتك وفيه كل الأخطاء دي

تناولت الملف وهي تنظر إليه مليًا وأجابت مذهولة :
- أنا مبعتش ليك أي ملفات!

فـ سخر منها و :
- ده غلط أنيل من اللي قبله يامدام، أتفضلي راجعيه بنفسك

ثم أشار لـ "نغم" نحو مكتبه و :
- تعالي يانغم، المكتب من هنا

من ناحية أسعد "نغم" كثيرًا وشعرت كأن العصافير تزقزق فوق رأسها، بينما هو يتهرب فقط من تلك التي دمرت قلبهِ ومازالت تدعسه حتى ينزف أكثر كلما رآها..
ومن ناحية أخرى ترك خلفهُ "رغدة" تقف متحيرة متضايقة.. لا تعلم من تلك الفتاة التي أدخلها مكتبه، وأحست ببعض الغبطة تنتابها وهذا ضايقها أكثر.. كونها ما زالت تغار عليه وتهتم لأمرهِ جعل داخلها يختنق وكأنه ينطبق على بعضه البعض گأسطوانة معدنية.

مجرد جلوس "نغم" هكذا أمامهُ وهي تراه وتشاهد ما يقوم به كان يبعث بداخلها الفرحة.. بينما كان هو متجاهلًا وجودها منشغلًا بالحاسوب الذي يعمل عليه، أصرفت بصرها عنه قليلًا كي لا ينفضح أمرها حينما كان هو يلاحظ كل ما تفعله ولكنه يدعي التجاهل.. منع ابتسامة من الطفو على وجهه وتابع مهامهِ، بينما كانت هي تختلس من حين لآخر النظر إليه مصطنعة إنها تتجول بنظراتها في المكان.
............................................................................
أجفل "يونس" نظراتهِ يواري عنها قلة حيلته فيما تطلب منه و :
- صدقيني عملت كده من غير ما تطلبي، كلمت الدكاترة واقترحت عليهم نسفره برا لكن كلهم قالوا مفيش أي داعي.. كل المحاولات عملناها هنا

أطرقت "ملك" رأسها بحزن بالغ و :
- يعني إيه؟ هتفرج على بابا وهو بيموت؟.. يعني اتكتب عليا أكمل حياتي كلها حاسه باليتم!

ضاق صدره مع كلماتها وعجز عن إيجاد الحل، لأول مرة يشعر بالعجز هكذا.. بينما كانت هي تُفضي بما بداخلها كي تنزع بعض من الهم عن صدرها :
- ماما ماتت وسابتني زمان، ودلوقتي بابا في الوقت اللي حسيت فيه إن ليا أب هيروح هو كمان.. أعمل إيه يايونس؟

ترقرقت عبرة من طرف عينها وهي تُرثي حالها :
- مش ممكن يكون اتكتب عليا أعيش طول عمري مقهورة ووحيدة
- ملك آ.. أنا.....

لم يعرف ماذا يقول تحديدًا، رغب لو إنه يضمها بعناق يشفي خدوشها التي لا تنتهي مهما حدث.. يطاردها ماضي وحدتها گالوصمة لا تستطيع مفارقتها أينما كانت.
فقط وضع كفهِ على يدها يُآزرها، وظل يمسح برفق عليه وقال بخفوت لمسها :
- أنا هفضل جمبك، أسمحيلي بـ ده

فـ تركت فضولها يسأله :
- ليه بتعمل معايا كل ده!؟

فـ أسرع بالإجابة كي لا يسمح لها بالشك :
- أنتي بنت عمي ياملك، مسؤولة مني.. آسف إنها جت متأخر، بس عمري ما فكرت إنك ممكن تكوني محتجاني
- أنا اكتشفت إني كنت محتجالك طول عمري

أسبلت جفونها بعد الرد الفوري الذي أتى من صميمها بدون أن تُجملهُ.. وتركت لديهِ قشعريرة لطيفة سرت مداعبة أطرافهِ وجسده، تنهدت رافضة التفكير في موتهِ :
- بس مقدرش أستغنى عن فكرة وجود بابا في حياتي

ربت على كفها أولًا قبل أن يسحب يده و :
- مقولتش أستغني، لكن مش قادر أوجد حل منطقي

نهض عن جلسته وسار نحو المكتب، رفع سماعة الهاتف و :
- واحد لمون فريش

ثم أغلق الهاتف ونظر نحوها لحظات صامتة، ثم قال :
- عارف إنه مش وقته، بس هترجعي معايا أمتى ياملك؟

ترددت ما الرد المناسب الذي تجيب به، فـ قطع تفكيرها بقرارهِ :
- عشان تكوني عارفه أنا مش هنفذ رغبة عمي، المرة دي القرار راجع ليا أنا

تضايقت كونهِ لم ينتظر حتى رأيها وقد قرر نيابة عنها، ونهضت واقفة وهي ترد بـ :
- أفرض أنا مش عايزة أرجع !
- مش مهم

قالها بنبرة غير مكترثة، فـ أرادت أن تعانده قليلًا :
- لأ

قطب جبينهِ بعدم فهم و :
- لأ على إيه؟
- لأ مش هاجي معاك

ثم دنت منه حتى أصبحت قبالتهِ وأردفت :
- مش انت اللي علمتني أقول لأ.. يبقى لأ

ضحك، فقد تحقق كلام "يزيد" وأصبح هو من أوائل من تمردت عليهم.. فـ رمقته بحنق و :
- بتضحك على إيه؟

حمحم وضبط وضعية الجدية وهو يقول :
- أفتكرت حاجه كده

استمع لقرع على الباب، فـ أجلسها أولًا :
- أقعدي

دلف عامل البوفية وهو يحمل كأس من عصير الليمون أمامها ثم انصرف.. فـ نظرت إليه قبل أن تقول :
- مش بحب اللمون

فترأس مكتبه وتابع تفحصهِ لتعابير وجهها وهو يقول :
- زي ما تحبي

رمقتهُ من طرف عينها و :
- طبعًا زي ما احب

ثم تناولت الكأس وبدأت تشرب منه.. فطرق بأصابعه على سطح المكتب وهو يتحرك بمقعدهِ الجلدي يمينًا ويسارًا ناظرًا إليها.. حقًا إذا أردت شيئًا، فـ أطلق سراحهُ.
.............................................................................

نفخت "نغم" بـ انزعاج وقد سئمت الجلوس وسط هذا التوتر والضغط العصبي.. منذ أن جلست في مكتب "يزيد" وهي تشاهد فقط عصبيتهِ المفرطة على مُوظفيهِ، أوامره الغير منتهية، مثاليتهِ المتشددة.. هكذا يُدير صرح گهذا بنجاح، هو قيادي مميز، ولكنها هي شخصية لم تعتاد على مثل هذه المعاملة.. فلم تتحمل صمت أكثر من ذلك وتدخلت بعد أن غادر مسؤول الحسابات :
- أنت على طول عصبي كده وبتزعق مع كل الناس؟

فـ تجهم وجهه ناظرًا إليها و :
- أفندم!
- يعني ممكن تعمل كل ده من غير زعيق وعصبية على الفاضي، أنا لو موظفة عندك مش هتحملك يومين على بعض

فـ أراد أن يرد عليها ردًا يُفحمها وقال متفاخرًا بصرحهِ :
- عشان كده عمرك ما هتكوني موظفة هنا

فحدجتهُ بنظرة حازمة وقد تبدل حالها جذريًا و :
- مين قالك عايزة أكون موظفة هنا أساسًا
- أحسن برضو

ضحكت بسخافة وهي ترمقهُ بنظرات محتقنة، ثم التقطت حقيبتها وسارت نحو الباب وهي تُتمتم :
- مغرور

صفعت الباب خلفها وتدفقت الدماء في عروقها بحرارة، ثم غمغمت بـ إصرار :
- طب والله لأوريك مين دي اللي مينفعش تكون موظفة هنا، ماشي يايزيد
.............................................................................

كانت "ملك" تتحدث إلى "مهدي" عبر المكالمات المرئية على هاتف "يونس" بعد أن رغبت في رؤية "ريحان".. فتح لها "مهدي" الكاميرا الخلفية وجعلها تشاهد الأسطبل كله.. فـ سعدت وهي ترى "ريحان" في حالة جيدة ونشيطة.. حقًا أحلى فرس لدى "يونس" ويعتبر فصيلة نادرة جدًا يُقدر ثمنهِ بـ آلاف الدولارات، لهذا السبب تحديدًا أصرت "غالية" على الأحتفاظ به منذ أن كانت "هانيا" على قيد الحياة.. أبعدت "ملك" عينها عن الهاتف وهي تسأل "يونس" :
- ينفع أروح أشوفها؟

فـ ابتهج "يونس" وهو يجيبها :
- من دلوقتي لو عايزة

فـ هبت متحمسة من مكانها و :
- طب يلا بينا

ثم نظرت للهاتف و :
- إحنا هنيجي شوية عشان أشوفها ياعم مهدي
- تنوروا، هستناكوا

رنّ الهاتف الخاص بالمكتب، فـ تابع "يونس" إرتداء معطفه قبل أن يرد :
- ألو.. مين ده؟

فأجابت موظفة الإستقبال :
- ربيع اللي جه قبل كده، مصمم يشوفك وقال مش همشي من هنا غير لما يقابلك

تعلقت نظرات "يونس" بـ "ملك" التي تتحدث لـ "مهدي" لم تنتبه له بعد.. أصبح في موقف لا يُحسد عليه، الأمر الذي انتوى إنه لن يكشفهُ لها إلا حال تأكده من الحقيقة كاملة بات مُجبرًا على إيجاد تفسير له في ظل وجود ذاك الـ "ربيـع"..
يتبع.....
لقراءة الفصل التاسع والعشرون : اضغط هنا
لقراءة باقي فصول الرواية : اضغط هنا
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات