القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية وللأقدار أسباب كاملة بقلم دنيا الشملول

رواية وللأقدار أسباب كاملة بقلم دنيا الشملول 

رواية وللأقدار أسباب كاملة
رواية وللأقدار أسباب كاملة بقلم دنيا الشملول

رواية وللأقدار أسباب بقلم دنيا الشملول - الإهداء والمقدمة

إهداء....

إلى تلك الأرواح التي حلقت إلى السماء بغتةً دون أن تدري لموعدها موعد، دون كلمة وداع، دون عناقٍ أخير.

إلى هؤلاء الطيبون الأنقياء قلْبًا وقالِبًا.

إلى من عانى في حياته سواء كان السبب مرضٌ خبيث أو حياة خبيثة.

إهداء لي، ولكَ، ولكِ وللبشرية.. الأحياء منهم والأموات.

إلى فقيد قلبي وحياتي
( عمي )

وللأقدار أسباب
دنيا الشملول

------*------*------

مقدمة.....

أتعلمون ذاك القول الذي تداول بيننا عن لسان علي بن أبى طالب -كرم الله وجهه-:
"لو كان الفقر رجلًا لقتلته"؟

تلاه من بعده أجيال وبدأوا في وضع كلمات أخرياتٍ استبدالًا لكلمة (الفقر) للتعبير عن مدى آلامهم بما يفقدونه على مر الأيام..
وقد أتى من بينهم ذكر:
"لو كان الموت رجلًا لقتلته".

إن الموت يخطف من بيننا الأعزاء، ويسرق عن عالمنا الأقربون.

يأتينا الموت غفلة، دون أن نحسب له حسابًا، دون أن نستعد للقاء وجهه الكريم.

يتلفظ البعض منا بما يُخالف عقيدة خلقنا، ويحيى الكثير منا بين طيات الأيام يعبث ويلهو تحت عبارة تتكرر بكثرة في أيامنا هذه "يا عم عيش حياتك"، لا يدري أن تلك الحياة خُلقت لنتعبد لخالقها، وُجِدت لنعترف بقدرته ونؤمن بقضائه وقدره.

ولنكون صادقين مع أنفسنا، فلنعترف بأن الموت حق علينا جميعًا، لما أتى في كثير من آياته سبحانه وتعالى.. ومن بينهم :
"نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ"
( سورة الواقعة : آية ٦٠ )..

والآن إلى حلقات الرواية ..

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الأولى بقلم دنيا الشملول


تثاءبت بكسل وهي تبتسم بسعادة كبيرة وتشعر أنه لا سعادة على وجه الأرض تضاهي سعادتها الآن .. فاليوم هو يوم زواجها ممن دق قلبها له .. هل هناك ما هو أجمل من ذلك ؟!

تحركت بسرعة وهي تجذب منشفتها وفرشاة أسنانها ودلفت إلى دورة المياة بعدما لاقت العديد من التهنئات والتبريكات من زوجات أعمامها وأخوالها وكذلك جاراتها اللاتي تقمن بتجهيز طعام العروس مع والدتها .. فهذا ما يُعرف في الأحياء الشعبية بيوم العروس .. حيث يكون الجميع يد واحدة .

أنهت طقوسها سريعًا ومن ثم رفعت هاتفها الذي أعلن عن اتصال تعلم صاحبه جيدًا بسبب نغمته المميزة لتجيب بسعادة حقيقية :
- حبيبي .

خالد بابتسامة هادئة ظهرت جلية في صوته :
- صباح الجمال يا جميلة الجميلات ، عاملة إيه ؟

نرمين بسعادة :
- فرحانة ... فرحانة أوي يا خالد .. أوووي .

خالد بضحكته الرجولية التي تسلبها فؤادها :
- ربنا يفرحك كمان وكمان يا قلب خالد ، جهزتي ولا لسه ؟

نرمين وهي تقوم بوضع بعض الأغراض بحقيبة يدوية :
- أيوه حبيبي خلصت أهو، العربية تحت ؟

خالد :
- على وصول .. لسه قافل مع أحمد ابن عمي دلوقتي وقالي إنه داخل على البيت .

نرمين :
- خلاص أوك .. على كل حال أنا جاهزة أهو .

خالد :
- تمام يا حبيبتي ، خلي بالك من نفسك ها ، ولو في حاجة كلميني على طول .

نرمين :
- عيوني يا عيوني .. يلا سلام .

أغلقت معه وهي تحتضن الهاتف إلى قلبها ليجفلها فتح الباب المفاجئ وطلة صديقاتها اللاتي صرخن لتصرخ معهن وبدأن بالدوار في الغرفة تعبيرًا عن سعادتهن بهذا الزواج الذي طال انتظاره ؛ فخالد لم يكن سوى عامل ميكانيكي في ورشة تصليح بمدينة القاهرة ، التقى بمحض الصدفة بنرمين التي امتلكت بهدوئها وجمال طلتها كل خلايا روحه وقلبه ، ولحسن حظه أن صديقًا له كان خاطبًا لإحدى صديقاتها ، لذلك فقد سهُل الأمر كثيرًا عليه في أن يتعرف إليها .

يوم بعد يوم أصبحا صديقين مقربين لبعضهما ، لتتوالى الأيام ويعترف خالد بحبه لها ، والذي قابلته هي الأخرى باعترافها بالوقوع في حبه .

قصة عادية تحدث على مدار الأيام وتتكرر كثيرًا .

لم يكن من خالد الذي كان يدرس في هندسة الميكانيكا بجامعة القاهرة وبالفرقة الخامسة إلا أن يتقدم لخطبة نرمين والتي كانت لا تزال بالفرقة الثالثة من كلية العلاج الطبيعي حينها ، وذلك بعدما استطاع تدبير منزل بسيط بالإيجار في أحد الأحياء بالقاهرة .. فقد كان يحلم خالد بمستقبل باهر فيها .. وكان ذلك حلم صديقه المقرب أيضًا واللذان تواعدا على أن يبدآ من الصفر معًا ..
لكن ما لم يحسب له خالد حسابًا هو أن يُقابل طلبه ليدها بالرفض من والدها الذي كان يرى أن ابنته لا يجب أن تتزوج من مجرد عامل ! فهي ستكون طبيبة مستقبلية ، وسيبقى هو عامل حتى بعد أن يحصل على شهادة الهندسة .
وحتى يستطيع بناء هذا المشروع الفاشل من وجهة نظر والدها فسيحتاج للكثييير من السنوات ، ففي النهاية نحن في بلاد هدم الطموح لا بنائها .

لم يعرف اليأس طريقًا لقلبه ، كما لم تخالف هي عهدها بأن تحاول لألف مرة كي تصبح له .

عاود طلب يدها وعاد من جديد خائبًا ، وأيضًا لم يعرف اليأس طريقًا لقلبه ، ليعاود ثالثًا ورابعًا وهو يقسم لوالدها في كل مرة أنه لن يندم إن أعطاه ابنته ، وأنه سيسعى بكل ما يستطيع ليجعلها تحيا في نعيم العيش ورغده حتى وإن تطلب الأمر أن يعمل ليلًا ونهارًا .

مع إصرار خالد وعودته بعد كل مرة يُرفض بها ، ومع محاولات نرمين المستميتة لاستعطاف قلب والدها ، وافق أخيرًا .. وتمت خطبتهما لعامين استطاع خالد بهما أن يثبت نفسه ويثبت حبه لها ، وها هو اليوم الذي طال انتظاره يأتي بعد معافرة وقضم حجارة الجبال .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

كانت تعقد رباط حذائها في عجلة من أمرها حينما أتاها صوت والدتها المتسائل :
- صليتي الصبح يا فاتن ؟

فاتن وهي تسحب أغراضها الدراسية :
- مش هلحق يا ماما معاد الدرس هيضيع مني .

والدتها بقلق :
- يابت الصلاة أهم عشان ربنا ييسرلك طريقك .

فاتن:
- ما خلاص يا ماما بقا هصلي قضى عشان متأخرش ، يلا سلام .

خرجت فاتن دون أن تنتظر أي رد من والدتها ، فهي في غنىً تام عما ستسمعه من موشح اعتادت عليه كل يوم بسبب إهمالها لصلاتها .

تعلم أنها بعيدة كل البعد عن ربها وأنها تصلي فرض وتترك عشر ، لكن الحجة الفارغة لمن هم في مثل عمرها تتمثل في كونهم طلاب ثانوية عامة ولا يملكون الوقت للتنفس حتى .

بينما تقف والدتها تنظر في أثرها ببعض القلق الفطري ، وأخذت تدعو الله أن يحمي ابنتها ويحفظها من كل سوء ويردها إليه ردًا جميلًا .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

- إيه يا صاحبي ؟ إيه مقعدك ع القهوة من صباحية ربنا كده ؟ وبعدين مش النهاردة فرح أختك ؟

كان هذا صوت حسني صديق محمود ، والذي يشاركه جلسات القهوة ولعب كرة القدم .

محمود وهو ينفخ بضيق :
- متفكرنيش يا حسني الله يكرمك .

حسني :
- إيه ده ؟ إنت لسه متصالحتش إنت وأختك يا محمود ، ياخي عشان خاطر اليوم حتى ، ده انت أخوها الوحيد ولازم تبقى جنبها في يوم زي ده .

محمود بعصبية :
- بقولك إيه يا حسني ، متجيش تقولي جملتين أبويا وأمي دول ، هي اختارت تتزوق وتعمل فرحها في القاهرة عشان جوزها عايز كده يبقى براحتها بقى .

حسني :
- الله .. إيه يا عم محمود ، وانت هتمشي الدنيا على مزاجك ، يا عم هي وجوزها أحرار ، وأبوك موافق ، وبعدين ما الحنة كانت إمبارح يا محمود وأهل الحتة كلهم كانوا حواليها وفرحوا وزقططوا ، واللي قادر يروح الفرح هيروح ، وبعدين أصلا الفرح ده مش بيبقى فيه غير غدا الرجاله وبيفضوها سيرة يعني ، ده غير إن الفرح ده بيبقى تبع العريس .

محمود وهو يهم بالذهاب :
- يا عم أنا مجنون ياعم ، فوكك بقا مني ، أنا مروح ، سلام .

ضرب حسني يديه معًا في يأس من صديقه الذي يعلم جيدًا أن رد فعله هذا ليس إلا حزنًا على فراقه لأخته .

الأمر لا يتعلق بالزفاف إطلاقًا ، بل يتعلق بحزنه من فراق أخته، لقد كان يبكي بمفرده بالأمس وهو يراها بين صديقاتها سعيدة ، هو لا يكره سعادتها ، لكن الأمر صعب عليه قليلًا .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

وفاء وهي تصفق يديها بمرح :
- يانهااار .. مش مصدقة إني هحضر زفة وفرح في القاهرة .

فاتن بلامبالاة :
- إيه يا ماما براحة على نفسك شوية ، إيه يعني زفة وفرح في القاهرة يعني !

وفاء :
- يخربيت وشك الفقر يا شيخة .. ألا هو انتي مقلتليش هتيجي بإيه ؟

فاتن :
-لا أنا مش هروح أصلا .

وفاء :
- يانهاري يا فاتن .. ليه بس ؟

فاتن :
- مبحبش الدوشة يا وفاء ، ومليش مزاج أصلًا .

وفاء :
- فقرية أقسم بالله .. يلا أنا هروح بقا عشان ألحق أجهز وأشوف هروح في عربية مين .

وفاء :
- طيب ياختي سلام .

غادرت وفاء إلى منزلها ، وكذلك فاتن التي بعد جلوسها لبعض الوقت تستذكر دروسها دلفت إليها والدتها بهدوء وهي تتمتم بتساؤل :
- يوه .. مجهزتيش ليه يا فاتن ؟

فاتن:
- أجهز لإيه يا ماما ؟

والدتها :
- عشان تروحي فرح نرمين بنت خالك .

فاتن :
- لا أنا مش عاوزة أروح ، انتي عرفاني مبحبش الدوشة والزيطة .

والدتها :
- لا يا فاتن لازم تروحي، لا أنا ولا أبوكي رايحين ، انتي تسدي مكاني أنا وأبوكي وتكوني جنب بنت خالك .

فاتن :
- يا ماما مش عايزة .

والدتها برجاء :
- عشان خاطري يا فاتن .. اطلعي وهتفرحي والله ، وبعدين مش وفاء بنت عم نرمين رايحة ؟ يعني أهي صحبتك وتفرحوا مع بعض .

فاتن وهي تزفر بضيق :
- طيب يا ماما .. هتصل بيها وأشوف الدنيا .

خرجت والدتها لتقوم فاتن بمهاتفة وفاء التي صرخت من سعادتها بقدوم فاتن لتدلف والدتها إلى الغرفة وهي تتمتم :
- إي يا بت في إيه ؟

وفاء :
- مفيش ، أصل فاتن مكنتش ناوية تيجي الزفة والفرح وأمها أقنعتها وهتيجي .

والدتها ببعض القلق :
- ما بلاش يا وفاء الزفة دي .. إحنا حضرنا الحنة إمبارح .

وفاء بإصرار :
- لا يا ماما طبعًا مينفعش ، دي بنت عمي بردو ولازم أحضر .

والدتها :
- ربنا يعديها على خير بس .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

كانت تقف في جانب ما من صالون التجميل وهي تتحدث إلى أخيها في رجاء متمتمة ببكاء :
- والله لو ما جيت يا محمود لهلغي الفرح وكل حاجة ، وإنت عارفني .

محمود من الجانب الآخر :
- خلاص بقى يا نرمين في إيه ، هجيلك بكره الصبح مع أمي وأبويا .

نرمين ببكاء :
- عيزاك جنبي يا محمود ، يا نهاري عليك ، هتسيبني يوم فرحي لوحدي يا محمود ، اخص عليك بجد والله .

محمود بتنهيدة :
- خلاص يا زفتة ، خلاص جاي .

نرمين :
- حبيبي والله العظيم .. يارب ما يحرمني منك أبدا يا حودة ، يلا هستناك بقا .. سلام .

أغلقت معه وهي تزفر بارتياح ومن ثم جلست أمام متخصصة التجميل التي تقوم بتزيين العروس وبدأت برسم ملامح نرمين بدقة واحترافية ، ومن حولها صديقات نرمين اللاتي يقُمن بالتقاط الصور في سعادة .

بينما على الجانب الآخر ..

تم توزيع الشباب على السيارات التي ستخرج من المدينة حيث يحيا أهل نرمين وتتجه إلى القاهرة حيث العروس التي يتم تزيينها هناك .

استقل خالد سيارته ومعه كل من والده ووالدته وصديقه المقرب حسام وكذلك أخته الصغرى رحيق .. بينما أهل نرمين فقد استقلوا سيارة ميكروباص لما يحملونه معهم من عشاء سيذهب لمنزل ابنتهم .

في حين استقل أحد أصدقاء محمود سيارته واستقل أحمد ابن عم خالد إلى جانبه وبرفقتهم بعض الشباب اللذين لم يرتح قلب أحمد لهم على الإطلاق .. لكن ما باليد حيلة .

بينما استقل محمود الأخ الذي يصغر نرمين بعامين سيارة أحد أهل منطقته والتي تتمثل في خمسة من الركاب وإلى جانبه صديقه حسني ومعه ابنة عمه فاتن وابنة خاله وفاء والأخ الأصغر لوفاء والذي لا يزال في الصف الثالث الإعدادي ، وهناك سيارة أخرى تمتلئ بالشباب اللذين سيقومون بالزفة لجعلها زفة التاريخ .

لم يكن يدري أيًا منهم أنها ستكون حقًا زفة التاريخ ، لكن بعكس ما يتوقعونه تمامًا .

انطلق خالد بأهله وكذلك انطلق أهل نرمين ، ومن بعدهم بدقائق تحركت سيارات الشباب .

كان الطريق يشهد على أصوات الغناء والموسيقى العالية وتصفيق الشباب الحار ، وخروج رؤوسهم عن زجاج السيارات وهم يصرخون ويصفقون ، والسيارات تتراقص والأبواق تعلُ أصواتها لتتشاجر مع أصوات المهرجانات التي تعلُ ضرباتها حتى كاد الطريق يتصدع من قوتها .

كانت السيارة التي يركب إليها أحمد ابن عم خالد تتراقص بشكل مخيف بالنسبة لأحمد الذي قرر أن يرحم نفسه من تلك المخاوف التي يُحييه بها هذا السائق الذي يخرج برأسه من الزجاج تارة ، ويأخذ أنفاسًا قوية من سجائره تارة وهو يتحرك في مقعده بصياح مع صوت الأغاني التي تتوالى من هذا المسجل اللعين .

قام بمهاتفة خالد ابن عمه وأخبره أنه يود تغيير السيارة التي يستقلها ، فقام خالد بدوره بمهاتفة محمود نسيبه والذي وافق على أن يستبدل صديقه حسني مقعده مع أحمد .

توقفت السيارتان وخرج أحمد وهو يتمتم بالشهادة لكونه إنتهى من هذا الرعب الذي يحياه مع ذاك المجنون ، لم يكن يدري أن قدر الله نافذ ، وأنه وإن كان في فراشه فسيأتيه قدره لا محالة .

تحركت السيارات من جديد ، ولا يزال ذاك الأبله يتراقص بسيارته ، وفجأة !!!! ومن دون سابق إنذار .. حدث ما لم يكن متوقع .

انحدرت السيارة التي تتراقص إلى جانب الطريق ، لكن حاول سائقها أن ينتشلها سريعًا عن الجانب الرملي ، وأثناء محاولته للصعود إلى الطريق تلامست مقدمة سيارته مع مؤخرة السيارة التي صعدها أحمد للتو ، ليختل توازن السيارة الأمامية ، وقبل أن يستوعب محمود سائق السيارة الأمامية ما يحدث التقطت عيناه ذاك الميكروباص الآتي معاكسًا له ، وفي أقل من ثانية كانت السيارة تتطاير على الطريق براكبيها والميكروباص قد انقلب عدة انقلابات ، ليتحول الطريق الذي شهِد على الغناء والفرحة إلى طريق مُلطخ بالدماء ، وما كان يشهد على صرخات السعادة أصبح يشهد على نواح الحزن .

كان التوقيت تحديدًا حينها هو الرابعة والنصف ، بدأت السيارات المارة في التوقف لرؤية ما حدث ، وتم حضور الشرطة والإسعاف ، كانت السيارة المتراقصة بما فيها هي الناجية ، بينما السيارة التي تحمل أحمد ومحمود وكذلك وفاء وفاتن هم من لقوا حتفهم .

تم نشر الخبر بسرعة البرق وذلك عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي ، وقد وصل الخبر لتلك التي انقلب حالها للنقيض تمامًا وهي تستقبل خبر فقدانها لأخيها ، لا .. لم تفقده .. هو لم يكن معهم .. لم يكن معهم .. هي لم تُصر على مجيئه من الأساس .. هو لا يزال بمنزلهم ولم يأتي .. لا يزال حزينًا لفراقها .. فراقها ؟!!! من فارق من الآن ؟.. لا لا .. لن يفترقا .. لن يحدث .

لم تكن تدري بنفسها وهي تجذب قماش الفستان الذي تقطع واهترء بفعل يدها ، لم تكن تدري بصرخاتها التي تملأ المكان ، لم تكن ترى وجهها الذي أصبح كلوحة فنية مختلطة ألوانها .

حاول جميع مَن حولها أن يهدءوا من انفعالها وصرخاتها ، لكن لم يستطع أحد منهم ، قامت بكسر التاج بين يديها ، وجعلت من فستان زفافها خرقة بالية لا نفع منها بعدما تقطع ، بقيت تصرخ حتى فقدت وعيها بينهم ، ليحملنها إلى أقرب مستشفى على الفور .

في حين عاد خالد أدراجه حيث تم الحادث وهو يدعو الله ألف مرة بداخله أن يكون الحادث بعيد كل البعد عن سيارات زفتهم .. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .

تم حصر عدد الوفيات ، ليتبين لهم أنهم خمس أفراد من نفس المدينة بالإضافة لأحمد ابن عم خالد ، وعشر أفراد بالسائق من الميكروباص الذي تمت معه الحادث .

كانت زفة التاريخ بحق ..

ذهبت روح فاتن التي رفضت أن تؤدي فرضها في الصباح ، ورفضت أن تستمع لنصائح والدتها التي لا تريد من الدنيا سوى أن تكون ابنتها على الطريق الصحيح .

ذهبت روح وفاء التي كانت تصفق وتغني مع المهرجانات دون أن تهتم لكونها من أعظم المحرمات .

ذهبت روح محمود ..

وذهب أحمد الذي ظن أنه يهرب من قدره .

حلقت أرواحهم ، وستُبعث يوم القيامة على ما ماتت عليه ، ستُبعث على عبث ، على غناء وملهى ، ستُبعث على ما هو دون رضا الله عما يحدث من ملهاة دون رقيب أو حسيب .

هذا لم يكن كل شئ فحسب ...

فصديقات وفاء وفاتن اللاتي يعرفهن من المدينة قمن بمشاركة صورهن على مواقع التواصل الإجتماعي وهن ينعينهن ويكتبن ما لا يُرضي الله من حزن على فراقهن وهن صغيرات .. ومن سرقة الموت لشبابهن .. ومن عدم تصديقهن لموت صديقاتهن وأنهن يمزحن فقط .. والكثييييير من التراهات التي تزيد الطين بِلة ..
تمت مشاركة صورهن التي تمثلت في بناطيل وحجاب لا يُصنف تحت مسمى الحجاب .

لم يسترن أنفسهن أحياءً .. ولم يسترهن صديقاتهن أمواتًا .. تلك الفادحة التي تلازم عصرًا يرى التحرر أسلوب حياة .

هكذا انتهت نرمين من سرد ما مرت به حفلة زواجها من خالد الذي أماته الله منذ عامين فقط تاركًا خلفه زوجة بلغت من العمر أرزله وفتاة تحمل ملامحه الهادئة والنقية .. كما ورثت عنه العزيمة والإرادة والسعي خلف الحلم دون تخاذل .

تمتمت بتنهيدة قوية :
- شفتوا واستحملتوا كتير أوي يا ماما .

ابتسمت نرمين بهدوء وهي تقرص وجنتها بخفة متمتمة :
- وربنا عوضنا خير بأجمل بنوتة في الدنيا .

قبلت يدها بحب وهي تتمتم :
- ربنا يقدرني واعوضك بجد يا حبيبتي .

قاطعهما صوت رحيق الساخر عند الباب :
- قومي يا ختي .. وكفاية حب وحكاوي ورانا مصالح .

تنهدت غادة بغيظ وهي تتمتم :
- عمتو هادمة اللذات ومفرقة الجماعات .

ضحكت نرمين قبل أن تقبلها غادة قبلة عميقة في جبينها وتخرج إلى وجهتها التي ستكون عندها بداية تغيير جذري في حياتها كُليًا .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂



تُشير عقارب الساعة للثانية صباحًا بتوقيت القاهرة ؛ ذلك التوقت الذي يجمع بين أُناسٍ يقيمون الليل تعبُّدًا لخالقهم ، وآخرين يغطون في سبات عميق غير مدركين شيئًا عن الحياة من حولهم ؛ فهم في موتهم المؤقت ، وآخرون يبكون إشتياقًا .. وربما ألمًا أو حرمانًا .

تتعدد الأسباب ولكن النتيجة واحدة " البكاء "، ومنهم من يقف مودعًا ، وآخر مُستقبلًا ، منهم من يفكر بعمق ، ومنهم من يفكر بألم ...

بينما هنا في منزل يتسم بالبساطة والأناقة في ذات الوقت ، رغم ثراء أهل بيته ، إلا أنه متواضع بهم ، هذا الشئ الذي يُثير حفيظة ذاك الجالس فوق سور البلكون الخاص بغرفة الجلوس بصدر نصف عاري ؛ نتيجة فتحه لأول أزرار قميصه الأسود الذي يشبه خصلاته المرفوعة الغرة دائمًا ، والمصففة بعناية للخلف ، يستند بظهره إلى الحائط رافعًا إحدى قدميه إلى سور البلكون ، والأخرى تتدلى منه إلى الداخل ، يستند برأسه - الصلبة العنيدة - إلى الحائط مغمض الجفنين ، يُخفي بهما سوداوتيه ، ويمسك بين إصبعي يده اليسرى إحدى السجائر المشتعلة ، والتي كانت ولا تزال سببًا أساسيًا في شجاراته الدائمة مع والده ووالدته دون أن يستثني العائلة الكريمة .

أخرج زفيرًا قويًا معبء بدخان سيجارته اللعينة قبل أن يُلقي بها إلى الطريق .. رفع كوب الشاي الذي برد بفعل الهواء وبسبب تركه له منذ فترة طويلة .

ارتشف منه رشفتين قبل أن يلقي بالكوب بما يحويه إلى الطريق غير عابئ لكون أحدهم قد يُجرح بسبب الزجاج الذي تهشم فوق الرصيف ، خاصة أن ساكني المنازل من حولهم بها أطفال يعبرون هذا الطريق من أجل الذهاب إلى الجهة الأخرى التي يصطف بها محلات السوبر ماركت وغيرها .

أخرجه من شروده بالطريق صوت يعلم صاحبته جيدًا ، كما يعلم أن هذا الصوت سيحتد قريبًا حتى تنشب بينهما مشكلة جديدة فيترك لها المكان مغادرًا إما إلى النادي أو إلى غرفته .

- سيادتك هتفضل ترميلي في كوبايات المطبخ لحد امته ؟

كان هذا صوت سبأ ، والدة عمار الماثل أمامها في البلكون الآن .

خرج صوته المبحوح أثر حشرجة صدره بسبب الدخان الذي يدلف إلى رئتيه بغزارة دون رحمة :
- هبقى أشتري كوبايات بلاستيك أشرب فيها بعد كده ، عشان أحافظ على كوبايات المطبخ .

سبأ وتكاد تجذب خصلاتها من منابتها بسبب بروده :
- انت بتستفزني يا عمار ؟

عمار دون أن ينظر لها :
- واستفزك ليه يا ماما ؟ قلت حاجه غلط ؟!

سبأ بتنهيدة :
- عمار ، لما أبقى بكلمك تبصلي .

استدار برأسه إليها يناظرها بانزعاج منتظرًا حديثها ، لكن الصمت طال ليهتف بضيق :
- إيه ؟ الكلام خلص بدون خناق ولا إيه ؟

جذبت سبأ أحد المقاعد وجلست إليه تحاول أن تهدئ من انفعالاتها ، فقط لو تستطيع فهم ما يدور بداخله ، لو بإمكانها وضع يدها فوق جرحه لتداويه ، لو بإمكانها أن تسكن روحه كي تعطيه من بهجتها ما يكفيه ليصبح طبيعيًا في التعامل مع من حوله ، لو يعود بها الزمن فتعيد تربيته وتعطيه أكبر قدر من الإهتمام والرعاية وتنفض فكرة الإنجاب من بعده حتى يبلغ الصبية ، جميعها أمنيات تتمنى لو تتحقق ، لكنها تبقى أمنيات .

سبأ بهدوء متضرع :
- اشكيلي يا عمار .. أنا أمك ، لما تبقى متضايق تعالى اشكيلي وقولي إيه مضايقك وتاعبك ، تعالى شاركني يومك يا عمار ، تعالى اترمي في حضني وأنا حضني أوسع مما تتخيل ويساعك ويقفل عليك ، إنت ليه كده يا عمار ، ليه بتزعل الكل منك .. إنت مبقتش صغير !!

نظر لها بعينين تحملان الكثير والكثير .. لكنه سرعان ما نزل عن السور ووضع يديه بجيب بنطاله كعادة والده حينما كان في مثل عمره وتحرك خارج البلكون ، ولكن قبل أن يتخطاها تمتم بصوت بالكاد استطاعت سماعه :
- حضنك واسع ويساع الكل ، لكن مش أنا .

نزلت تلك الكلمات على قلبها فأدمته ، على روحها فأثلجتها ، على كيانها فصلبته ، على أذنيها فأصنجتها عن سماع كل ما يدور حولها من أصوات أواخر الليل وبوادر الفجر ، على عينيها فأدمعتها لتصبح الرؤية مشوشة أمامها .

سمعت باب غرفته يُغلق فخرجت شهقتها التي تلتها العبرات حسرة على ما هم عليه .

تحركت كي تتوضأ وتصلي ركعتين تناجي بهما ربها .. عله يُصلح من حال بِكرها .

بينما يتمدد هو إلى فراشه ناظرًا لنقطة ما بالفراغ ويبتسم ابتسامة تهكمية لما آل إليه حاله ، الجميع يُطالبه بالتحسن ، الجميع ملائكة بأجنحة .

صدرت ضحكة ساخرة خافتة من بين شفتيه قبل أن يغط في نوم عميق فور إعلان المآذن عن نداء صلاة الفجر .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

تثاءبت وهي تتقلب في فراشها استعدادًا للنهوض، أفرجت بدر عن بنيتيها وهي تحرك يدها داخل خصلاتها السوداء الداكنة ، وقامت بطرقعة رقبتها كالصبية ، تلك الحركة التي علمها إياها خالها وتوأم والدتها ، والذي أخذت من ملامحه الكثير حتى يظن من يراها أنها ابنته هو لا ابنة أخته ، كما توأمها بدور التي لا يستطيع أحد التفرقة بينهما بسهولة لتقارب ملامحهما بشكل مريب ، لا يميزهما عن بعضهما سوى كون بدور تمتلك غمازة في وجنتها اليمنى ، في حين أن بدر تمتلك غمازة في وجنتها اليسرى .

قفزت عن فراشها وهي تجذب المنشفة من خزانتها ، ومعها معجون الأسنان وفرشاتها وثوب الاستحمام .

خرجت لتلقي نظرة سريعة على غرفة الجلوس الفارغة قبل أن يصل إلى أذنيها أصوات صحون من المطبخ .. فعلمت على الفور أن والدتها تُعد الإفطار .

دلفت إلى المطبخ وهي تسير على أطراف أصابعها وقامت بدغدغة والدتها التي توليها ظهرها ، فشهقت بخضة وبدأت تستغفر مرارًا وتكرارًا كي تهدئ من ضربات قلبها الثائرة قبل أن ترفع نظراتها الحادة إلى بدر التي تضع يديها على فمها تكتم ضحكاتها فقامت بإلقاء الملعقة عليها ولكن تفادتها بدر لترتطم بصدر ذاك الذي أتى على صوت زوجته فتأوه ضاغطًا بيده على صدره في ألم ....

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

عشان الناس اللي ناسيه الأبطال القدامى ..

مروان وشهد ( كان عيالهم مالك وملك ودول كانوا توأم )
مالك اتزوج سبأ ( سبأ دي بنت سالي .. واللي كانت اتعرضت لحادثة محاولة الاغتصاب في الجزء التاني من مريمية ).. ( مالك وسبأ عيالهم اللي في الجزء ده هما عمار وأصالة وسلسبيل وفجر .. اللي ليهم دور معانا هما عمار وأصاله )

ملك كانت تزوجت من سفيان ( سفيان ده كان الأخ الأصغر لمريم .. وكان طبيب نفسي .. وكان دوره كبير جدا في الجزء التاني والتالت من مريم في النصيحة والارشاد للشباب ايام المراهقة )... ( ملك وسفيان عيالهم هما بدر وبدور ودول توأم .. وكمان روضه ورضوى ودول بردو توأم .. بس اللي ليهم دور في الروايه هما بدر وبدور )

وعشان اللخبطة هما الأجزاء اللي فاتت مش هحتاج نتذكرها لأن ده جزء منفصل تمامًا .. واللي هيظهروا من القدامى هيكونوا زي ضيوف شرف .. والحقيقة في ضيوف شرف تانيين كمان من روايه تانيه بردو هيشرفوا هنا 😉🙊

غاده شخصية جديده تماما في الروايه وليها دور كبير جدا في الاحداث اللي جايه ..

كده الابطال اللي ظهروا في حلقة النهارده ( بدر وبدور وعمار وغادة )

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الثانية بقلم دنيا الشملول


دلفت إلى المطبخ وهي تسير على أطراف أصابعها وقامت بدغدغة والدتها التي توليها ظهرها ، فشهقت بخضة وبدأت تستغفر مرارًا وتكرارًا كي تهدئ من ضربات قلبها الثائرة قبل أن ترفع نظراتها الحادة إلى بدر التي تضع يديها على فمها تكتم ضحكاتها فقامت بإلقاء الملعقة عليها ولكن تفادتها بدر لترتطم بصدر ذاك الذي أتى على صوت زوجته فتأوه ضاغطًا بيده على صدره في ألم .

ركضت إليه ملك في قلق وهي تتمتم معتذرة :
- حبيبي آسفه آسفه والله كنت برميها في بدر آسفه جت فيك .

أنهت جملتها وركضت خلف بدر وهي تتمتم في غيظ :
- خدي هنا يا جزمة يا بنت الجزمة ، والله ما هسيبك يا حيوانة يابنت الحيوانة .

ركض سفيان خلفها وقيدها بأحضانه وهو يتمتم بضحكة خفيفة :
- إيه يا حبيبتي الشتايم دي ، مش قلنا مش هنشتم تاني ؟

ملك بغيظ :
- إبعد يا سفيان أما أربي المهزأة بنت المهزئين دي .

توسعت عيناه وهو يديرها له ناظرًا لها بذهول متمتمًا بحنق :
- أنا مهزأ ؟

ملك :
- أنا مش قصدي إنت ، أنا بشتم بنتك .

سفيان :
- يا حبيبتي ما هو لما تقولي يابنت المهزئين فـ ده معناه إن المهزئين دول هما أنا وانتي ، لأنها ببساطة بنتنا ، وإن جينا للحق فـ إحنا فعلًا مهزئين ، في حد يخلف أربع بنات في خمس سنين بس ؟

تدرجت وجنتيها حمرة وهي تدفعه من صدره متمتمة في غيظ :
- شوف إحنا في إيه وده بيقول إيه ، إوعى كده خليني أكمل الفطار .

سفيان بضحكة :
- المهم إن البت عملت عملتها وطارت على الحمام وكإنها معملتش حاجة .

ملك بجانب عينها :
- تربيتك يا خويا .

غمز سفيان بعينه :
- أحلى تربيه دي ولا إيه .

ضربت ملك الأرض بقدمها في غيظ وهي تعود للمطبخ مغمغمة بكلمات غير مفهومة مما جعل سفيان يضحك عليها قبل أن يدلف إلى غرفته يستكمل ارتداء ثيابه الرياضية كي يخرج للركض كعادته الصباحية .

خرجت بدر من دورة المياه وهي تجفف خصلاتها ، دلفت بعدها لغرفتها لترى ما سترتديه من أجل يوم تدريبي جديد .

في حين تثاءبت تلك التي استيقظت بسبب الضوء ، ونظرت تجاه بدر الماثلة أمام المرآة تضع من كريم التفتيح فوق بشرتها لتزفر في ضيق متمتمة :
- يا بدر مش قلنا الزفت ده حرام لأنه بيغير لون بشرتك وليه ريحه نفاذة !

بدر دون أن تلتفت إليها :
- صباح النور يا توأمي المتشددة .

تحركت بدور عن الفراش وهي تتمتم بالإستغفار ، وقامت بترتيبه ثم تحركت إلى خزانتها وأخذت معجون أسنانها ومنشفة وثوب الاستحمام وخرجت لتنهي طقوسها الصباحية .

وجدت والدتها تقوم بوضع الصحون إلى الطاولة بعد انتهائها من تجهيز الإفطار لتدلف إلى المطبخ محتضنة والدتها من الخلف طابعة قبلة رقيقة فوق وجنتها وهي تتمتم بابتسامة :
- صباح الجمال على أجمل ماما في الدنيا .

ربتت ملك على يدها بحب وهي تُجيبها :
- صباح العسل يا قلب ماما .

بدور :
- مصحتنيش ليه طيب كنت ساعدتك ؟

ملك :
- أنا سمعتك وانتي بتصلي قيام الليل وبتقرأي الورد وبعدين فضلتي لصلاة الفجر ، مرضتش اصحيكي قلت أسيبك تاخدي كفايتك من النوم ، وبعدين أنا بعمل إيه يعني دي حاجات سريعة مش محتاجة حاجة .

طبعت بدور قبلة أخرى فوق وجنتها وهي تتحرك تجاه دورة المياه متمتمه :
- هاخد دش سريع قبل ما ييجي بابا بقى وأنا عليا الشاي أبو نعناع .

ضحكت ملك برقة لتدلف بدور إلى دورة المياه منهية طقوسها سريعًا ، ودلفت ترتدي ثياب بيتية مريحة وخرجت تقفز على قدم وأخرى ، وقد كان ذلك تزامنًا مع دلوف سفيان من الباب لتركض إليه محتضنة إياه .

سفيان وهو يبعدها بهدوء :
- لا لا استنى أما اتشطف أنا عرقااااان .

بدور وهي تحتضنه بقوة أكبر :
- حضن بدور قبل الحموم .

بادلها الاحتضان بتنهيدة ؛ فتلك المشاغبة لن تتركه حتى يحتضنها أولًا ، ابتعدت لتعبث بحاجبيها متمتمة :
- ياسوفي الرجالة بتكبر وتعجز وسنانها بتقع وشعرها يبيض ، يا سوفي أنا اللي بيشوفني جنبك بيفكرك خطيبي .

سفيان بضحكة وهو يقرص وجنتها :
- طالعة بكاشة لأمك ، إوعي خليني أتشطف وآكل ، ورايا شغل إوعي .

لكن فاجأه قفز المشاغبتان روضة ورضوى واللتان هما التوأم التالي .

سفيان :
- شيلي يا ملك عياااالك .

أتت ملك تحمل في يدها ملعقة الخشب الطويلة الخاصة بالمطبخ لتركض الفتيات كلٌ إلى جهه ليضحك سفيان وهو يتحرك إلى دورة المياه .

بدأت الأسرة في تناول طعامها في جو ملئ بالمرح من الأبناء ، ومشاغبات سفيان لملك التي تُضحك الفتيات وتُخجل ملك .

هما مثال للأسرة المترابطة والمتحدة - إلى الآن - .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

يجلس إلى أحد المقاعد الموزعة بتناسق في حديقة الجامعة ، ينتظر مرور الساعة كي يدلف للسيكشن التالي ، حيث يدرس في كلية العلاج الطبيعي بجامعة القاهرة وذلك هو عامه الخامس ، أي العام السابق لعام تخرجه .

زفر بهدوء وهو يرى الساعة تشير للثانية عشر ظهرًا ، تحرك تجاه السيكشن في رتابة وتحفظ ، فتلك هي طباعه ؛ منعزل ، وحيد ، منطوي ، كاره للتجمعات ، متحفظ بشكل مثير للضجر ، رغم وسامته ببشرته الحنطية ، وملامحه الشرقية البسيطة اللالحية لها ، بعينين سوداوين بهما الكثير من الحديث ، لكن ما من مستمع جيد يمكنه تفهم حالته ، بشعر أسود مرفوع للأعلى دائمًا ، بقامة قصيرة بعض الشئ ، وجسد متناسق لا يعاني النحافة أو السمنة ، شاب في مقتبل العمر كبقية الشباب لكنه لا يشبههم في العنفوان المتحفز للحياة وخوض تجاربها .

دلف حيث السيكشن المكون من قرابة خمس وعشرون طالبًا ، دون أن يكون له صديق واحد من بينهم .

جلس إلى أحد الزوايا ينتظر دلوف المُحاضر الذي حضر أخيرًا مستغرقًا ساعة ونصف في الشرح ، ومن ثم غادر ، ليتجهز ريان هو الآخر للعودة إلى منزله دون أن ينسى المرور على كلية العلوم ، حيث تدرس سندس ابنة صديقة والدته ، في عامها الرابع والتي بقيت به لعامين بسبب رسوبها في بعض المواد التي تقصَّدها بها دكتور المادة بسبب تغيبها عن محاضراته .

جلس إلى سور الحديقة يراقب الآتي والغادي ، حتى رآها تخرج بكل مرح من البوابة بصحبة مجموعة من الفتيات وتضحك بإشراق .

ابتسم تلك الابتسامة التي لا تظهر فوق محياه سوى بوجودها ، أخذ يراقب تحركاتها الطفولية الشغوفة والمفعمة بالحياة ، ويراقب هيأتها التي تخطفه دون مجهود أو عناء ، فتاة أنيقة لا ترتدي سوى الألوان المبهجة ، ولا تتحرك بدون زهور في يدها كأنها طفلتها أو ما شابه ، بملامح نقية بيضاء ، وعيون سوداء لامعة ، مع أنف حاد ، وجسد نحيف يليق بها .

أفاق من شروده بها على تلويحها الخفي له ، ليبتسم بخفة ، ومن ثم تحرك من المكان قبل أن تُجن وتأتي إليه .

زفر بقلة حيلة وهو يتمتم في نفسه :
- باقي بس سنة ، سنة بس واتقدملك يا سندس بأمر الله .

بينما تحركت سندس مع صديقاتها لتناول الكشري المصري بأحد المطاعم كعادتهم الشبه يومية لتتحدث إحدى صديقاتها فجأة :
- بت يا سندس .. المز هناك أهو .

التفتت سندس لترى عمن تتحدث صديقتها ، لتجده وسيم الذي يشبه اسمه تمامًا ، فائق الجمال ، ورمز التمام بالجامعة ؛ هكذا يسمونه لتمامه في كل شئ ، يمتلك الوسامة ؛ حيث العيون العسلية الصافية ، والبشرة البيضاء ، والشعر الأشقر ، واللحية التي لا تستقر على حال ؛ أحيانًا خفيفة ، وأحياناً ثقيلة ، وأخرى ملساء ، بطوله الفارع وجسده الرياضي .

المال يمتلكه ، ويحيى في البذخ والترف والنعيم ، فهو ابنٌ لأحد أهم السياسيين في البلدة .
كما أنه لا يعير الفتيات اللاتي تُخرج عيونهن قلوبٌ حين مروره أي اهتمام .

بقيت نظراتها المنبهرة به تتابعه حتى اختفى عن مرمى عينيها فاغرة الفاه حتى لكزتها صديقتها وهي تتمتم بضحكة :
- اقفلي بوقك خلاص مشي .

ضحكت الفتيات لتتحدث سندس :
- الواد قطعة جمال وأناقة متنقلة يخربيته إيه ده .

تولين صديقتها :
- إوعى بس تقعي على وشك لحسن ده مبيعبرش .

هند صديقتها الأخرى :
- هي واقعة من زمان يا حبيبتي بس مش في وسيم .. ده في حبيب القلب اللي بيستناها يوماتي عند الجنينة عشان يتطمن عليها .

لكزتها سندس متمتمه في غيظ :
- اتلمي يا أم أربع لِسْنه ونص انتي .

ضحكت الفتيات ، وتابعن سيرهن وهن يتحدثن في أمور عدة وقد كان محورها وسيم الذي شغل عقل سندس لا قلبها ، فقلبها كما قالت صديقتها تمامًا " منشغل بآخر ."

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

دلفت من البوابة الرئيسية لمنزلها لتضع يدها على فمها تمنع شهقتها حينما وجدت نفسها معلقة في الهواء .

وجد وهي تضرب ابن أخيها على ظهره بقبضة يدها :
- أنا لو قطعت الخلف هيبقى بسببك يا بشير الزفت، بطل أم حركاتك دي بقا ياشحط .

أنزلها بشير وهو يلاعب حاجبيه في عبث متمتمًا بضحكة :
- بحب أشوف مناخيرك حمرة من النرفزة يا دودو .

ضربته بحقيبتها وهي تتمتم في غيظ :
- مناخيري مش حمرة يا اشقر إنت .

لاعب حاجبيه من جديد وهو يتمتم باستفزاز :
- وانتي إيه مزعلك ، ولا عشان انتِ شعرك أسود يعني وعينيكي سوده ومش طلعالي بعيون ملونة ها ، إعترفي يا عمتو يا غيورة إعترفي .

ركضت وجد خلفه بغيظ وهي تتمتم :
- أنا أغير منك يا بتاعة إنت ، تعالى هنا يا لا .

ضحك بشير وهو يركض أمامها حتى رآها تميل إلى ركبتيها تلتقط أنفاسها فقرر أن يرحمها لهذا اليوم .

اقترب بهدوء متمتمًا بابتسامة :
- بحب أناغشك والله يا دودو ، بحسك أختي مش عمتي .

وجد وهي تزفر بحنق :
- ليك حق تعمل أكتر من كده يابن أبيه وليد ، طبعًا ما السن حاكم ، بس بردو أنا أكبر بست شهور يبقى تحترمني يعني تحترمني وتقولي يا عمتو ورجلك فوق رقبتك .

كان بشير على وشك أن يرد عليها ولكن يد امتدت إلى تلابيب ملابسه علم صاحبها على الفور ليتمتم بحنق :
- هو الواحد ميعرفش يهزر مع عمته إلا ويلاقي نفسه مقفوش كإنه مقفوش أداب كده !

صفعه جود على مؤخرة رأسه متمتمًا بغيظ :
- نقي ألفاظك يا لا ، إيه مقفوش أداب دي ؟

بشير :
- أنا عارف بقى يا جدو ، مش حضرتك اللي كل ما أقرب م البت تمسكني من قفايا .

جود :
- بت في عينك ، إمشي على أبوك وملكش دعوة ببنتي تاني ياض .. إنت فاهم ؟

نظر بشير تجاه وجد التي ترفع رأسها للأعلى بغرور مصطنع ناظرة له بتشفي ليكز على أسنانه بغيظ متمتمًا بصوت خفيض :
- كلها شويه وجدو ماشي يا دودو ، هتروحي مني فين .

جود :
- بتقول إيه يا لا ؟

ركض بشير صائحًا :
- ولا أقدر أقول حاجة يا جدو ياحبيب قلبي .

ضحكت وجد لتذهب إلى أحضان والدها الذي فتح ذراعيه لها وأخذها بين أحضانه مقبلًا رأسها بحب متمتمًا بهدوء :
- عامله إيه يا حبيبة بابا ؟

وجد بابتسامة وهي تربت على ظهره بخفة :
- الحمد لله يا حبيبي فضل ونعمة ، حضرتك عامل إيه وصحتك عامله إيه ، طمني عليك .

جود وهو يقبل جبينها بحب :
- أنا الحمد لله يا غالية يا بنت الغالية، يلا أدخلي غيري هدومك كده وظبطي حالك وأنا هجيب حاجة ساقعة وأجي عشان نتغدى .

وجد :
- وتروح بنفسك ليه يا بابا ؟ متصلتش بيا ليه أجيب معايا ؟ ولا خليت بشير أو جاد يروحوا ؟!

جود :
- بت انتي ، مش هسيب وليد أخوكى جوه تطلعيلي انتي بره ، أنا عايز أروح بنفسي ، يلا أدخلي عما أجي .

قبلت وجد يده بحب وهي تتمتم :
- ماشي يا حبيبي ، تيجي بالسلامة يارب .

خرج جود ذو الخمس والسبعون عامًا ، وبرغم ذلك لا يستسلم لنوم الفراش ولا يعطي فرصة للعمر كي يؤثر عليه ، بينما دلفت وجد إلى منزلها لتجد والدتها كالعادة تقوم بتجهيز سفرة الغداء بنفسها وتتحرك أريج زوجة أخيها معها .

استقبلتها مريم بابتسامة وكذلك أريج لتتمتم مريم بهدوء :
- أدخلي ياحبيبتي يلا غيري هدومك ، الغدا جاهز أهو .

وجد :
- حاضر يا حبيبتي أومال أبيه وليد فيـ .. ااااه .

صرخت وهي تجد نفسها للمرة الثانية معلقة بالهواء ولكن هذه المرة على ارتفاع أطول من سابقه .

زفرت بحنق وهي تتمتم بغيظ :
- هو أنا يسيبني إبنك بره عشان تطلعلي هنا يا أبيه .

ضحك بشير وهو يضرب يديه معًا متمتمًا بتشفي :
- فينك يا جدو تنقذ دودو فينك .

وجد بغيظ :
- ماشي يا بيشو ماشي .

بشير :
- بس متقوليش بيشو بس .

ضحك وليد وهو ينظر تجاه ابنه متمتمًا :
- بحسها بتشتمك لما بتقولك بيشو دي .

أنزلها وليد على الفور وهو يستمع لحمحة والده عند الباب ليضحك بشير بقوة وهو يرى تلعثم والده .. في حين ركضت وجد إلى والدها الذي نظر لها باستفهام لكونها لم تبدل ثيابها بعد فتمتمت بسرعة :
- أبيه وليد يا بابا .. أبيه وليد عمل زي بشير وبيرخم عليا .

وليد :
- بيرخم !.. وإيه لازمتها أبيه بقا ، قولي وليد طالما برخم .. قولي وليد على طول .

جود :
- أدخلي غيري هدومك ياحبيبتي وأنا هتصرف مع شوية الهمج دول .

دلفت وجد وهي تدحجهم بنظرات متشفية لينظران لها بوعيد .. فركضت لغرفتها على الفور ، بينما احتمى بشير في ظهر والده وهو يتمتم :
- جدو أنا اتقفشت بره لما ضايقتها ، ده دور بابا يتقفش بقا ، أنا معملتلهاش حاجة تانية .

وليد بصدمة :
- إنت بتسلمني يا بشير ؟ بتسلم أبوك !

بشير :
- يعني يرضيك إبنك يتقفش يعني يا بابا ! حتى حضرتك كبير وتستحمل .

وليد :
- لا المفروض إنت اللي تشيل عني شويه ، أنا يا ما اتقفشت وأنا في سنك كده لما كنت بقرب من جدتك .

بشير :
- اتقفش وانت كبير بردو ، مش حضرتك اللي مربيني ، يبقى شيل نتيجة تربيتك بقا .

جلس جود يراقبهما بضحكة وكذلك مريم وأريج اللتان تضحكان عليهما وكأنهما يتحدثان بمنتهى الجدية .

هذا تحديدًا ما عوهدت عليه أسرة جود المكونة منه ومن زوجته مريم ذات التسع والستون عامًا، وكذلك وليد إبنه وبِكره وزوجة إبنه كذلك والتي هي بمثابة ابنة خال وليد، بالإضافة لوجد إبنة جود والتي أتت في ظروف صعبة للغاية .. فقد كانت والدتها في الأربعينات .. وقد كان يصاحبها ورم ليفي أسفل الرحم كما كانت تعاني من ضعف الرحم ، ولكن مَنَّ الله عليهم بـ وجد التي هي بهجتهم في هذا المنزل ، ويماثلها بالعمر إبن وليد، وتلاه جاد الذي لم ينهي مرحلته الثانوية بعد .

أسرة صغيرة متواضعة برغم ثرائها إلا أنهم يبدون من أسرة متوسطة الحال .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂


أعلن هاتفها عن اتصال لتجيب بابتسامة مرحبة :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. إزيك يا ماما عاملة إيه ؟

أجابتها شهد بهدوء :
- الحمد لله يا حبيبة ماما .. إزيك انتي وإزي بناتك ؟

ملك بتنهيدة :
- الحمد لله يا حبيبتي .. كويسين .. بابا عامل إيه ومالك وولاده عاملين إيه ؟

شهد :
نحمد الله يا حبيبتي .. بقولك ياملك .. ما تبعتيلي بدور تبات معايا الليلة عشان عيزاها الصبح ننفض البيت وكده مع أصالة .. سبأ وقعت إمبارح وهي بتمسح السلم وضهرها تاعبها .. وسلسبيل زي ما انتي عارفه من الجامعه للكورسات .. وفرصة إن أبوكي مسافر في شغل لحد يوم الاتنين وتبات معايا كمان .

ملك :
- طبعًا يا ماما هبعتهالك ... بس سبأ حصلها حاجة ؟

شهد :
- لا يا حبيبتي متقلقيش .. هي بخير الحمد لله .. ضهرها بس تاعبها شوية وأنا أصريت عليها آخدها للدكتور وهو طمني وقال إنها أثر الوقعة بس ومفهاش حاجة .

ملك :
- تمام يا حبيبتي .. أنا هجيب بدور وأجي أتطمن على سبأ وأسيب بدور معاكي .

شهد :
ماشي يا حبيبتي .. وسلميلي ع البنات .

ملك :
- يوصل يا حبيبتي .. مع السلامة .

أنهت ملك المكالمة وقامت بمهاتفة زوجها وأخبرته بذهابها وبدور .

وصلت حيث البناية التي يقيم بها والدها ووالدتها .. وكذلك أخيها وزوجته في الطابق العلوي لهما مباشرة .. لتلقي بالتحية على والدتها ومن ثم تحركت إلى منزل سبأ التي استقبلتها بسعادة :
- إزيك يا ملك عاملة إيه ؟.. وحشتيني أوي .

ملك بعتاب :
- لا وانتي بتسألي أوي يا سبأ .

سبأ باعتذار :
- حقك عليا والله ... بس انتي عارفة ظروف شغلي .. يدوب أرجع م الجامعة أجهز أكل عشان الولاد وأوقات مبتغداش كمان من الهمدان وأنام .

قاطعهما دلوف سلسبيل .. والتي تشبه في ملامحها والدتها كثيرًا .. اقتربت تحتضن ملك التي قبلتها بحب متمتمة :
- إزيك يا بيلا .. عامله إيه يا حبيبة عمتك .

سلسبيل بابتسامة كشفت عن غمازتيها :
- الحمد لله يا عمتو .. إنتي عامله إيه والبنات عاملين إيه ؟

ملك :
- بخير يا حبيبتي .. إبقى يوم أجازتك تعالي وقضيه معاهم .

سلسبيل :
- إن شاء الله يا حبيبتي .. هتعوزوا حاجة .. أنا عندي محاضرات متأخرة .

صافحتهما وغادرت حيث جامعتها .. في حين بقيت سبأ وملك تتحدثان عن أمور حياتهما .

صعدت إليهم بدور التي تفرك يديها معًا في توتر من أن تلتقيه هنا ..

شهقت بخضة حينما أتاها صوت رجولي من الخلف يتمتم بتساؤل :
- بدور ؟!

بدور وهي تضع يدها على صدرها وتنطق الشهادة :
- أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .. خضتني يا فجر .

فجر بضحكة خفيفة :
- معلش آسف .. بس واقفة على الباب ليه كده .. ما تدخلي .

أماءت بدور وهي تتمتم :
- أنا لسه طالعة من عند تيتا أهو .. إزيك وازي دراستك ؟

فجر بضجر :
- كويس ودراستي كويسة الحمد لله أهو .

بدور :
- أعانك الله يا رب .

دلفت بدور بعدما استقبلتها أصالة الأخت الأقرب لعمار والتي تليه مباشرة .. كما أنها تحمل ملامحه بشكل كبير .. فهي تشبهه بعينيها البنية والشعر الأسود ورسمة الملامح ذاتها .

بدور بابتسامة :
- إزيك يا صولا .. وحشاني أوي .

أصالة وهي تضربها على كتفها بخفة :
- قال يعني بتسألي يختي .

بدور :
- والله يا بنتي الواحد طلع من ثانوية وقرفها وقال هيرتاح في الجامعة .. طلعت الجامعة أسوء .. قلنا خلاص هنرتاح بعد الجامعة .. طلع بعد الجامعة أنيل .. لما الواحد مبقاش عارف يعمل إيه .

ضحكت أصالة وكذلك فجر الذي دخل للتو بعدما خلع حذاءه ليتمتم بتلقائية :
- أومال عمار متبت في الجامعات مش عاوز يسيبها ليه !

أصالة :
- مش متبت ولا حاجة يا خويا .. هو بيشوف مستقبله وبيحب يجدد من نفسه ومن طموحه .

فجر بجانب عينه :
- ومين يشهد للعروسة !

أصالة وهي تضرب كتفه بغيظ :
- عروسة في عينك .

فجر بمزاح :
- خليكي شاهدة يا بدور أهو .. هي اللي عماله تضربني .. عشان لما أضربها محدش يقولي تلت التلاته كام .

بدور :
- لا بصوا .. عيشوا مع بعض إنتوا في لعبة القط والفار دي .. وأنا هدخل أتطمن على مرات خالي عشان أنزل لتيتا .

تحركت بدور تاركة خلفها فجر وأصالة اللذان لا يكفان عن مشاكسة بعضهما .. فهما ينطبق عليهما مقولة " جايين فوق روس بعض " .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

خرجت من غرفتها بعدما ارتدت ثيابها التي تآلفت من فستان أبيض واسع مع حجاب كحلي رقيق وأنيق ..

أخذتها خطواتها إلى غرفة والدتها لتطرقها بخفة حتى أتاها صوت والدتها تأذن لها بالدخول .

إيلاف بتنهيدة :
- ماما أنا خارجه .

رهف بتساؤل :
- هتروحي فين يا حبيبتي كده ؟

إيلاف بلامبالاه :
- وصلة كل مره يا ماما أكيد .. هدور على شغل .

رهف بتنهيدة :
- أنا مش فاهمه إيه اللي مطلع موضوع الشغل في دماغك بس يا إيلاف .

إيلاف وهي تنظر للأرض في حزن دفين :
- يعني هي حلوه قعدتي في البيت يا ماما ؟.. أهي حاجه تشغلني .

رهف :
- طب يا حبيبتي لو مصره أكلمـ ..

قاطعتها إيلاف بصرامة :
- لا يا ماما أنا عايزة أشتغل بشهاداتي مش بواسطه .

رهف بتعجب :
- يا بنتي وسطة إيه !.. يا حبيبتي انتي هيتعملك مقابله زيك زي أي حد متقدم .. ولو نجحتي ولقيوكي مناسبة هياخدوكي .. زي أي شركة يا إيلاف عادي .

إيلاف بنفي وهي تستعد للمغادرة :
- أدور بنفسي الأول بردو .. لو مكنش نشوفها .. يلا مع السلامه .

غادرت إيلاف المنزل تحت مسمى البحث عن العمل .. لكنها في حقيقة الأمر تذهب للجلوس على الشاطئ لوقت طويل .. تنفرد به ليسمعها وتسمعه .. إنه أفضل بكثير من هؤلاء البشر الحقودين .. على الأقل لن تضطر لرؤية نظرات التفحص لها من هذا وذاك ..

لم تدرك في هذه اللحظة أن هناك من يناظرها بالفعل .. لكن نظراته تختلف عن الباقين ..

وكعادة كل مره .. قُضي اليوم وأقبل المغرب عليها وهي على وضعها .. تحركت لمنزلها في رتابة وكالعادة أخبرت والدتها أنه لا جديد أيضًا ..

ألقت بجسدها فوق الفراش بعدما أدت فريضة المغرب واستسلمت لسباتها العميق .. لتستيقظ قُبيل الفجر فتؤدي فريضة العشاء مع ركعتي قيام ثم الفجر وتعود للنوم من جديد ..

أيام متشابهات .. وساعات تمر دون هدف أو فائدة .. وقت مهدور في اللاشيء .. وحياة أشبه بالمتكرره ..

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

خرجت من آخر معملٍ لها لهذا اليوم وهي تزفر بإرهاق متمتمة بتذمر :
- يابااااي يا شيخة ... إمته بقا نخلص من المخروبة دي ... طهقت .

ضحكت هند لقولها وهي تتمتم مشيرة برأسها إلى سور الحديقة :
- طب ده أنا لو هخرج كل يوم وألاقي حد مستنيني زي ريان كده هفضل أعيد في السنه .

نظرت سندس تجاه السور لترى ريان الذي يعبث في هاتفه دون أن ينتبه لخروجها .

غلبها الفضول لتعلم بما هو مشغول .. عادة تخرج لتراه يبحث عنها بعينيه بين الخارجين من البوابة .. تمتمت بهدوء :
- استنيني دقيقة .

وقبل أن تتحرك أمسكتها قبضة تولين التي خرجت للتو وهي تتمتم بحاجب مرفوع :
- على فين العزم إن شاء الله ؟

سندس :
- هشوفه مشغول في إيه وأجي .. شكله مش عاجبني .

ضحكت تولين بخفة وهي تتمتم بجانب عينها :
- الفضول هيقتلك يا ضنايا .. بس متخافيش .. ده مش شكل واحد بتاع بنات .

سندس :
- بنات إيه .. لا طبعا .. ريان مش كده .. وأنا مفكرتش كده .. هو بس أنا عايزة اسأل عن حاله يعني .

تولين وهي تضيق عينيها بشك :
- تسألي عن حاله ها !

سندس :
- يوووه .. خلاص يا تولي مش رايحة .. ارتحتي كده .

تولين بابتسامة انتصار :
- هو أصلًا مشي .

استدارت سندس برأسها لتجده حقًا قد غادر .. عقدت حاجبيها بقلق .. فـ ريان عادة منذ أن دلفا إلى الجامعة معًا وهو ينتظر خروجها ولا يتحرك قبل أن تلقى عليه ابتسامتها التي يبادلها إياها ثم يغادر .. ترى ما الذي يحدث معه ؟

تولين وهي تضرب كتفها بكتف سندس بخفة :
- رحتي لحد فين ؟

سندس :
- لـ لا مفيش .

همت بنزول الدرجات تزامنًا مع صعود أحدهم ومن دون قصد إصطدما ببعضهما ليقع هاتف سندس الذي تهشمت شاشته على الفور لتشهق بصدمة وهي تلعن حظها العاثر .
استدارت بوجهها كي تعنف ذاك الغبي الذي ارتطم بها لكنها ابتلعت حروفها وهي ترى وسيم يقف أمامها ناظرًا حيث هاتفها بأسف .

جذبتها تولين بعدما جذبت الهاتف عن الأرض وهي تتمتم بهدوء :
- حصل خير .. يلا يا سندس .

تحركت سندس دون أن تنبس ببنت شفه .. فكل شئ حدث في ثواني .. فضولها لمعرفة ما يفعله ريان دون أن ينتبه لها .. ثم تفكيرها في سبب ذهابه دون أن يراها أو تراه .. ثم ارتطامها بالوسيم وسيم وتهشم شاشة هاتفها .. واكتشافها أن من ارتطمت به ليس إلا رمز الجمال والتمام بجامعتها .. يحق لها أن تسير كالإنسان الآلي الآن حتى يستطيع عقلها تصنيف كل حدثٍ على حِده .

استفاقت من تغيبها على ضحكات تولين وهند لتنظر لهما بغضب متمتمة :
- إيه اللي يضحك يعني انتي وهي ؟

هند :
- يا نهار أبيض .. انتي مش شايفة نفسك عملتي إزاي ؟

سندس :
- عملت إزاي إيه يعني مش فاهمه ؟

تولين :
- يا بنتي ده انتي اتخشبتي أول ما شوفتي الواد .

هند وهي تضربها على كتفها بغيظ :
- واد في عينك .

تولين بحاجب مرفوع :
- لا والله !

قاطعتهما سندس وهي تتمتم بتحسر :
- يا حزني عليا وعلى سنيني ... التليفون مبقاش تليفون .

تولين :
- هنروح نسأل على شاشة ونشوف سعرها ونغيرها .. والله تستاهلي عشان قلتلك مية مره يا سندس ركبي اسكرين للشاشة عشان لو وقع ميجرالهاش حاجة .. والبعيدة طرشة .

سندس وهي على وشك البكاء :
- والنبي سيبيني بحسرتي دلوقتي .

هند مقاطعة :
- إهدي يا سندس والله خير .. هنروح أقرب محل فونات ونشوف هنعمل إيه .

بينما تحرك ذاك الذي بقى ينظر في أثرها بابتسامة وهو يتمتم بهدوء :
- سندس .. يخربيت جمال إسمك .


🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

#وجد .. بنت مريم وجود ( دي اللي كانت جت في ظروف صعبه بالنسبة لمريم اللي كانت مريضة بورم ليفي أسفل الرحم غير ما حملت في وجد وهي في سن كبير )
#بشير ( ابن وليد يعني حفيد جود ومريم .. يعني وجد تبقى عمته .. وهما قد بعض في السن بينهم شهور بس )

#إيلاف .. بنت ياسر ورهف ( ياسر كان دكتور في المستشفى اللي كانت بتعالج فيها سبأ بعد حدثتها .. وكان ليه أخت اسمها زهرة ... أما رهف فهي كانت بنت خال جود اللي من الصعيد )

#ريان ... ابن ديالا ومراد ( ديالا كانت بنت بنت عم شهد مرات مروان أخو جود 😂 مراد كان صاحب مالك ووليد وناجي )

#سندس ( دي بقا بنت زهرة اللي هي أخت ياسر اللي بنته إيلاف .. يعني إيلاف تبقى بنت خال سندس )

#هند #وتولين ( أشخاص ثانوية بس أدوارهم مهمه ... ودول شخصيات جديدة )

كده كل الشخصيات اللي ليها أدوار في الروايه ظهرت ... البقية أشخاص بتمشي الاحداث مش اكتر .

يارب ما تكونوا دعيتوا عليا بعد تداخل العائلات ده 😂

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الثالثة بقلم دنيا الشملول


يقف أمام عيادة الطبيب منذر .. والذي هاتفه منذ وقت ليس بطويل يخبره بضرورة التوجه إليه في الحال .

أخذ شهيقًا عميقًا قبل أن يدلف بثبات لتقابله الممرضة التي تعمل مع الطبيب بابتسامة هادئة وهي تُبلِغه بهدوء :
- اتفضل يا أستاذ ريان .. دكتور منذر منتظر حضرتك .

أماء ريان دون أن يضيف أي كلمة، وتحرك للداخل بعد عدة طرقات خفيفة على الباب .

الطبيب بهدوء :
- تعالى يا ريان يا بني .. اتفضل .

جلس ريان بصمت ينتظر حديث الطبيب الذي خلع نظارته الطبية وعقد أنامله معًا فوق مكتبه .. وأخذ شهيقًا طويلًا أخرجه مع كلماته :
- شوف يا ريان يا بني .. أنا محتاج صورة دم كامل وشوية فحوصات مهمة .. مش هتاخد منك وقت طويل متقلقش .

ريان بهدوء واستسلام تام :
- تمام .

الطبيب بروتينية :
- يبقى تمام يا بني .. إن شاء الله بكرة الصبح تجيلي المستشفى وأنا هقوملك باللازم .

أماء ريان بهدوء قبل أن يتحرك مصافحًا الطبيب وهو يتمتم بإيجاز :
- شكرًا لحضرتك .

صافحه الطبيب بالمثل قبل أن يتحرك ريان من أمامه ليتنهد الطبيب بقلق متفوهًا مع نفسه :
- يارب يطلع اللي ظنيته غلط يا بني .

بينما قرر ريان أن يعود لمنزله سيرًا .. فهو لا يبعد عن العيادة سوى بنصف ساعة سيرًا على الأقدام .

أخذ يفكر في حياته وأمور دنياه .. إنه لا يمتلك من الدنيا سوى أخيه الصغير " أنس " والذي لم يبلغ من العمر سوى عشر سنوات فقط .. ووالديه " مراد وديالا " .. و اللذان تعبا كثيرًا كي يعرفا مشكلته مع الوحدة والتفرد بذاته ..
هم لا يعلمون أنه يفضل هذه الوحدة على أن يُكوِّن علاقات زائفة مع شخصيات زائفة ..
لا يريد أن يقول عن ذاك " صديق " وتأتيه الطعنة منه .. ولا يريد أن يتخذ من آخر " أخًا " فتأتي الخيانة عنه .. لا يود أن يُكوِّن علاقات مع أشخاص يضحكون معه في وجوده ويتحدثون عنه في غيابه .. لا يريد أن يتعلق بأحدهم .. ويكون الفراق هو النهاية الحتمية في علاقتهما .. ففي كل تلك الأحوال .. سيعود وحيدًا ..

يذكر ذات مرة وهو في عمر صغير .. أنه قد رأى أحد الأفلام التي تُعرض على شاشة التلفاز .. كان صغيرًا لا يدري أن ما يُعرض ما هو إلا تمثيل ..
يذكر أن صديقًا قتل صديقه من أجل أن يحظى بحبيبته .. ومن ثم عاد ليقتل حبيبته من بعده بسبب رفضها له .. كما يذكر العديد من المشاهد في الأفلام والمسلسلات التي تُعرض على الشاشة مُظهرة أسوء ما في العلاقات ..
وبحكم عمره الصغير .. فهو لم يستوعب أهداف هذه العروض .. فقط خشي من العالم والعلاقات لئلا يحدث معه مثلهم ..

قرر خوض الحياة وحيدًا دون صديق أو مُعين .. حتى بعدما كبُر واستطاع التفرقة بين هذا وذاك .. إلا أن هناك عائقًا في نفسه يمنعه من الإقتراب من أحد أو السماح لأحدهم بالإقتراب منه .. التمثيل خلف الشاشات ما هو إلا تجسيد للواقع .. وهذا يعني أنه واقع .

لم يكن له من بين كل هؤلاء سوى سندس .. سندس ؟!!.. طفولته وصبيته وشبابه معها .. لا يدري لما يحبها إلى هذا الحد الجنوني .. لكنه يحبها كثيرًا .. وتبقى هي الإستثناء الأوحد من بين الجميع .. ورهانه الأعظم على الثبات ..
لقد نجحت منذ أن كانا طفلين في أن تجعل من نفسها محور اهتمامه وشغفه .. استطاعت ببراءة الطفولة أن تحتوي وحدته .. أن تُنير عتمته .. أن تزرع بداخله معتقد الحب والإرتباط الأبدي .. يتمنى من كل قلبه ألا يأتي هذا اليوم الذي يجعله يندم على هذا الإستثناء الذي خصصه لها .

وصل إلى منزله ودلف بخفة ليقابله أنس الذي قفز إليه بسعادة متمتمًا :
- رينو جه ، رينو جه .. ريان خدني عند بيت عمو ناجي .. عايز ألعب مع زياد .

ريان وكأنه قد تذكر شيئًا ما .. فضرب جبينه بيده ومن ثم نطق بهدوء :
- ماشي .. إلبس وأنا هغير هدومي وأجي أوديك .. ماما وبابا فين ؟

أنس :
- بابا لسه مجاش من الجامعة وماما في المطبخ .

أماء ريان وكان على وشك الدلوف حينما قابلته ديالا التي استقبله بابتسامة حنونة :
- حمد الله ع السلامة حبيبي .. جعان أجهز أكل ولا تستنى بابا ؟

ريان بهدوء :
- لا هستنى بابا .. اممم .. هو أنا هودي أنس عند عمي ناجي شوية وأجي .

ديالا وهي تسحبه معها بهدوء كي يجلسان إلى المقعد :
- بمناسبة عمو ناجي بقا .. قولي يا رينو .. إيه رأيك حبيبي في سندس ؟

ريان وقد ضرب قلبه طبولًا وتوترت ملامحه :
- سـ سندس ؟.. مالها سندس ؟

ديالا :
- يعني كنا بنتكلم أنا وبابا وبعدين بنفكر نخطبلك يعني .. فحبيت أعرف رأيك في سندس بنت ناجي .. متربية وسطنا .. ونعرفها كويس .. وهي ما شاء الله عليها جميلة وكويسة .

سحب ريان يده وتحرك إلى غرفته بعدما ألقى كلماته :
- مش وقت كلام في الحوارات دي يا ماما .. أنا لسه طالب جامعي .

لعنت ديالا تسرعها في الحديث معه .. لقد أخبرها زوجها ألا تتحدث معه عن أي شئ حتى يرى طريقة مناسبة .. لكنها لم تستطع صبرًا .. والآن ماذا ستفعل !.. هي تعلم أن علاقته بسندس قوية .. ظنت أنها حينما تتحدث عن هذا الأمر فسيكون رد فعله الموافقة مباشرة .. لم تنتظر رد فعله هذا أبدًا .

( 🌸 سبحان الله العظيم وبحمده 🌸 )
( 🌸 من قالها .. غُرست له نخلة في الجنة 🌸 )

تجلس إلى فراشها وتفكر فيما حدث اليوم .. وسبب ذهاب ريان هكذا .. وما تلك النظرة التي رأتها بأعين وسيم !

أخرجها من شرودها صوت أختها التي تصغرها بثلاثة أعوام وهي تركض لها متحدثة بحماس :
- بت يا سندس .. ريان تحت مع أبوكي .

قفزت عن الفراش وهي تُطالبها بعدم تصديق :
- إحلفي !

فردوس بتأكيد :
- والله والله والله كمان مره تحت .

ركضت سندس إلى خزانتها وهي تسأل :
- حد طلع ضيافه ولا لسه ؟

فردوس :
- بابا قالي أعمل شاي .. وأنا حطيته ع النار وجيت أقولك .. خلصي وتعالي وديه بقا .

أماءت سندس وهي تُعدِّل من حجابها وتحركت سريعًا إلى المطبخ .. ومن ثم خرجت إليهما وهي تحمل صينية الشاي بيدها .

ناجي بابتسامة :
- شكرًا يا دوسه .

سندس بغيظ :
- يابابا بطل تقولي دوسه دي .. فردوس هي اللي دلعها دوسه .

ناجي :
- لا انتي دوسه وهي فِرفِر .

ضحك ريان رغمًا عنه لتبتسم سندس عليه تزامنًا مع إعلان هاتف ناجي عن مكالمة .. فاستأذنهما لدقيقة كي يجيب على هاتفه .

ريان بهدوء :
- ازيك ؟

سندس :
- كويسه .

ريان :
- وجامعتك .

سندس :
- كويسة .

ريان مستشعرًا نبرة الضيق بصوتها فوضح بهدوء على غير عادته :
- انتظرت كتير النهارده عشان أتطمن عليكي لإني مكنش عندي غير محاضرة واحدة بس .. ومشيت عشان .. اا .. عشان بابا كلمني .

سندس وهي ترفع كتفيها :
- محصلش حاجة .. أنا بس قلقت ليكون حصل حاجة .

ريان بهدوء :
- كل خير الحمد لله .

عاد ناجي لتتحمحم سندس متمتمة بهدوء :
- هطلع أذاكر أنا .. عايزين حاجة ؟

ناجي بجانب عينه :
- لا سلامتك .. بس ذاكري يعني .

سندس بابتسامة مصطنعة :
- هحاول .

لم تترك لوالدها فرصة الحديث بل ركضت إلى الأعلى سريعًا ليضرب ناجي يديه معًا بيأس وهو يقول بقلة حيلة :
- ربنا يهديكي يا دي البنت .. المهم يا ريان .. كنا بنقول أي ؟

ريان بهدوء :
- إن الكوتشينج بيحتاج كورسات تقوية .

ناجي بتذكر :
- أيوه آه .. عشان تشتغل في مجال الكوتشينج لازم يبقى عندك مهارة التواصل والإتصال مع الآخرين .. وده بيبقى عن طريق فهمك وإدراكك بالحاجات اللي بيبقى الشخص اللي قدامك عايز يقولها ومش عارف .. أو عايز يقولها وخايف .. أو عن طريق تحليلك المبسط للأمور بشكل واقعي وسليم .

أماء ريان بتفهم وهو يتمتم بهدوء :
- وانا معنديش مهارة التواصل مع الآخرين .. فخلاص انسى الموضوع .

ناجي بحنان وود :
- مين قالك كده .. بص يا ريان .. كل واحد مننا ربنا خلقه عنده مميزات وعنده عيوب .. ولازم نستخدم ميزاتنا دي في اللي يفيد .. ونحاول نحجم العيوب .. وعشان تقدر تتعامل مع ميزاتك .. لازم الأول تدور عليها وتعرفها .. ساعتها هتقدر تعمل لنفسك هدف وتشتغل عليه .

ريان بابتسامة حزينة :
- متشكر أوي يا عمي ناجي .. هستأذن أنا بقا عشان بابا زمانه رجع من شغله .

ناجي :
- ما انت قاعد يا بني نتغدى مع بعض .

ريان :
- لا معلش مره تانيه .. وبعتذر إني دوشتك .. بس كنت حابب أتعرف على المجال شوية .

ناجي :
- متقولش كده تاني .. وفي أي وقت تحتاجني أنا موجود .. ولو خدت خطوة وقررت تبقى كوتش .. فصدقني ده هيفيدك في طريقك للتواصل مع الناس .

ريان بهدوء وهو يصافحه :
- إن شاء الله .. يلا السلام عليكم .

ناجي :
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. إبقى سلملي على أبوك كتير لحد ما أشوفه .

ريان :
- يوصل بأمر الله .

غادر ريان وقرر للمرة الثانية أن يعود للمنزل سيرًا على الأقدام بعدما مر على أخيه أنس الذي يلعب مع زياد الأخ الأصغر لسندس واللذان يركضان في الحديقة معًا وقد أخبره أنه سيبيت هذا اليوم مع زياد وأنه قد أخبر والدته بذلك ..

بقي يفكر قليلًا في طريقة يستطيع أن يمارس عملًا ما دون أن يضطر للتعامل مع الناس إلا في أضيق الحدود .. لكنه لا يجد .. كل شئ بهذه الحياة يعتمد على التواصل .. وهو أكثر الناس فشلًا في هذا التواصل .. أو فليكون صريحًا أكثر .. هو ليس بفاشل .. بل جبان .

تنهد بقوة وهو يرفع رأسه للأعلى محاولًا تهدئة أفكاره .. ليتذكر ما قالته له والدته بعد عودته من الجامعة في أمر خطبته لسندس .

سيكون هذا يوم سعده .. لكن كيف له أن يفعل دون أن يعتمد على ذاته .. إنه على وشك أن يتم الأربعة وعشرين عامًا دون أن يكون له عمل يدر عليه دخلًا .. هل سيحيى على نفقة والده أم ماذا ؟.. وحتى ينتظر التخرج من كلية العلاج الطبيعي ثم بناء نفسه ومستقبله .. فهذا سيكلفه أعوام كثيرة .. كما أن هناك عقبة أخرى .. ألا وأن سندس أيضًا في عمر يسمح للخطاب بالتوافد عليها .. ماذا لو أتى من هو مناسب لها !!

حينما وصل بتفكيره إلى هذه النقطة .. قام بنفض رأسه على الفور وهو يتحدث إلى نفسه بضيق :
- لا لا مش هينفع أبدًا .. لا .. أنا لازم أتصرف في أسرع وقت .

( 🌸 صلوا على رسول الله 🌸 )
( 🌸 من صلى عليه صلاة واحدة .. صلى الله عليه عشر صلوات، وحُطَّت عنه عشر خطيئات، ورُفعَت له عشر درجات 🌸)

كعادتها استيقظت باكرًا مؤدية فرضها وقارئة لِوِردها الذي اعتادت عليه منذ الصغر بفضل والدتها .. خرجت إلى المطبخ وقبلت والدها الذي تمتم بابتسامة هادئة :
- ده إيه الجمال ده كله .. يابت بطلي تحلوي أنا شوية وهخبيكي عن عيون الناس .

ضحكت وجد برقة وهي تقترب من والدتها التي تنظر تجاهه بغيظ ليتحمحم متابعًا :
- طالعة لأمك في كل حاجه ... من كتر حبي لأمك ربنا رزقني بنسخة منها .. ربنا يباركلي فيكوا يارب .

ابتسمت مريم برضا وبدأوا جميعًا في تناول وجبة الإفطار لتتحرك وجد متمتمة :
- أنا الحمد لله كده .. هطير بقا على جامعتي لحسن أتأخر .

مريم :
- ربنا يوفقك يا حبيبتي .. خلي بالك من نفسك .

ألقت وجد قبلة لهما في الهواء ومن ثم خرجت وهي تنادي بشير الذي يقطن في الطابق الثاني ..

نظر لها من الأعلى وهو يرتشف كوب الشاي إغاظة لها لتضرب الأرض بقدمها في غيظ وهي تتمتم :
- بطل بواخة يا بايخ وانزل وصلني يلا .. أنا متأخرة ومش هلحق أروح مواصلات .. عندي محاضرة تسعة .

بشير وهو يرتشف من كوب الشاي خاصته :
- التوصيلة بعشة جنيه .

استدارت وجد حولها تبحث عن شئ ما تلقيه به لكنها لم تجد لتكز أسنانها بغيظ ومن ثم تمتمت بابتسامة ماكرة :
- خليك على راحتك .. أنا أروح أقول لجدك وهو يتصرف .

بشير بسرعة وهو يلقى لها مفاتيح السيارة :
- المفاتيح أهي .. افتحي العربيه عما أنزل عشان منتأخرش .

ضحكت عليه وهي تلتقط المفاتيح ومن ثم ذهبت إلى السيارة وقامت بفتحها وجلست تنتظره حتى أتى حاملًا حافظة القهوة التي تمتلئ بمشروب الشوكولا الساخن .

ابتسمت في سعادة حينما قدمه لها .. لتقترب وتختطف قبلة من وجنته وهي تحتضن الحافظة بسعادة ليضحك على طفولتها .. فهي تعشق الشوكولا حد الجنون .. ولا مانع لديها إن كانت وجباتها ومشروباتها جميعها شوكولا .. وهو يجد سعادته في سعادتها هي .

(🌸 لا حول ولا قوة إلا بالله 🌸)
(🌸 إنها كنز من كنوز الجنة 🌸)

قُضي يوم ملئ بالمتاعب منذ بكوره وحتى أذان العصر لينتهي بها الحال في غرفة جدتها تمشط خصلاتها بعدما أخذت حمامًا باردًا تُزيل عنها غبار توضيب الشقة بأكملها ..

شهد بابتسامة :
- بحب أبصلك أوي يا بت يا بدور .. بشوف فيكي مالك ابني في ملامحه .. وملك أمك في شقاوتها .. ربنا يحميكي يا بنتي يارب .

بدور بابتسامة :
- متحرمش من جمال وطيبة قلبك يا روح قلبي يا رب .. تحبي أعملك حاجة قبل ما أطلع فوق ؟

شهد :
- لا يا حبيبتي كتر خيرك لحد كده .. اطلعي بقا أقعدي مع أصالة شوية فوق وأنا هريحلي شوية كده ولما تنزلي صحيني .

أماءت بدور وهي تُنهي إرتداء خِمارها وتثبته جيدًا قبل أن تطبع قبلة رقيقة فوق جبين جدتها ومن ثم ركضت إلى الأعلى لتستقبلها أصالة بترحاب ..

دلفتا إلى غرفة سبأ زوجة خالها ومن ثم خرجا لغرفة الجلوس كي يحتسون الشاي معًا في جو مبهج .

أصالة بتساؤل :
- إيه أخبار دنيتك ؟.. قررتي هتشتغلي ولا لسه ؟

بدور :
- والله يا أصالة يا ختي بيني وبينك كده أنا نفسي طالعة من أي شغل .. أنا حتى مبدورش .

سبأ متدخلة :
- طب ليه يا بنتي .. ده حتى إنتِ اللي مختارة مجال الإعلام وطول عمرك بتتمني تكوني صحفية .. إيه اللي جرى ؟

بدور بتنهيدة :
- بيني وبينك يا مرات خالي .. خايفة .

سبأ بتعجب :
- خايفة من إيه يا حبيبتي بس ؟

بدور متابعة :
- أنا بحب حياتنا أوي يا مرات خالي .. علاقة بابا وماما ببعض .. علاقتهم بينا .. عايزة لما أتجوز أعيش نفس العلاقات دي .

أصالة بعدم فهم :
- وده دخله إيه بإنك خايفة تشتغلي ؟

بدور بتنهيدة :
- مش عايزة حاجة تاخدني من بيتي يا أصالة .. بصي هو الموضوع متعقد بس أنا ليا واحدة صحبتي متجوزة وبتشتغل ومعاها عيل دلوقتي وربنا ما يوريكي كم المشاكل اللي هي فيها .. عملت عندي زي عقدة .. حابة أشتغل ونفسي أوي كمان بس .. بس خايفة .

لم تكن تدري بدور أنها افتتحت على تلك الجالسة معهما وتستمع لكلماتها بابًا من الذكريات الأليمة ..
تذكر ذاك اليوم الذي ذهبت به إلى منزل ملك تشكو مالك زوجها لسفيان زوج ملك بسبب عدم موافقته على إحضار مربية لأبنائهما كي تمارس عملها بشكل طبيعي ..

تذكر أنه في ذاك اليوم غضب مالك بشدة ورفض عودتها للمنزل .. حينها قام سفيان بمهاتفة والد مالك وأخبره بالأمر .. واقترحا أن يرسلا عمار للمبيت مع والده تلك الليلة كي يرى كم المعاناة التي تعانيها الأمهات مع أطفالهن والرجال نيام ..

كما تذكر ندمها لاحقًا على تسرعها في هذا الأمر .. لأنه وافق بكل هدوء بعد أن تشاورا ..
لقد تعلمت حينها درسًا لن تنساه ما حيت .. وهو ألا تتسرع في اتخاذ قرار أو الحكم على أحدهم وهو غاضب .. عليها أن تتمهل دومًا في قراراتها وحكمها .

قاطع شرودها صوت أصالة :
- إيه رأيك انتي يا ماما في كلام بدور ؟

تنهدت سبأ بابتسامة وهي تمسد وجنة بدور بظهر يدها متمتمة :
- عارفة يا بدور يا بنتي .. أنا دلوقتي بتمنى لو الزمن يرجع بيا عشان أفكر بعقلك ده ..
في يوم كنت اتخانقت أنا وخالك مالك بسبب موضوع الشغل والخلاف على إني عايزة أجيب مربية لعمار وأصالة في فترة شغلي .. بس تعرفي وقتها خالك عمل إيه ؟

بدور بتساؤل :
- عمل إيه ؟

سبأ بتنهيدة :
- اتنازل .. قالي مفيش مربية تدخل بيتي ولا تربي أولادي وأنا هقعد معاهم فترة شغلك .

بدور بدهشة :
- بجد !!!... وعمل كده ؟

سبأ بتأكيد :
- عمل كده .

تنهيدة قوية خرجت عنها قبل أن تتابع :
- وقتها كنت متضايقة أوي من نفسي .. عشان هو الراجل اتنازل عن وقته عشان عياله وخوفه عليهم .. وأنا الست اتمسكت بشغلي .. بس في نفس الوقت حسيت إني مغلطتش وإن ده حقي عليه عشان الحياة مشاركه .. ولما لقيت نفسي تايهه ومش عارفة أعمل إيه .. خدت بعضي وطلعت على بيت جدك جود .. وقعدت مع مريم جدتك .. عارفة قالتلي إيه ؟

بدور وهي تومئ بحماس :
إيه ؟؟؟

تنهدت سبأ وهي تعود بذاكرتها كي تتذكر تفاصيل ما حدث ذلك اليوم ..

بعد الترحاب الحار من مريم وأريج بقدوم سبأ .. أخذت أريج كل من أصالة وعمار وخرجت للحديقة كي تلعب معهما بصحبة ابنها بشير وكذلك ابنة عمتها وجد .. تاركة مساحة لمريم وسبأ كي تتحدثان .

مريم بتنهيدة بعد أن استمعت لكل ما حدث من سبأ :
- قبل أي حاجة يا سبأ يا بنتي لازم تكوني واثقة فيا وإنك زي بنتي وعمري ما هرضالك غير الخير زيها .

سبأ بتأكيد :
- وأنا لو مش واثقة في ده مكنتش جيتلك يا عمتي .

مريم بابتسامة :
- أول حاجة يا سبأ يا بنتي .. لازم تبقي عارفة إن مالك بيحبك .. وبيحبك أوي كمان .. وإن مش أي راجل ممكن يقدَّر حلم مراته ويسعى عشان يخليها تطور منه .. ولا أي راجل هيتنازل عن وقت من وقته عشان يقعد في بيته مع ولاده اللي أكبرهم لسه خمس سنين وده عشان مراته تكون بتمارس الشغل اللي بتحبه .. ده إن دل فيدل على حبه ليكي .. وإنه يتنازل عشانك دي حاجة مينفعش أبدًا تتنسي .. ولازم تقدريها كويس أوي .

سبأ بتوتر :
- أكدب عليكي يا عمتي لو قولتلك إني متفاجئتش بالتنازل ده .. أنا أصلا متوقعتش أبدًا إنه يتكلم معايا بالهدوء ده خصوصًا بعد اللي عمله سفيان إمبارح لما بعتله عمار يبات معاه ليلة .

ضحكت مريم لذلك ومن ثم تنهدت بهدوء وهي تتابع :
- تعرفي يا سبأ .. أنا أخدت بكالوريوس تجارة بتقدير إمتياز في قسم المحاسبة .. وكنت أقدر أشتغل في الوقت اللي أنا معيش فيه غير وليد إبني اللي تقريبًا كان طول الوقت مع جود في الشركة أو مع مروان في النادي .. يعني طول الوقت في البيت وفاضية غالبية الوقت .. لكن عمري ما فكرت إني أشتغل .. وده مش عشان أنا متخلية عن حلمي أو عشان جود هيرفض أو عشان مفيش وقت أو عشان كسولة أو عشان وليد .. لا لا .. ده عشان أنا بصيت للجزء الأهم في الحياه .. الأحلام مهمة .. لكن راحة الزوج النفسية والبدنية مش أي ست تقدر تحققه .. الشغل بينمي العلاقة الاجتماعية .. لكن علاقة الست المستقرة بجوزها مش أي ست تقدر تحققها .. إثبات النفس والكيان في الحياة والمجتمع مهم .. لكن إثبات قدرتي على إدارة بيتي وإحتواء جوزي وأولادي مش أي ست تقدر تحققه .. ده مش معناه أبدًا إن الست اللي بتشتغل أو بتهتم لميول معين في حياتها إنها فاشلة في بيتها .. بالعكس .. إحنا ربنا خلقنا بقدرات متفاوتة .. واحدة تقدر تتحمل يوم شغل مكون من ست ساعات وواحدة تانية متقدرش تتحمل حتى ساعتين .. واحدة تقدر تتحمل خمس أطفال أعمارهم متقاربة في البيت وواحدة تانية متقدرش وتلاقيها قاعدة تعيط وتندب وتقول كان مالي ومال الجواز ..

إحنا قدرات يا سبأ .. وانتي عشان تعيشي بما يرضي الله ويرضي زوجك ويرضيكي .. لازم تعرفي قدراتك إيه .. هل هتقدري على مسئولية شغلك كمعيدة في الجامعة بالإضافة لاهتمامك ببيتك وجوزك وأولادك ؟.. هل هتقدري على مسئولية إنك متنسيش مناسبة جمعتك بزوجك لمجرد إنك مشغولة في تحضير محاضراتك ؟.. هل هتقدري تحافظي على ولادك وتربيتهم ومتحسسيهمش بالاحتياج لحضن يضمهم ولودن تسمعهم وتسمع شكواهم بدون ما تقولي أنا جاية من الشغل تعبانة ومش قادرة ؟.. هل هتقدري تكوني مجهزة نفسك لجوزك بليل عشان أول ما ييجي تحملي عنه هموم الحياة والمسئولية وتشاركيه أتعابه ؟..
إجابتك لو بالإيجاب يبقى اتفاهمي مع جوزك يا سبأ وكملي حلمك .. لكن لو إجابتك لا يبقى تختاري الأهم في حياتك .. ولو إجابتك هي الحيرة يبقى تقعدي مع مالك وتشاركيه أفكارك وتتقاسموا هموم ومسئوليات الحياة سوا .

تنهيدة قوية خرجت عنها قبل أن تتابع :
- ده من الناحية الاجتماعية .. تعالي في الناحية الدينية بقا ..
البنت مننا يا سبأ وخصوصًا في فترة الأنوثة وبدايات الحياة اللي بجد والعنفوان دي بتبقى عايزة تثبت نفسها في المجتمع بأي شكل .. وديمًا لو دخلت في نقاش بيتقال فيه إن مش من حق البنت تعمل كذا لكن الولد عادي .. تلاقي البنت بتهاجم وتقول لا إحنا متساويين ..
بأي دليل التساوي ؟.. ده حتى ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بيقول :
" الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ".

ولما جم العلماء والأئمة يبحثوا في معنى الآية عرفوا إنها بتوحي بأفضلية الرجل على المرأة .. بحكمه عليها .. بحقه في إنه يرؤسها .. بأحقيته إنه يكون الوالي عليها والمؤدب ليها لو انحرفت عن المبادئ والقيم .. وده لإن الراجل أفضل من المرأة وأقوى منها وأكتر قدرة وتحكم عنها .. وعشان كده النبوة إختصت بس على الرجال .. ومش بس النبوة .. كمان الزعامة تختص بالرجال .. بدليل النبي صلى الله على وسلم في حديث ليه عن لسان عبد الرحمن بن أبي بكرة بيقول :
" لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " .

ده غير إنه جه في آية تانية من آيات الكتاب الحكيم بيقول فيها :
" وللرجال عليهن درجة " .

كل دي أدلة بتوحي بعدم التساوي بين الراجل والست .. الست اتخلقت ضعيفة ولينة .. وضعيفة هنا مش بمعنى الضعف والاستصغار .. لا ..
ضعيفة يعني بتحتاج لسند وضهر .. بتحتاج لحماية ..
عشان كده دور أساسي للراجل في حياة المرأة إنه يحميها ..

طب تعالي اسمعي البنت وهي بتقول أنا بدرس عشان أشتغل بشهادتي .. طب جالها عريس والجوازة اتفشكلت عشان هو مش عايزها تشتغل وهي متربسة دماغها إنها تشتغل .. وتعالي اسأليها متبتة في الشغل ليه كده .. هتقولك حاجة من تلاتة ملهمش رابع .. يا إما عشان أشغل وقتي .. أو عشان أثبت نفسي .. أو عشان أنا تعبت في التعليم مش عشان آخد الشهادة وأركنها ..
وتعالي دوري بقا هتلاقيها نسيت دورها الأصلي والأساسي في الحياة .. اللي هو بيتها وزوجها وأولادها .

أنا مؤيدة وبشدة لشغل الست وإثباتها لنفسها في المجتمع وإثبات قدرتها على خوض أعتى الأحمال اللي بيقوم بيها الراجل .
بس إمته ؟..
لما تكون المرأة دي مُنظمة فعلًا .. لما تكون مخلية بيتها مش ناقصه حاجة .. لما تكون بتشتغل برضا زوجها ومش مقصرة فيه وفي حقه .. لما تكون واثقة إن الأطفال اللي ربنا هيرزقها بيهم مش هينقصهم حاجة وإنها هتراعيهم وتربيهم بما يُرضي الله ...

في حالة تانيه .. وهي لما تكون ظروف المعيشة صعبة .. مفهاش حاجة لو ساعدت جوزها .. وده بردو يبقى برضاه ..

لكن جملة " أثبت نفسي " دي جملة مستفزة بتدمر بيوت وعلاقات جميلة وقوية .. إثبات الست لنفسها بيبقى في بيتها ونضافته .. في شكلها واهتمامها بنفسها .. في أولادها وتربيتهم .. في جوزها ورضاه عنها .. في أهلها وبرها بيهم ورضاهم عنها .. في أهل جوزها وحبهم ليها .

إحنا بنتجاهل دور المرأة الأساسي تحت مسمى " إثبات النفس في المجتمع " .. وده من أكبر أسباب فشل العلاقات في الزمن ده .

طب تيجي أجاوبك على سؤال " إحنا بنتعلم ليه ؟؟"
بنتعلم عشان تكون عندنا ثقافة .. لما ييجي ابني يقولي يا أمي مسألة الرياضة دي مش عارف أحلها .. أقدر أساعده فيها .. ولما تيجي بنتي تطلع هاوية للقراءة .. أقدر بثقافتي أختارلها الكتب اللي تفيدها عشان تقرأها .. لما ييجي برنامج علمي على التليفزيون وأنا قاعدة بقشر بطاطس وابني يلقط كلمة منه وييجي يقولي يعني إيه الكلمة دي .. أعرف أرد عليه .. عشان أكون متفتحة العقل وعندي دراية بكل حاجة حواليا .. عشان أقدر أخرج جيل مثقف وكويس بيهتم بالأمور بشكل كويس وعقلي .. مش متسرع ومش جاهل ومش حاسس بالنقص .. الأم دورها في حياة أولادها أهم بكتيييير من الأب .

وفي النهاية بردو الشغل ميمنعش إنك تكوني المرأة دي .. لو انتي نظمتي نفسك وحياتك واهتماماتك .. لو قدرتي تدي كل حاجة حقها .

عادت من شرودها من ذكرى ذاك اليوم على صوت ابنها عمار الذي أتى من حيث لا تدري :
- اممممم .. وجهة نظر مميزة بردو .

ركضت أصالة تجاهه وتعلقت بعنقه متمتمة :
- وحشتني يا ميموووو ... ممنوع تخرج من البيت من غير ما أشوفك تاني .

ضحك عليها وهو يصفعها على مؤخرة رأسها :
- لو مراتي مش هتعمل كده .

أصالة :
- وتعمل كده ليه وأنا موجودة أصلًا .. محدش له دعوه بيك يا خويا .

عمار :
- طب جهزيلي لقمة يا أم لسانين عشان جعان .

أصالة وهي تؤشر على عينيها بالتتابع :
- من العين دي قبل العين دي .

ركضت إلى المطبخ في حين تمتم عمار بهدوء دون أن ينظر تجاههما :
- منورة يا بدر .

غادر المكان دون أن يدري بدموية قلب تلك الجالسة إلى المقعد تنظر في أثره بحسرة ..
وتلك التي تليها وهي تنظر في أثره بضيق .. إنه لا يتذكر اسمها أبدًا .. دائمًا ما يناديها بدر بدر .. تقسم أنها على وشك أن تكره إسم بدر بسببه .


🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الرابعة بقلم دنيا الشملول


خرجت من المطعم مع صديقاتها وهي تزفر منذ الصباح بسبب عدم رؤيتها لريان هذا اليوم بأكمله ..

تُرى ما الذي يحدث معه ؟ هل ملَّ من انتظارها ؟ هل تلاشى شغفه برؤيتها عند نهاية كل يوم دراسي ؟!.. أم أن هناك ظرفًا طارئًا جعله يتغيب لهذا اليوم ؟

كانت شاردة في تساؤلات عقلها حينما اصطدمت بإحداهن .. ومن دون أن تتدارك ذاتها قامت بالنظر إليها في غضب وهي تهدر :
- مش تحاسبي .. ما تفتحي وانتي ماشية .. الله .

نظرت لها الفتاة من أعلاها لأخمص قدمها ثم تركت المكان وغادرت دون أن ترد بكلمة واحدة مما أثار حنق سندس أكثر وهي تكز أسنانها وبداخلها رغبة مُلحة في أن تذهب خلف تلك الفتاة وتلقنها درسًا قاسيًا .

هند وهي تجذبها من ذراعها :
- في إيه يا سندس مالك ؟.. وبعدين إنتي اللي خبطتي في البنت .. هي كانت واقفة وانتي اللي خبطتي فيها وانتي ماشية .

سندس بضيق :
- معرفش يا هند .. أنا مخنوقة من نفسي أصلًا .

تولين بهدوء :
- طب أقولك حاجة تروقك .

تحولت نظرات الفتاتان لها لتؤشر برأسها إلى باب المطعم الذي يخرج منه وسيم ..

نظرت له سندس لتصطدم عيناها بعينيه فوقف هو لثوانٍ قبل أن تتدارك نفسها وهي تتحرك مسرعة ومن خلفها صديقتيها وهي تهمس بخجل :
- الله يخربيتك يا تولين .. الواد خد باله إني كنت ببص عليه .

ضحكت عليها تولين وكذلك هند التي لكزتها في ذراعها :
- وسيم اللي مبيبصش لبنت في الجامعة بصلك .. ده انتي مسجلة عزبة دلوقتي .

سندس وهي تعدل ياقة ملابسها الوهمية :
- طبعًا يا بنتي .. أنا مش أي حد .

ضربتها تولين على ذراعها لتعلُ ضحكاتهن معًا .. ضحكة خارجية لا تمت لما بقلب سندس بأي صلة .


(🌸 من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تحرج من تحت أظافره 🌸)

خرج من المستشفى هائمًا على وجهه لا يدري ما عليه فعله .. لا يدري إلى أين عليه الذهاب .. لا يدري إلى من سيلجأ كي يشاركه هذه المعاناة التي أتته من حيث لا يدري ..

يشاركه ؟؟.. منذ متى !!.. منذ متى وهو ينتظر من أحدهم مساعدة أو مشاركة في شئ ما ؟!.. منذ متى وهو يأخذ تلك الأمور الصعبة في حياته بتلك الصعوبة ؟!!.. دائمًا ما يستصغر الأزمات .. رغم كونها تاخذ حيزًا لا بأس به من تفكيره .. لكن لا بأس .. أزمة وستمر كغيرها .
ولكن هل ستمر حقًا ؟!

ماذا عن سندس ؟.. هل انتهى كل شئ قبل أن يبدأ حتى ؟.. هل هي النهاية ؟.. ما هذا الذي يفكر به ؟.. ألم يقُل منذ ثوانٍ فقط أنها أزمة وستمر كغيرها من الأزمات ؟

لكنها ليست أزمة في الواقع .. إنها .. إنها ..
بماذا عليه أن يُسميها ؟!!!!... إنها أشبه بأن تقف على حافة جرفٍ يبعدُ مئاتُ الأميالِ أسفل الأرضِ .. ومن خلفك سيارة على بُعدِ أميالٍ منك وتأتي على مهل كي تدفعك للهاوية .. فتغمض عينيك منتظرًا هذا الارتطام الذي سينتهي بمعانقة جسدك للأرض ومعانقة روحك للسماء عناق أبدي ..
الأمر كله مجرد وقت لا أكثر .. لكن ترى كم تبعد عنه تلك السيارة التي ستدفعه ؟.. كم من الوقت متبقي لديه كي يقضيه مع من أحب !..
يقضيه ؟؟.. بالتأكيد لا .. لا لن يفعل .. لن يجعلها تتعلق به أكثر من ذلك .. لن يفعل بها هذا وهو على علم بأنه سينتهي عاجلًا أو آجلًا ..
هل سيتمكن من البعد عنها بـ ...

توقف عقله عن دفع الأفكار .. وتوقفت قدماه عن السير .. وهو يتسطح إلى أرضية الطريق الذي عبره دون أن يلتفت ليرى إن كان هناك قادم فصدمته سيارة آتية .

ولكن لماذا لا يزال بإمكانه الإدراك بمن حوله ؟.. لماذا يستمع لصوت ذاك الرجل الذي يهدر بخوف وقلق إن كان بخير ؟.. لماذا لا تزال عيناه ترى الضوء ؟.. لماذا لا يزال عقله يعمل ويرهقه بمزيد من الأسئلة ..

انتبه لوضعه وبعض الرجال يحاولون إيقافه ليتحرك وهو يناظرهم بتيه قبل أن ينسحب من بينهم دون أن يتفوه بكلمة واحدة .. مما جعلهم يضربون كفوفهم ببعضها بعدم فهم لما هو فيه ..

دلف لمنزله بهدوء ليقابله والده بتساؤل :
- إيه يا ريان فينك كل ده ؟ ومبتردش على تليفونك ليه ؟

ريان بهدوء :
- آسف يا بابا تليفوني صامت من الصبح ومفتحتوش وجاي مشي ده اللي أخرني بس .

مراد بهدوء :
- المهم إنك بخير .. طيب غير هدومك كده وصلي العصر وتعالى ناكل لقمه سوا عشان عايزك في موضوع .

توترت ملامح ريان وهو يفكر في ماهية الأمر الذي يريده والده فيه .. هل سيفاتحه في أمر سندس كما قالت والدته ؟!

أماء دون أن يتحدث وخطى غرفته وهو يتنهد بإرهاق يفكر فيما هو قادم عليه ..

تحرك مبدلًا ثيابه وأنهى طقوسه سريعًا وخرج إلى شرفة الصالة الواسعة حيث ينتظره والده ...

تنهد مراد بهدوء مُعربًا عما بداخله :
- شوف يا ريان يا بني .. انت كبرت حبيبي وبقيت راجل ملو هدومك ويعتمد عليك .. والامتحانات على الأبواب أهي والسنه دي سنة التخرج .. وأنا ربنا كرمني وكنت عامل وديعة وممكن نفتحها عشان تكمل شقتك و ...

ريان مقاطعًا :
- شقة إيه ؟

مراد :
- شقتك يا بني اللي فوق .. إن شاء الله الوديعة هتكفي وهتفيض كمان .. دي بقالها زمن و ..

ريان :
- لا يابابا .. الوديعة دي تخصك .. أنا بأمر الله هخلص جامعتي وهشوف شغل و ..

مراد :
- ده الطبيعي يا ريان .. هتشوف شغل بعد الجامعة وتستقر فيه بأمر الله ... لكن موضوع شقتك ده واجبي إني أساعدك فيه .. واحنا واحد وهي أصلا كانت عشانك .

ريان بتنهيدة :
- محسسني إننا واقفين على باب العروسة يا بابا .

مراد وهو يربت على قدمه :
- ده بقى الموضوع التاني اللي كنت عاوزك فيه .

توترت ملامح ريان ليتابع مراد بهدوء :
- أنا يا بني عارف وحاسس بيك من زمان جدا وعارف إنك متعلق بسندس بنت ناجي .. وأنا يا بني لو لفيت الدنيا مش هلاقي في أخلاقها .. هي تربيتنا وأنا بحييك على اختيارك ده .. جايز تكون مستغرب إني عارف وبتكلم بجراءة كده لكن يا بني سعادتي بيك أكبر بكتير من إني أنتظر الطلب ييجي منك .. ممكن تكون عامل عشان الظروف وعشان منتظر إنك تشتغل الأول وتكون نفسك .. لكن يا بني البنت عرض وطلب .. ومش عارفين نصيبها فين .. وبما إن خير البر عاجله .. فنعجل بالخير .

تنهد ريان وهو ينظر لكل شئ عدا والده .. ماذا عليه أن يقول الآن ؟.. كيف يخرج من كل هذا ؟..
يخرج !!!
منذ أيام معدودة فقط كان يقول لنفسه أنه لم يتبقى سوا عام فقط وينتهي من دراسته .. ومنذ يوم واحد كان يفكر كيف له أن يمنع الخُطاب عنها .. لكن لا يجب عليه أن ينسى ما اكتشفه اليوم .. وما جال بخاطره من البعد .. لكنه ضعيف ..
يعترف ..
إنه أضعف من أن يأخذ هذا القرار ويفر هاربًا .. أضعف من أن يسمح لنفسه برؤيتها تمسك بيد آخر .. أضعف من أن يعترف أمامها وأمامهم بما يُعانيه .. أو فليكون صادقًا أكثر .. بما سوف يُعانيه قريبًا .

قطع شروده صوت والده الذي تساءل بهدوء وهو يمسد على قدمه بخفة :
- قلت إيه يابني ؟

نظر له ريان لبعض الوقت قبل أن يفصح بهدوء :
- اللي حضرتك شايفه صح يا بابا .. بس بلاش نفتح موضوع سندس قبل الأجازة .. بعد إذنك هدخل أريح شوية .

أماء مراد بتعجب من حال ابنه .. كان يتوقع أن يطير سعادة وأن يرى عينيه تتراقص بها اللمعات لشئ كهذا .. حبه وتعلقه بسندس واضح كوضوح الشمس في وضح النهار .. لما هو بهذا البرود والاستسلام الغير مبرر ؟!!!

(🌸 من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا 🌸)

يجلس إلى حديقة منزله بصحبة صديقيه أحمد وراغب يحتسون الشاي مع تبادل أطراف الحديث فيما بينهم .

صوت إحدى السيارات التي اصطفت أمام بوابة منزله جذبت انتباهه كي يخرج ويستقبل القادمين .

ابتسم بهدوء وهو يمد يده لزوج قريبة والده ويصافحه بترحاب بادله إياه ياسر بود ..

بشير :
- اتفضلوا أهلًا وسهلًا ... إزي حضرتك يا طنط رهف ؟

رهف بابتسامة :
- بخير يا بشير الحمد لله .. انت عامل إيه وأخبار شغلك ؟

بشير بابتسامة :
- كل خير الحمد لله ... آنستونا .

انحدر نظره لتلك التي خرجت توًا من السيارة وتقدمت إليهم .. فتاة في مقتبل العمر بملامح هادئة شرقية للغاية .. ببشرة سمراء وعيون سوداء كذلك .. طويلة نوع ما .. وترتدي زي مناسب من حيث اتساعه وتناسقه عليها .. رحب بها بهدوء :
- مرحب يا آنسة إيلاف .. اتفضلوا .

دلف بهم إلى المنزل دون أن تجِبه إيلاف بأي شئ .. فقط اكتفت بإماءة خفيفة ومن ثم تحركت معهم لتقع عينيها على راغب الجالس ناظرًا تجاههم دون حياء .. لاحظت بسمة خفية ارتسمت فوق محياه وهو يؤشر عليها بعينه كي يراها صديقه الجالس إلى جواره .. هذا ما تأكدت منه حينما نظر لها أحمد كذلك وعلت شفتيه نفس البسمة اللعينة والتي أخفاها بيده وهو يُدير وجهه للجهة الأخرى .

ازدردت ريقها بتوتر وغصة مؤلمة تجتاحها .. لا مكان خالٍ من التنمر عليها وعلى ملامحها وبشرتها السمراء .. ما ذنبها هي إن كانت تلك هي خِلقة الرحمن .. ألا يمتلك كل امرء عيبًا ؟!.. وكل مُعاب لديه ما يُميزه ؟!.. لماذا ينظرون لها بالشكل فقط ؟.. هذا ... هذا مؤلم لها بحق .

حاولت جاهدة أن تغتصب ابتسامتها وهي تصافح الجميع برتابة عدا وجد التي احتضنتها بشوق .

عاد بشير حيث أصدقائه ليصل إلى مسامعه كلمات راغب :
- طب والنعمة السمار نص الجمال بقا .. بس هي اللي ملامحها شاذة شويه بوظت جمال السمار .

بشير من خلفهم :
- بتتكلموا عن إيه ؟

أحمد بسرعة :
- ولا حاجة .. يلا نكمل .

بشير بإصرار :
- مش قبل ما أعرف مين اللي ملامحها شاذة ؟

ازدرد راغب ريقه وهو يتمتم بكذب :
- واحدة معرفة .. قال إيه .. سي أحمد بيحبها .

بشير وهو يضيق عينيه :
- وهي لو واحدة معرفة وسي أحمد بيحبها .. هيسمحلك تتكلم عنها بالطريقة دي ؟.. دي حتى تبقى عيبه في حق رجولته .

قال نهاية جملته وهو يحول نظره لأحمد الذي كز على أسنانه وهو ينظر لراغب بضيق :
- إيه يا عم كلامك ده ؟.. حب إيه وبتاع إيه .. وأنا على آخر الزمن هحب واحده سمره ؟

بشير رافعًا إحدى حاجبيه :
- مالهم السمر ؟.. ده راغب قالهالك أهو من دقيقة .. السمار نص الجمال .

راغب زافرًا بضيق :
- ما خلاص يا عم بشير .. غير الحوار .. كنا بندردش يا عم والموضوع خلص .

بشير بهدوء معاكس لعاصفة الغيظ القائمة بداخله :
- ماشي يا راغب .. نغير الحوار .. بس بعيدًا عن إن الكلام عن حد في غيابه تُعتبر غيبة وده حرام .. مينفعش عينك تترفع في حد من أهل بيتي .. عشان دول اسمهم حُرمة البيت ولازم تتراعى يا راغب .

تحرك راغب وهو يدفع مقعده للخلف بضيق :
- انت زودتها يا بشير .. وأنا مش خاين عشان أبص على أهل بيتك يا سطى .. هي البت اللي بصتلنا وغصب عني ضحكت على شكلها .. مكفرتش يعني .

ضرب بشير الطاولة أمامه بعصبيه وهو يتمتم بصوت خفيض حتى لا يفقد أعصابه :
- انت بتقولها في وشي بردو يا راغب ؟!

حمل راغب هاتفه وهم بالمغادرة وهو يهدر بضيق :
- لا في وشك ولا في قفاك يا عم بشير .. سلام .. وبعد كده متدخلش واحد خاين بيتك يا سطى طالما شايفني ببص على أهل بيتك .

لم يفكر بشير حتى في مناداته أو النظر إلى ظهره الذي ولاه إياه مغادرًا .. واكتفى بالنظر إلى أثره في ضيق .

أحمد وهو يربت على كتفه بهدوء :
- أنا آسف يا بشير والله مكنتش أقصد خالص .

بشير وهو يجلس إلى مقعده :
- محصلش حاجة يا أحمد خلاص .. اقعد .. جاد جايبلنا قهوة وجاي .

جلس أحمد بتوتر بدا جليًا عليه ليتساءل بشير بهدوء :
- مالك يا صاحبي في إيه ؟

أحمد بتنهيدة :
- هو صحيح اللي راغب قاله ؟.. يعني أقصد لو بصيت لحد من بيتك ببقى خاين ؟

بشير زافرًا بهدوء :
شوف يا أحمد .. دلوقتي ربنا سبحانه وتعالى ذكر في كتابه الكريم آيه بيقول فيها إيه :
" يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون " .

يعني البيوت عشان ندخلها لازم أهلها يسمحولنا بده .. طب وأنا قاعد جوه بيتهم .. هل ينفع عيني تكون على الرايح والجاي ؟.. طبعًا لأ ... لإن كل بيت له حُرمته .. وغض البصر مش بس عن البنات اللي بنشوفها في الطرق وغيره .. لا .. غض البصر عن أهل البيوت كمان .. وكلمة خاين دي حاجة قليلة قصاد فكرة إن واحد يبص على حُرمة بيت شخص أذنله بدخول بيته .. لإنه كده خان الثقة اللي ادهاله .

ازدرد أحمد ريقه وهو يتمتم بهدوء :
- أنا آسف يا بشير والله مكنتش أقصد .

بشير بابتسامة وهو يربت على يد صديقه :
- أنا نسيت الموضوع يا صاحبي خلاص .

أحمد بهدوء :
- تسلم يا ابو الصحاب .

أتى جاد بالقهوة وعاد للمنزل من جديد وبدأ الشابان يحتسيان القهوة بهدوء بين حديثهما عن أشياء مختلفة .

(🌸 إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله عز وجل إلا أعطاك الله خيرًا منه 🌸)

يجلس بالقرب من جدته التي تقرأ بعض آيات القرآن .. يُقلب في صفحات الكتاب بضجر .. أتاه صوتها الحاني مسائلة بهدوء واهتمام :
- مالك يا حبيب تيتا ؟.. مين مضايقك ؟

عمار وهو يلقى بالكتاب فوق المقعد المجاور له :
- مش متضايق .

تنهدت شهد بهدوء وهي تقترب بيدها إلى وجنته تمسدها بحنان بالغ يفتقده ممن وُجب عليها أن تمنحه هذا الحنان :
- أنا عرفاك أكتر من نفسك يا حبيبي .. يلا قولي إيه مضايقك .

عمار بتنهيدة قوية :
- مفيش حاجة يا تيتا ... أنا بجد كويس .. ده قلق امتحانات مش أكتر .

شهد بجانب عينها :
- ومن إمته ابن ابني بيقلق من امتحانات .. ده أنت مبتقلقش ولا بتشيل هم امتحانات آخر السنة في كل سنوات دراستك الأساسية .. ولا كنت شايل هم التدريبات والاختبارات اللي كانت حاجه لا تُحتمل .. وانت شايلي هم امتحانات ميدتيرم في كلية علوم ! لا وكمان مش حقيقية يعني ! .. متحاولش تضحك عليا يا تربيتي .

نظر لها قليلًا قبل أن ينفجر ضاحكًا .. لتشاركه الضحكة بفرحة لقدرتها على جعله يضحك هكذا .

بينما تلك التي كانت على وشك الدلوف إلى غرفة الجلوس .. فقد تيبست قدماها أرضًا .. وهي ترى ضحكته .. وتستمتع لصداها يجلجل أركان المنزل .. هل يضحك ؟!.. حقًا هل يضحك ؟!.. يا إلهِ كم هي رائعة جدتهما .. تدين لها بقبلة من أجل ذلك .

أفاقت من شرودها على صوت جدتها التي تتمتم بتساؤل :
- واقفة عندك ليه يا بنتي ؟!.. تعالي يا حبيبتي .

دلفت بدور بعدما أخذت شهيقًا طويلًا أخرجته دفعة واحدة في محاولة منها كي تخفف من ضربات قلبها المتلعثمة .. وضعت كوب النسكافيه أمام عمار بهدوء محاولة التحكم في اهتزازة يدها التي تحمل الصينية .. ومن ثم تحركت تجاه جدتها وأعطتها كوب القهوة خاصتها .. وتحركت كي تخرج ٠٠ لكن أوقفها سؤاله :
- رايحه فين ؟

بدور بتلعثم :
- ر .. رايحة جوه .. قصدي يعني هدخل جوه .

عمار بابتسامة هادئة :
- أنا عرفت إنك بايتة مع تيتا النهاردة لوحدك .. يعني مفيش حد جوه تقعدي معاه ... ولا انتي بتعملي حاجة ؟

بدور بنفي :
لـ .. لا لا مبعملش حاجة .. بس عشان أسيبكم على راحتكم .

مدت شهد يدها وهي تجذبها لتجلس إلى جانبها :
- على راحتنا إيه بس يا بنتي .. ده حفيدي وانتي حفيدتي وغلاوتكم من بعض .. وبعدين عمار مش غريب يا حبيبتي ده ابن خالك .. يعني زي أخوكي .. مفيش داعي للكسوف .

غامت عينيها وتسارعت ضربات قلبها إثر جملة جدتها " زي أخوكي "... آه لو تستطيع أن تعامله كأخيها حقًا .. ما كان ليكون هذا هو حالها .. اللعنة على الحب الآتي بغتة فيؤلم أكثر مما يُسعد .. واللعنة كل اللعنة على تسارع ضربات القلب في حضور الحبيب حتى تكاد تفضح صاحبها .. لما الحب مؤلم إلى هذا الحد !!

أخرجها من دوامة شرودها صوته الذي يخترق قلبها بلا هوادة :
- عاملة إيه في دراستك ؟

بدور وهي تعقد حاجبيها بتساؤل :
- دراستي ؟

عمار وهو ينظر لجدته التي رفعت إحدى حاجبيها بيأس منه :
- هو .. آه .. يعني أقصد عاملة إيه في جامعتك وكده .

شهد مقاطعة :
- هي مخلصة إعلام يا عمار .

رمش عمار عدة مرات قبل أن يضرب جبينه براحة يده :
- ياربي ...

ثم تابع وهو يضيف حجته المعتادة كلما أخطأ أمرًا ما متعلق بها :
- الغلط عند أبوكي وأمك عشان جايبين توأم .. وعشان بدور لسه بتدرس فأنا متلخبط بينكوا .

بدور بغصة :
- مفيش داعي للأسف عادي .. بس متقولش الغلط عند أبوكي وأمك عشان ده شئ مش بإيديهم .. دي إرادة ربنا .. ثم إن بدور دي أنا .. وبالمناسبة بدر كمان مخلصة تربية .

لا يعلم لما لمح تلك العبرات المتحجرة داخل مقلتيها .. أو توهم ذلك فتابع بهدوء :
- ونعم بالله .. أنا كنت بهزر بس .

بدور وهي تقف للمغادرة :
- وبردو مينفعش يبقى فيه هزار بينا يا بن خالي .

غادرت الغرفة وهي تلعن ضعف قلبها الغبي أمام من لا يبالي ولا يشعر بها .. لكنها تعود وتعنف نفسها من جديد .. حتى وإن شعر بها .. ماذا سيفعل ؟.. لا تظن أن متعالٍ متكبرٍ كعمار سيفكر حتى في الارتباط بمن هي أكبر منه عمرًا .. حتى وإن كان عام واحد فقط بينهما .. هي الغبية الوحيدة هنا .. لأنها سمحت لتلك المشاعر أن تتمكن منها .. لكنها تقسم أنها ستئدها حية كما وُئِدت الفتيات في أيام الجاهلية .

بينما نظر عمار في أثرها بحنق .. تلك المتكبرة العنيدة .. ما بالها لا تطيق له حرفًا .

رفع كوب النسكافيه مرتشفًا منه رشفة كبيرة جعلته يجفل وهو يضع الكوب فوق الطاولة بسبب حرق لسانه .. لقد نسي أنه ساخن .. وأراد أن ينتقم منها في النسكافيه .. فانتقم من نفسه .

ضحكت شهد وهي تنظر له بتسلية متمتمة ببعض الغيظ :
- يابني مفيش مره تشوف وش البت إلا وتفور دمها ليه ؟!

عمار :
- أنا !!.. يا تيتا هو أنا شفتها من قرن أصلا .

شهد :
- لا يا حبيبي ما اللي كنت بتكلمها عشان تعمل شاي للرجالة يوم الجمعة اللي فاتت وتقولها يا بدر دي كانت بدور مش بدر .. وقالتلك أنا بدور مش بدر بس إنت مركزتش معاها عشان كنت مشغول في التليفون .

عقد عمار بين حاجبيه وهو يتمتم بعدم تذكر :
- مش فاكر حقيقي .

تابع وهو يتذكر رؤيته لها في الأعلى :
- هي بدر أختها ماكنتش هنا النهارده ؟

شهد :
- لا .. هي بدور بس اللي معايا .

عمار وهو يلوي شفتيه :
- شوفتها فوق من شوية .. وقلتلها ازيك يا بدر .

أنهى جملته وهو يطلق ضحكة خفيفة لتنظر له جدته بعتاب .. فتابع بقلة حيلة :
-أعمل إيه أنا يعني .. بدر ولا بدور .. ما هما اللي شبه بعض بطريقة مستفزة .. أنا مش عارف أبوهم وأمهم بيفرقوهم من بعض إزاي دول .

ابتسمت شهد بهدوء وهي تفصح بثقة :
- تعرفهم من طباعهم يا بني .. بدر عنيدة وجريئة ولبسها مش ملتزم أوي .. لكن بدور تبارك الله يحميها ربنا وشها منور بقربها من ربنا وبهدوءها ورزانتها وعقلها الكبير .

تحمحم عمار وهو يتابع بمزاح :
- طب ما أنا ممكن أقف قدام الملتزمة وأقعد أقول هي الملتزمة بدر ولا بدور ؟! .. يعني نفس الأزمة أهو .

أنهى جملته بضحكة جعلت شهد تلقى الوسادة الساكنة بجانبها عليه وهي تتمتم بغيظ :
- قوم امشي من هنا يا ابن مالك .. قوم .

عمار وهو يلقى لها قبلة في الهواء :
- قلبك أبيض يا دودو .. أشرب بس النسكافيه واطير .

شهد :
- اشرب إياكشي يحرقك تاني .

عمار :
- لا لا .. لا يُلدغ مؤمن من جحر مرتين .

أنهى جملته وهو يرفع الكوب ليرتشف رشفة صغيرة لكنها أحرقته أيضًا لكونه دافئ ولسانه لا يزال أثر الحرق به .. فاشتعل مجددًا ليضع عمار الكوب في غيظ متمتمًا :
- هي شكلها بصالي في الكوباية أصلا .. هه مش شارب .

ضحكت شهد عليه وهي تدعو له :
- يهديلك حالك يا بني يارب .

ابتسم عمار بخفة قبل أن يتحرك طابعًا قبلة رقيقة فوق جبينها واستأذن مغادرًا .. لتتنهد شهد بقوة وهي تدعو الله أن يُهدئ من لوع الحب بقلب بدور .. ويُنير بصيرة أعمى القلب عنها .

(🌸 عينان لا تمسهما النار .. عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله 🌸)

تجلس بصحبة وجد التي تقوم بحياكة بنطالها الذي انتُزع من نهايته بفعل وسيلة المواصلات التي عادت بها إلى المنزل ..

صدح أذان العشاء لتترك وجد ما بيدها وهي تتمتم بابتسامة :
- يلا يا إيلي عشان نتوضى ونصلي .

إيلاف ببعض الحرج :
- ااا .. لـ لا صلي إنتي يا دودو .. أنا أجازة .

ابتسمت لها وجد بهدوء وهي تتمتم :
- ماشي يا غالية هقوم بسرعة أتوضى وأجي أصلي جنبك هنا .

أماءت إيلاف بخجل لتخرج وجد وابتسامتها متسعة على تلك اللطيفة الخجولة .. لا أحد سواهما في الغرفة ومع ذلك تخجل أن تخبرها كونها لا تُصلي حاليًا .. أحمق من ظن أنه لا حياء في الدين .

أنهت فرضها وعادت إلى إيلاف التي أنهت حياكة البنطال عن وجد لتشكرها وجد بامتنان ..

إيلاف بتردد :
- ااا .. اا .. وجد .. كنت .. يعني أنا اا ..

وجد :
- قولي يا إيلي على طول .. مفيش غيرنا في الأوضة يا حبيبتي .. خدي راحتك .

إيلاف بتنهيدة :
- أنا بس كنت عايزة أسألك يعني .. لو أنا كنت ناوية أعمل حاجه لله .. وعدا فتره من الزمن ونسيتها .. وراحت عليا .. سمعت إن ربنا بيدي أجرها .. ده صحيح ؟

وجد بابتسامة :
- إنتي نيتك كانت إنك هتعمليها ولا لأ .

إيلاف :
- أعملها طبعًا .

وجد :
- يبقى خليني أقولك ما سُمي الإنسان إلا للنسيان .. يعني إنتي كانت نيتك إنك تعملي الحاجه دي لله .. لكن انشغلتي ونسيتي .. فخلاص إنتي تؤجري على النية دي .

إيلاف :
- طب وده ضروري ؟.. أقصد يعني النية وكده .

وجد :
- دي يا غالية إسمها استحضار النية في تقديم الطاعة .. يعني هسألك سؤال مثلًا .. ليه بتصلي ؟

إيلاف بتعجب :
- بصلي عشان دي فروض فرضها علينا ربنا سبحانه وتعالى .. وعشان أقرب من ربنا بيها وأكون ملتزمة بفروضه .

وجد بابتسامة :
ممتاز جدًا .. دلوقتي أنا عن نفسي بصلي الفرض وبصلي السنة بانتظام .. غيري ميقدرش يعمل ده .. وده لإني اتعودت على أداء الفرض والسنه من صغري .. خدتي بالك أنا قولت إيه في جملتي ؟.. اتعودت ..

كلمة اتعودت دي راحت مخليه الفرض والسنه عندي تحت بند العادات اليومية .. عارفة زي الروتين بالظبط .. طب أنا إزاي أفرق بين الفرض والروتين ؟.. وإزاي أفرق بين الواجب والتطوع ؟

الإجابة هنا بالنية .. النية هنا بتوضح انتي هتعملي إيه بالظبط ..
رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - بيقول :" إنما الأعمال بالنيات .. وإنما لكل امرئ ما نوى " .. وده إن أوحى فبيوحي بضرورة استحضار النية في كل عمل عشان ناخد أجر النية والعمل .. لإن النية بتوضح سلوك العمل .. وبتفرق بين العبادات وبين العادات .

ده حتى كمان من رحمة ربنا بينا إني مثلًا لو نويت على فعل عمل معين .. وظهر حاجة شغلتني عن العمل ده .. ربنا بيكتبلي أجر العمل اللي نويتله .. يعني مثلًا لو أنا ماشية في الشارع وشفت راجل على باب الله ونويت أديله حاجه لله وفجأة فوني رن وأنا انشغلت بالرد وجيت أدور ع الراجل ملقيتوش .. خلاص اتكتبتلي بأجر نيتي .. وده اللي حصل معاكي بقا .. فالنية قبل أداء العبادة بتصفي قلبك وتنقيه وكمان بتفوقك ديما وترشدك لكون الفعل ده عبادة مش مجرد عادة والسلام .. عشان كده ديمًا في العبادات بنستحضر النية .. وطبعا ربنا سبحانه بيبقى مضطلع عليم بالنوايا .

إيلاف بابتسامة :
- ماشاء الله عليكي يا وجد بجد .. ربنا يحميكي .

وجد بابتسامة :
- وإياكي يا غالية يارب .

بدأتا في التحدث عن أشياء مختلفة وقد وجدت إيلاف من وجد مصدر ثقة وإلهام وراحة لم تعتدها مع غيرها ..

كما أنها لم تشعر كون وجد مثل البقية المتنمرين والذين يشعرونها بمدى قباحة ملامحها .. تعتذر لذاتها حقًا على ما هي عليه من هذا الشكل وهذه الهيئة التي لا دخل لها بها ..
تحاول دومًا إقناع ذاتها كون البشرة السمراء لا توحي بقبح الفتاة وأن الشفاه العريضة الممتلئة لا تتسبب في النفور عنها .. لكن كيف لها أن تُقنع من حولها بهذا !!


🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الخامسة بقلم دنيا الشملول


دلف إلى الجامعة وهو يقود دراجته النارية والتي يهيم بها عشقًا .. ولا يتحرك سوى بها .

أوقفها عند إحدى الاستراحات وترجل منها حاملًا حقيبة الظهر خاصته والتي لا يتحرك أيضًا سوى وهي معه .. نظر بعينيه التي تُغطيها نظارته الشمسية إلى المبنى الذي سيدلف إليه من أجل حضور إحدى المعامل الخاصة بكلية العلوم .. تلك التي كرهها منذ أن دلف إليها .. لكنه مضطر لأن يتحمل الأمر من أجل أسباب وجوده بها .. فأسبابه أقوى منه .. فقط مجرد وقت وسيغادرها دون أن يفكر حتى في تذكر أيامها المتشابهة ومعاملها التافهة من وجهة نظره .

أخرج زفيرًا قويًا قبل أن يضع يده في جيب بنطاله الجينز الأزرق تاركًا قميصه ذو الخطوط المتوازية يتطاير خلف ظهره بسبب فتحه لأزراره جميعها فيتبين من أسفله تيشيرته الأبيض السادة والذي يُظهر عضلات صدره بوضوح .

دلف إلى المعمل ليجد لنفسه مكانًا بين الصفوف بعدما وضع حقيبته أرضًا بجانب قدمه ورفع نظارته إلى منتصف خصلاته وبدأ بطرقعة رقبته يمينًا ويسارًا وهذا ما جذب انتباه تلك الجالسة من خلفه مباشرة وقد تتبعته بعينيها حتى جلس أمامها لتخترق رائحة عطره أنفها متسببة في سريان تلك القشعريرة إلى أطرافها .. فازدردت ريقها بحلق جاف وهي توبخ ذاتها على ما تشعر به هذا .

دخل المحاضر لبعض الوقت ومن ثم خرج ليزفر عمار وهو ينظر لساعة معصمه السوداء وتحرك من مكانه متجهًا إلى الكافتيريا .

ما إن خرج من الباب حتى أنزل نظارته يخفي بها عينيه عن الشمس الساطعة في كبد السماء لتشكل أشعتها أسهمًا تخترق لون السماء الصافي في مظهر بديع للغاية ..

أنزل عينيه عن قرص الشمس متنهدًا ووضع يداه بداخل جيبه وتحرك دون أن يدري عن تلك التي خرجت هي الأخرى ولا تزال تراقبه .

توقف في منتصف الطريق يُلقي نظرة سريعة على عربة التبرعات التي تقف إلى إحدى جوانب الأرصفة لتستقبل الطلاب والطالبات الذين يتبرعون بدمائهم من أجل المستشفيات ..

شعر لوهلة بأمر مريب يحدث .. البعض يدلف إليها والبعض يعود دون أن يدلف بعد أن يُحادثهم أحدهم قبل العربة بقليل .. لكنه تحرك دون أن يتحدث أو يُطيل النظر حينما لمح ذاك الذي دحجه لثوانٍ قبل أن يُدير وجهه في المكان كأنه يتفحص أو يستكشف شيئًا ما ..

غادر عمار وبداخله يقين تام بحدوث شئ غير مرغوب في حدوثه داخل تلك المدعوة بسيارة التبرعات .

وفي الواقع لم يقِل شعور تلك التي تراقبه عن شعور عمار حينها .. لكنها لم تتحرك مثله وتغادر بل أصرت على معرفة ما يحدث ..

ذهبت تجاه العربة ليقابلها رجل يبدو عليه في منتصف الثلاثينات ..

غادة بحمحمة :
- اا .. لو سمحت لو عايزة أتبرع .. المفروض أعمل إيه ؟

الرجل وهو ينظر إلى شئ ما خلفها ومن ثم نظر لها وهو يتمتم بهدوء :
- لا النهارده خلاص .. اكتفينا .

عقدت ما بين حاجبيها وهي تتساءل :
- أيوه بس في ناس لسه داخله و ...

الرجل بنبرة توحي بانتهاء النقاش :
- ما هما الناس دول أواخر اللي داخلين للتبرع .

عاد الرجل إلى العربة لتتحرك غادة من المكان إلى المبنى من جديد .. تقسم أن الأمر مشكوك به .. وتقسم أيضًا أنها ستعرف ما يحدث عاجلًا أو آجلًا .

مر اليوم الدراسي دون أحداث تُذكر سوى انشغال عقل غادة بما يحدث في عربة التبرعات .. وانشغال عينيها بذاك الذي تراه للمرة الأولى هنا .. أو ربما هو هنا منذ زمن لكنها لم تلحظه .

عاد عمار إلى منزله .. وبعد أن صف دراجته النارية وكان على وشك دلوف البناية لاحظ وقوف بدور فوق الرصيف تنتظر سيارة أجرة ..

تساءل بهدوء :
- مستنية تاكسي ؟

ألقت نظرة عليه ثم أماءت دون أن تتحدث ليتمتم ليتحدث قاصدًا غيظها :
- إنتي مين فيكوا بقا ؟.. بدر ولا بدور ؟

نظرت له نظرة سريعه كافية لأن ترى بها ابتسامته العابثة تجاهها .. هذا الأحمق لن يكف عن إثارة عضبها منه ..
أخيرًا أتت سيارة أجره واستقلتها دون أن تُلقي تجاهه نظرة أخرى .. ليبتسم باتساع لانتصاره هذا .. لا يعلم ما الرائع في رؤية وجهها أحمر من الغضب .. إنه يستمتع للأمر كثيرًا .

(🌸 ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء🌸)

خرجت من مبنى الكلية بترقب تنظر تجاه السور الخاص بالحديقة ..
لما ليس هنا اليوم أيضًا ؟!! بقيت تنظر حولها عله هنا أو هنا .. لكن خاب رجاؤها ..
تنهدت بفقدان أمل لتتحدث هند بهدوء :
- شكله كده مجاش النهارده .

سندس بحزن :
- شكله زهق مني يا هند .

هند بنفي :
- لا طبعًا يا بنتي مفيش الكلام ده .. ده بيحبك وباينة زي الشمس .. ومحدش في الحب بيزهق يا سندس .. روقي كده وصلي ع النبي وادعي ربنا يجعل غيابه خير .

تولين من خلفهم :
- خير اللهم اجعله خير .. إيه اللي حاصل ؟.. مالكم ؟

هند وهي تلكزها في ذراعها :
- مفيش يا ختي كنا مستنيين سعادتك أما تخرجي .

تولين :
- وأديني خرجت أهو يا ستـ ...

قطع جملتها اصطدامها بإحدى الفتيات لتعتذر الاثنتان في نفس الوقت .

سندس :
- الله .. مش انتي نفس البنت اللي خبطت فيكي امبارح وأنا خارجة من المطعم ؟!

نظرت لها غاده لثوان قبل أن تتمتم :
- أه فعلًا أنا .. إيه الصدف الجميلة دي !

تولين بمزاح :
- قصدك إيه صدف الخبط دي .

ضحكت الفتيات معًا لتصافحهم غادة بالتوالي وهي تقدم نفسها لهم :
- أنا غادة خالد .. أتشرف بمعرفتكم ؟

تولين :
- تولين الرفاعي .. تقدري تقوليلي يا تولي زي صحباتي .

أماءت لها غادة بابتسامة غامضة قبل أن تصافح سندس التي قدمت نفسها بهدوء :
- سندس ناجي الخولي .

غادة بتفكير :
- إنتي بنت الكوتش ناجي الخولي ؟.. معقولة ؟

سندس بتأكيد :
- مظبوط فعلا .

غادة :
- لاااه .. ده احنا نبقى اصحاب رسمي نظمي بقا .. ياما سمعت عن الكوتش الكبير ناجي الخولي وياما اتمنيت أحضرله سيشينز .

سندس بابتسامة هادئة :
- تشرفنا يا غادة .

ابتسمت لها غادة بلطف قبل أن تصافح هند التي قدمت نفسها بمزاح :
- هند الشرنوبي .. من نفس عيلة الممثل والمغني الصاعد أحمد الشرنوبي .

غاده بانبهار :
- بجد !!

هند :
- لا بهزار طبعًا .. وأنا لو من عيلته كنت وقفت معاكوا أصلًا ولا عبرتكوا .

ضحكن معًا لتقترح هند :
- إحنا رايحين نتغدى كشري مصري .. تحبي تشاركينا يا غادة ؟

غادة بتأكيد :
- طبعًاااا .. ودي عايزة كلام .. ده طبعًا لو مش هيزعجكم .

هند وهي تتعلق بذراعها :
- يا ختي تعالي قال تزعجينا قال .. ده إحنا اللي هنطلعه عليكي بلا أزرق .

ضحكن معًا قبل أن يغادرن المكان .. ولم تنسَ غادة أن تُلقي نظرة سريعة إلى المجهول قبل أن تغادر معهن .

(🌸 لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يُحب لنفسه 🌸)

تجلس إلى أرضية الصالة .. وتفترش الأرضية بملاءة يعلوها صينية واسعة وحقيبة تحوي ورق عنب طازج .. ومقص بيدها تقتطع به عروق ورق العنب ومن ثم تمرره لوالدتها التي تقوم بترتيبه في تناسق كي يسهل عليها سلقه .

وبينما هما على هذه الحال فإذا ببدر تخرج من غرفتها ترتدي ثيابها التي تتآلف من جيب أسود طويل لكنه ضيق بعض الشئ ويعلوه شميز أبيض بأساور سوداء .. وتتخصر الجيب بحزام فضي يشبه في لونه حقيبة يدها وحجابها الذي بالكاد يغطي خصلاتها ورقبتها وينزل طرفه الطويل إلى صدرها دون أن تغطي كتفيها وظهرها .. مما أثار حنق بدور التي تحدثت بانفعال :
- بدر انتي مبقتيش صغيرة على اللي انتي لبساه ده .

بدر بلامبالاه :
- لابسه إيه يعني ؟ شيفاني لابسه سلوبته مثلا !

بدور :
- بدر طولي حجابك شوية ... وياريت تلبسي أي تلبيسة من اللي جوه عندي فوق لبسك عشان الجيبة ضيقة .. فيه تلبيسة سمرة جميلة أوي هتليق مع الطقم ده .

بدر وهي ترتشف بعض المياه من الكوب الموضوع فوق الطاولة باستمرار بجانب الكولمن الخاص بالمياه الباردة :
- لا عاجبني الطقم كده .. خليكي في حالك يا شيخه بدور .

استغفرت بدور وهي تتمتم بحزن حقيقي على حال شقيقتها :
- ربنا يهديلك حالك يا بدر .

بدر بلامبالاه :
- أنا ماشية .. ربنا يعينكوا .

غادرت بدر دون أن تنتظر حديث أي من والدتها أو شقيقتها .. لتتمتم بدور في ضيق :
- أي يا ماما .. مفيش أي كلمة منك ليه ؟.. يعني يرضى ربنا لبسها ده يعني ؟

رفعت ملك عينيها التي بدا الحزن فيهما جليًا :
- عيزاني أعمل إيه يعني يا بدور .. أقوم أضرب واحده أطول مني .. ما هو على إيدك قد إيه اتكلمنا معاها ونصحناها .

بدور :
- أيوه يا ماما تضربيها .. طالما بتغلط تنضرب .

ملك :
- ضرب إيه يا بدور .. انتوا كبار .. ولو سمحنالكوا تتجوزوا بدري شويه كان زمان عندكم عيال .

بدور وقد ازدادت نبرتها لا إراديًا :
- يوووه .. كل شوية لو جوزناكوا بدري كان زمان عندكوا عيال ... تجوزونا إزاي أصلا وانتي بنتك مش عارفه تتحكمي في لبسها ولا طريقة ردها على خلق الله .. هي دي بني آدمة تفتح بيت أساسًا ؟

لم تجبها ملك .. فقط بقيت تنظر لها لثوانٍ دون أن تنبس ببنت شفه ..
نظرات عتاب اخترقت روح بدور التي انتبهت لصوتها وما تفوهت به لتهرب بعينيها عن عيني والدتها .. ليخيم الصمت حتى انتهيا مما تفعلانه .

تحركت ملك إلى المطبخ وهي تحمل أغراضه دون أن تتفوه بأي حرف مما جعل بدور تقضم شفتها في ندم حقيقي .. لقد أخطأت .. تعلم ذلك ..
ألم يقل المولى عز وجل في كتابه " فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا " ؟.. ماذا فعلت هي الآن ؟.. لقد علا صوتها أمام والدتها .. كما طعنتها في تربيتها .. أليست هي الأخرى تربيتها ؟.. ومع ذلك لم تتطبع بدر بطباعها ولا والدتها أو والدها .. وما تحيا به بدر ما هو إلا طباع مجتمع يستحق الحرق ..

ما ذنب والدتها لتسمع منها ما سمعته ؟.. هل تكبر لتُجن ؟.. هل هذا هو جزاء والدتها التي لا تتحمل عليها أمرًا ولا ترفض لها طلبًا ... ولا تستكثر عليها شيئًا ؟.. أهكذا تكافؤها ؟

تجمعت العبرات بمقلتيها وهي تؤنب نفسها وتقضم شفتيها في تفكير لما يمكنها أن تفعله لمراضاة والدتها .. تعلم أنها وإن ذهبت إليها الآن واعتذرت فقط لتقبلتها والدتها بكل صدر رحب .. لكن عليها أن تفعل شيئًا يطيب خاطرها وينسيها تمامًا ما بدَر منها ..

تحركت خلفها بخطوات حثيثة وأعين تتهرب خجلًا من ذنب قد اقترفته وتتمنى أن يسامحها الله عليه وأن ترضى عنها والدتها ..

اقتربت بهدوء وحاوطت والدتها التي توليها ظهرها واستندت برأسها إلى ظهرها وشددت من احتضانها وهي تتمتم بعبرات تهدد بالسقوط :
- أنا آسفة أوي والله مكنش قصدي أبدًا .. حقك عليا يا أغلى ما ليا والله ما أقدر على زعلك أبدًا يا كل دنيتي .

ملك وهي تربت على يدها بخفة وحنان :
- مش زعلانة منك يا حبيبتي خالص .. انتي معاكي حق .. بس على إيدك يا بدور أنا حاولت وأبوكي حاول وكانت أخرتها إننا نعرف من بره إن اللي بتخرج بيه قدامنا عشان ترضينا بيتغير للي يرضيها هي من ورانا .. مصير ربك يهديها وتفوق من الغفلة اللي عايشة فيها .

استدارت لتواجه ابنتها واحتضنت وجنتيها بين راحتيها وهي تتابع بابتسامة :
- متيأسيش أبدًا من إنك تحاولي تصلحي منها .. انتي أقرب حد ليها وأكتر حد ممكن يساعدها .

ابتسمت لها بدور بحب وقامت باحتضانها لتربت ملك على ظهرها بحنو ومن ثم قبلت كتفها بحب ورضا ..

(🌸 من رد عن عِرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة🌸)

تحركت من غرفتها قاصدة غرفة ابنها كي تطمئن عليه .. فهو منذ أن عاد من الخارج اليوم وهو بغرفته ..

طرقت عدة طرقات قبل أن يأتيها صوته الهادئ :
- اتفضلي يا ماما .

دلفت بابتسامة متمتمة بهدوء :
- إزيك يا حبيب ماما ؟

ريان بهدوء :
- بخير يا ماما الحمد لله .. في حاجه ولا إيه ؟

ديالا بتنهيدة وهي تجلس إلى فراشه :
- أبدًا يا ريان .. هو أنا عشان بسأل على حالك يبقى فيه حاجه ؟

ريان :
- لا طبعًا .. عادي .

دلفت ديالا بهدوء وجلست إلى جواره تحاول البحث عن شئ ما كي تتحدث معه به ..

ديالا بتساؤل هادئ :
- هو ليه قاعد لوحدك من وقت ما رجعت من بره حبيبي ؟.. يعني أنا وبابا وأنس قاعدين في البرندا بره ومعانا لب وفيشار وساقع وكده والقعدة حلوه أوي هتعجبك .

ريان بابتسامة هادئة :
- أبدًا أنا بس كنت تعبان شوية وجيت نمت على طول وصحيت بذاكر أهو .. يعني الامتحانات قربت زي ما انتي عارفة وكده .

ديالا بتنهيدة :
- ربنا يوفقك يا حبيبي .

أعلن هاتفه عن اتصال ليتمتم بهدوء :
- هرد على المكالمة بعد إذنك .

تحرك إلى شرفة غرفته بعدما أماءت له لتتحول بنظراتها حولها حتى سقطت عيناها على ذاك الظرف فوق الكومود المجاور لفراشه ..
التقطته بهدوء وقامت بفتحه بفضول لتُصدم مما رأت به ..

بقيت عينيها معلقة على ظهره حتى أنهى مكالمته مع عمته ميادة وعاد إليها لتتيبس قدماه أرضًا وهو يلمح الظرف بين يديها وعينيها مغرورقة بالعبرات التي تحجرت من الصدمة ..


(🌸من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة🌸)

يدور بغرفته حول نفسه في تفكير عميق سلبه الراحة منذ أن رآها ذاك اليوم تجلس بالكافيه المطل على الكورنيش بشرود تام ولوقت طويل للغاية حتى غادرت عند المغرب ..
ومنذ أن رآها تدلف بكل هدوء مع أسرتها ورأى نظرة الضعف التي لمحها بنظراتها وهي تدلف من باب المنزل دون أن تنظر إليه حتى ..

ومنذ أن تناهى إلى مسامعه حديث صديقيه عنها وتنمرهم بها وهو يدور حول ذاته لا يعلم لماذا يفكر بها بهذا العمق ..
جُل ما يعرفه عنها أنها ابنة قريبة عائلته .. حتى اسمها قد سمعه صدفة لا أكثر ..

رآها كثيرًا ولم يهتم أو يُلقي بالًا بها .. لماذا الآن ؟.. يعلم يقينًا أن ما ضايقه من صديقيه أنه لا يحب الغيبة والنميمة وأنهم قد افتعلوا خطأً ليس إلا .. لكن حاله الآن بعد أن رآها تخرج من غرفة وجد بابتسامة واسعة مختلفة تمامًا عما دلفت بها وهو مشغول بها .. ابتسامة !!.. هل جُن أخيرًا أم ماذا ؟.. هل شغلته لكونها قد ابتسمت فقط !.. يا إلهِ أنه يحتاج لغسيل عقل ..

خرج من غرفته زافرًا بضجر واتجه إلى حديقة منزله كي يستنشق بعض الهواء النقي عله ينظف عقله من تلك الأفكار التي تراوده دون أن يعرف لها سببًا .. ومن حسن حظه فقد وجَد عمته تجلس إلى الأرجوحة تقرأ كتابًا ما .. جلس إلى جوارها لتتساءل دون أن تنظر إليه :
- إيه مصحيك لحد دلوقتي يا بيه ؟.. مش عندك شغل الصبح ؟

بشير بجانب عينه :
- شوفوا مين بيتكلم !!.. ده على أساس إنك فاضية بقا وكده !

وجد بثقة :
- أيون أنا عن نفسيتي فاضية ومعنديش حاجة بكره .. حضرتك بقا ناوي تأجز ولا إيه ؟

بشير وهو يضم شفتيه للأمام بعدم رضا :
- إيه الظلم ده .. اشمعنا انتي تأجزي وأنا لا يعني .

وجد بجانب عينها :
- تصدق كل ما أنسى فكرة إنك إبن أخويا والمفروض إنك كبير وعاقل .. ترجع تفكرني تاني إنك تافه وغلس ورخم وهادم للملذات ومعكنن صفو الهدوء .

بشير وهو يعدل ياقة تيشرته ويمسح على خصلاته بغرور مصطنع :
- تسلمي بجد والله يا عمتي .. مش عارف أقولك إيه بس من بعض ما عندكم .

وجد بغيظ :
- قوم من وشي يا بشير .. عايزة أقرأ الكتاب وأخلصه .

بشير وهو يسحب الكتاب من بين يديها ويقرأ عنوانه :
- كوني صحابية .. الله .. مش ده نفس الكتاب اللي كنتي بتقرأيه من أسبوعين ؟

وجد وهي تأخد الكتاب منه :
- أيوه .. كل مره أقرأه لازم أكتشف حاجه جديدة سقطت مني سهوًا في القراءة .. عشان كده بقرأه على طول .. غير إنه تذكير يعني وكده .. وبستفاد منه كتير أوي ومش عايزة أنسى حاجة .

بشير وهو يحاوط كتفها بيده في استرخاء :
- طب ما تقوليلي كده اقتباس معلق معاكي منه .

وجد بابتسامة وهي تسترخي بين أحضانه هي الأخرى :
- الاقتباسات كتير .. يعني مثلا زي بتقولك إيه :
" قد يعشق القلب ويحب ويهوى ويغرم ويتألم، لكنه يأبى أن يسقط، ويتعفف أيضًا عن الحرام عندما تكون النفس طاهرة والروح ربانية، والقلوب خضراء نضرة لا تدق إلا بالحلال ."

بشير بابتسامة هادئة :
- عمرك حبيتي قبل كده يا عمتي ؟

وجد وهي تضم شفتيها للأمام :
- أبدًا .. بس متأكدة إن اليوم اللي هحب فيه واحد هيكون شخصية زي ما بتمناه وبحلم بيه طول عمري .. هو صعب في جيلنا ده بس انت وفجر ابن عمي خير دليل على إنه فيه خير لسه في شباب بلدنا وفيها شباب كويسة .. عشان كده بكل طاقتي هحافظ على قلبي لرجل أحلامي .

بشير بابتسامة هادئة :
- ينفع أكون متطفل وأعرف إيه هي مواصفات رجل أحلامك ؟

وجد بضحكة خفيفة :
- يكون زي بابا .. نفسي في راجل يكون زي بابا أوي يا بشير .. حكيم في تصرفاته .. بيحب ماما أوي ومبيتكسفش يبين حبه ليها للعالم كله .. حتى بعد العمر ده كله لسه بيظهر حبه ليها ولسه هي بتحافظ على كل حاجه تخصه وتحافظ على جمالها وأناقتها عشانه .. بيقدملها كل حاجه ترضي ربنا وترضيها .. بيكون إمامها في الصلاة .. ويكون كتفها لو مالت ويكون دواها لو مرضت .. يكون الأب لو احتاجت الحنان ويكون الأخ لو احتاجت سند ويكون الابن لو احتاجت البر ويكون الزوج لو احتاجت الحب .. بيتفهم زعلها وغضبها وبيقدر يكسب قلبها ويطيب خاطرها .. بيقدر يفرق بين التحكم وبين إبداء الرأي خوفًا عليها .. بيفهمها من نظرة واحده ويطربق الدنيا لو حد زعلها .. هو سرها وهي سره والاتنين أمان بعض ..

تنهيدة قوية خرجت عنها قبل أن تتساءل :
- تفتكر هلاقي عينة بابا دي تاني ولا خلاص كده ؟

بشير بابتسامة وهو يقرص وجنتها بخفة :
- اللي قلبه مليان بحب ربنا واللي روحه متعلقه برضا ربنا واللي كل ذره في كيانه بتخشع لقدرة ربنا عمر ربنا ما هيخذله أبدًا .. إنتي تستاهلي الخير كله يا عمتي وتستاهلي تتشالي في العين وفي القلب وعلى الراس كمان .

وجد وهي تضربه على صدره بعدما تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل :
- بس بقى يا عم متكسفنيش .

ضحك عليها قبل أن ينتبه لوضعهما فقام بدفعها عنه وهو يتمتم بغيظ :
- ابعدي بقا كده انتي تقيلة أوي .

وجد وهي تتخصر بعدم رضا :
- مين دي اللي تخييييينااااه .. ده أنا كلي على بعضي كدهو أربعة وستين كيلو يا حيلتها وموزونة بالهدوم والشنطة والعضم .. يعني هصفصف على عشرين أو خمسة وعشرين كيلو بالكتير .

بشير وهو يحاول كتم ضحكاته :
- انتي بتردحي يا بت ؟.. وبعدين إيه موزونة بالعضم دي !.. هما المفروض يوزنوكي لحمة بس ولا إيه ؟!

أنهى جملته ودخل في نوبة ضحك هستيرية مما جعلها تتحرك من جانبه في غيظ وقامت بجلب خرطوم المياه وبدأت تُغرقه به وهو يصرخ راكضًا من أمامها وهي من خلفه وأصوات ضحكاتهما تجلجل في المكان لتعطيه البهجة والحيوية والسعادة التي شهدها منزل جود طيلة سنوات نشأته ..
لكن دوام الحال من المُحال .. فالمصائب التي تأتيك على حين غرة وفي أعز من تملك تهدم أعتى الرجال وأقوى الجبال ..

قد تكون في أسعد أوقاتك وفي لحظة واحدة تتحول سعادتك العارمة لتعاسة هادمة .. تقتلع روحك بلا رحمة .. وتمزق قلبك أيما تمزيق .



(🌸 من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شكله وأتته الدنيا وهي راغمة🌸)

استيقظ من سباته العميق على صوت هاتفه الذي يعلن عن اتصال عاجل ..

أجاب بقلق حينما قرأ اسم المتصل لتتيبس جميع أطرافه ويتشقق قلبه الدامي وتنهمر عبراته إعلانًا للعزاء ويتحجر لسانه عن النطق ويجف حلقه كمن بقى لأسبوع دون قطرة مياه ترويه .. فأصبح شاحبًا كمن فارق الحياة .. ومن قال أنه لم يفارقها .. لقد فارقها توًا مع استماعه لكلمات المتصل ..

لقد انفصلت روحه عن واقعها وتبعثرت أجزاء قلبه الدامي ..

أنزل الهاتف ببطء وهو ينظر لنقطة في الفراغ دون أن يستطيع الحياد عنها ودون أن ينبس ببنت شفة .. فقط دموعه تغرق وجنتيه دون توقف ..
وفجأة علت وتيرة تنفسه وبدأ ينتحب ويضرب الفراش بقبضته ليتحول في نهاية المطاف إلى صرخة مدوية استيقظت على إثرها زوجته فزعة من هذا المظهر الذي تراه عليه دون أن تفهم ما يحدث بالتحديد .

اقتربت شهد سريعًا وهي تحاوطه بخوف وقلق متمتمة بتساؤل وعبراتها تنساب هلعًا وجزعًا لما عليه زوجها .. تعلم أن هذه الحالة لن تكون سوى لسبب واحد فقط .. لكنها تحاول أن تنكرها .. لا تريد تصديقها ..

جلست به أرضًا وهي تنتحب معه وتضمه إلى صدرها ليتشبث بها بدوره وهو يبكي كطفل فقد والديه .. إنه يحيى نفس الشعور للمرة الثانية .. ولكن هذه المرة بطريقة أكثر مرارة وألم ..

تحرك من مكانه وقام بتبديل ثيابه في عجلة من أمره وغادر إلى منزل أخيه ....

(🌸من لَزِم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب🌸)

بقيت عينيهما معلقة ببعضهما .. ريان بلا مشاعر وديالا برجاء أن ينكر ..

ظن ريان لوهلة أنها ربما لم تفهم ما يوجد بداخل الأوراق وتنتظر تفسيره ..

تحمحم ينظف حلقه وهو يتمتم بهدوء :
- ده .. اا .. تحليل الأنيميا بتاعي .. بس الحمد لله كويس يعني هي حداشر والدكتور طمني .

ديالا وهي تتحرك تجاهه وتمسك بوجنته بين يديها وانسالت عبراتها وهي تنظر داخل عينيه :
- امته جبت التحاليل دي ؟

تابع ريان في كذبته بصوت مبحوح :
- النهاردة .

ديالا وهي تبتسم بتذبذب :
- الدكتور قالك إيه بالظبط ؟.. حميد صح ؟.. حميد وهيتعالج بسرعة صح ؟

نظر لها ريان بإدراك لكونها تعلم ما يحتوي عليه الظرف ومن ثم رمش عدة مرات محاولًا الهرب من عينيها ... لكنها لم تسمح له بذلك حينما ثبتت عينيها داخل عينيه تطالبه بالإجابة ..

نفى مرارًا وهو يُنكِّس رأسه شاعرًا بتلك الوخزات التي أصابت قلبه وهو يرى ملامحها الفزعة وعينيها التي لا تتوقف عن ذرف الدموع ويدها التي ارتخت إلى جانبها في صدمة وعدم تصديق ..
طفلها ليس مريض بالسرطان .. لا ليس كذلك .. هناك خطأ ما .. بالتأكيد هناك خطأ ما ..

ابتلعت غصتها وحاولت التحدث في ثبات لكنها فشلت فشلًا زريعًا حينما خرجت نبرتها مهزوزة ضعيفة وهي تؤكد له أنهما سيذهبان في الغد لإجراء تحاليل جديدة ..

ولت ظهرها له وهي تحاول التقاط أنفاسها وتقدمت خطوتين قبل أن تخونها قدمها وينسحب النور عن عينيها لتسقط إلى الأرض بقوة مغشيًا عليها ..

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة السادسة بقلم دنيا الشملول


بقيت عينيهما معلقة ببعضها .. ريان بلا مشاعر وديالا برجاء أن ينكر ..

ظن ريان لوهلة أنها ربما لم تفهم ما يوجد بداخل الأوراق وتنتظر تفسيره ..

تحمحم ينظف حلقه وهو يتمتم بهدوء :
- ده .. اا .. تحليل الأنيميا بتاعي .. بس الحمد لله كويس يعني هي حداشر والدكتور طمني .

ديالا وهي تتحرك تجاهه وتمسك بوجنته بين يديها وانسالت عبراتها وهي تنظر داخل عينيه :
- امته جبت التحاليل دي ؟

تابع ريان في كذبته بصوت مبحوح :
- النهاردة .

ديالا وهي تبتسم بتذبذب :
- الدكتور قالك إيه بالظبط ؟.. حميد صح ؟.. حميد وهيتعالج بسرعة صح ؟

نظر لها ريان بإدراك لكونها تعلم ما يحتوي عليه الظرف ومن ثم رمش عدة مرات محاولًا الهرب من عينيها ... لكنها لم تسمح له بذلك حينما ثبتت عينيها داخل عينيه تطالبه بالإجابة ..

نفى مرارًا وهو يُنكِّس رأسه شاعرًا بتلك الوخزات التي أصابت قلبه وهو يرى ملامحها الفزعة وعينيها التي لا تتوقف عن ذرف الدموع ويدها التي ارتخت إلى جانبها في صدمة وعدم تصديق .. طفلها ليس مريض بالسرطان .. لا ليس كذلك .. هناك خطأ ما .. بالتأكيد هناك خطأ ما ..

ابتلعت غصتها وحاولت التحدث في ثبات لكنها فشلت فشلًا زريعًا حينما خرجت نبرتها مهزوزة ضعيفة وهي تؤكد له أنهما سيذهبان في الغد لإجراء تحاليل جديدة ..

ولت ظهرها له وهي تحاول التقاط أنفاسها وتقدمت خطوتين قبل أن تخونها قدمها وينسحب النور عن عينيها لتسقط إلى الأرض بقوة مغشيًا عليها ..

ركض إليها حينما رآها تترنح ليمسك برأسها قبل أن تصل للأرض وهو يضرب وجنتها بفزع وينادي بخوف حقيقي :
- ماما .. ماما لا .. ماما .. ماماااااااااا .

خرج نداءه الأخير بصوته كله فأتى على إثره مراد الذي جحظت عيناه وهو يراها مسطحة إلى الأرضية بين أحضان ابنهما ..

ركض تجاههما وهو يجس نبضها بخوف ويتساءل بهلع :
- في إيه ؟.. إيه اللي حصل ؟!

لم يجبه ريان الذي غرق في عالم الخوف خاصته وهرب بعقله إلى الظلام الحالك الذي يبتلعه دون رحمة ..

حملها مراد ووضعها فوق الفراش وركض ليجلب إحدى زجاجات العطر وبدأ بمحاولة إيقاظها حتى رمشت وهي تئن بألم ليتنفس مراد الصعداء وهو يمسد ما بين حاجبيه بتعب متمتمًا بالحمد ..

ديالا بضعف :
- ابني .. ريان .. ابني .

رمش مراد عدة مرات وهو يجبها بهدوء :
- حاضر يا حبيبتي .. انتي كويسة دلوقتي ؟؟

ديالا وقد بدأت من جديد في وصلة البكاء والنحيب وتعالت شهقاتها وهي تتشبث بثياب مراد دافنة وجهها في صدره تنتحب بقوة مما أفزع مراد الذي حاول إبعادها ليستفسر منها عن سبب حالتها هذه ..

نظر إلى الأرض ليرى ريان لا يزال على حاله من الشرود دون أن يتحرك ..

مراد بقلق حقيقي تفاقم حتى وصل لذروته :
- ريان .. ريان مالك يا بابا ؟.. في إيه ؟.. قاعد كده ليه !.. تعالى .. تعالى شوف ماما فاقت أهي وعيزاك .

ابتعدت ديالا عن أحضانه والتفتت برأسها تبحث عن فلذة كبدها .. وحينما رأته على حالته تلك ركضت إليه وجلست أمامه وأمسكت بوجهه بين يديها وهي تحادثه بابتسامة ملتاعة من بين عبراتها :
- متخافش يا حبيبي .. متخافش أبدًا .. كل حاجه هتبقى كويسة .

جذبته إلى أحضانها وهي تردد :
- كل حاجة هتبقى كويسة .. كل حاجة هتبقى كويسة .

تحرك مراد إليهما وجلس إلى جوارهما يحاول فهم ما يحدث .. وقعت عينيه على تلك الأوراق المبعثرة أرضًا بجانب الفراش ..

حملها بين يديه لتكون الصدمة من نصيبه هو الآخر هذه المرة ..

انتفض من مكانه وهو يحملق في الأوراق بين يديه بفزع ونظر تجاه ابنه الساكن بين أحضان والدته المنتحبة ..

أعلن هاتفه عن اتصال ليخرجه بيدين مرتعشتين ونظر لشاشة الهاتف وضغط زر إنهاء الاتصال .. ولكن قبل أن يعاود وضعه بجيبه عاد الهاتف للرنين من جديد ..

أجاب مراد دون أن ينطق بحرف .. لكنه تسمر محله وهو يستمع لما يقوله ناجي من الجهة الأخرى .

مراد بصوت مبحوح ضعيف :
- لا إله إلا الله .. امته ده حصل ؟

انتظر إجابة ناجي ومن ثم تحدث بهدوء :
- مسافة الطريق .. مع السلامة .

وضع الهاتف في جيبه وعاد بنظره لزوجته التي رفعت ريان عن الأرض والذي تحرك معها في صمت إلى الفراش وسطحته .. ومن ثم تسطحت إلى جانبه وأخذته بين أحضانها ..

هز رأسه نافيًا قبل أن يلملم جميع الأوراق ويخرج من الغرفة هائمًا ..

(🌸 اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار🌸)

تجلس إلى أرجوحة الحديقة تنظر للفراغ بشرود .. عقلها لا يريد استيعاب كونها فقدته .. وقلبها يصارع كي يتوقف عن العمل ..
يتوقف عن العمل !!!.. لقد توقف بالفعل ..
ألم تحلق روحه إلى السماء !!.. روحه التي لطالما كانت لها الدفء ..
ألن يكون أول من ترى مع إشراقة الصباح ؟.. ألن يكون آخر من ترى مع إسدال الليل ستائره وإسدال العين لجفنيها .. ألن يوقظها ليصليان الفجر معًا ؟.. ألن يهاتفها بعد صلاة الظهر ليخبرها كونه قد اشتاق لها مع هذه السويعات القليلة ؟.. ألن يهاتفها قُبيل المغرب ليخبرها بعودته ؟.. ألن يطبع قبلاته الحانية فوق كتفها حينما يراها تصنع الفطور مع كل صباح ؟.. ألن يغمزها كي تتسلل من بين أبنائها حيث يجمعهما الحب والعشق والوله ؟.. ألن يكتب لها أبيات شعرية في وريقات ملونة ويتركها لها فوق وسادتهما قبل مغادرته إن اضطر للمغادرة باكرًا ؟.. ألن تنظر بعينيه مجددًا وترى بهما ذاتها ؟.. ألن يطالبها بأن تطعمه كنوع من الدلال ؟.. ألن يتشاجر مع وليد لأنه يحتضنها بتملك وهو الذي يغار حتى من ثيابها ؟.. ألن يحملها على حين غرة حينما يود مفاجأتها بإحدى هداياه التي لم تنتهي حتى يوم أمس ؟.. هل ذهب حقًا دون عودة !!

كانت تلك الأفكار والذكريات تتوافد على عقلها دون أن تدري باهتزاز قدميها وسيلان عبراتها وشهقاتها التي بدأت في التعالي حتى أصبحت نحيبًا .. لقد فارقتها الروح بمفارقته إياها .. وداعًا يا رفيق الدرب .. وداعًا يا مالك القلب .

اقترب وليد ودثرها بين أحضانه محاولًا التماسك أمامها وبث الأمان بقلبها المُثلج الذي ولأول مرة يشعر بالبرودة ..

بقيت تنتحب فوق صدره لوقت لا يعلمان مداه حتى سمعا صوت مروان الذي تحمحم بضعف ووتحدث بخفوت :
- وليد .

اعتدلت مريم على الفور ونظرت إليه في وهن وشفتيها ترتجف وعينيها متورمة وحالها أصعب من أن يوصف بالكلمات ..

نفض رأسه سريعًا ليتحرك وليد وقام باحتضان عمه الذي ما إن شعر بذراعي وليد حوله حتى انهارت حصونه الذي بقي لوقت طويل يحاول التحصن بها كي يبقى قويًا من أجل أسرة أخيه .. ومع اشتمامه لرائحة أخيه في ابنه قام بضمه إليه بقوة وأخذ يبكي بصمت تام وهو يدفن رأسه في عنق وليد الذي كان يبادله البكاء في صمت هو الآخر لتتحرك مريم إلى الداخل تاركة لهما المجال للتعبير عن حزنهم ..

تحول منزل البهجة والسرور لمنزل لا حياة فيه .

بدأ الجميع في الاستعداد لإقامة العزاء وتمت مراسم الدفن بوجود جميع الأصدقاء والعائلة من جميع الأطراف .. وتشارك الجميع الحزن على رجل عاش كريمًا رحيمًا طيب القلب وصافي السريرة .. والآن لقد رحل بجسده إلى أسفل الأرض وبروحه إلى السماء .. لكنه سيبقى في القلوب بما قدمه .. سيُذكر بسيرته الحسنة .

هذه هي الحياة .. فراق دون موعد يُدمي القلوب ويُثلج الصدور .. لقاء دون موعد يُعيد لنا الحياة ويُطيب بخواطرنا .. لقاء وفراق وما بين الكلمتين كثير من الحكايا .

(🌸 اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك🌸)

مر أسبوع والحال على ما هو عليه .. الصمت يخيم على أرجاء المنزل رغم زيادة عدد الأفراد به .. الجميع جنبًا إلى جنب ..

مريم تجلس في ركن غرفتها تقرأ في كتاب الله وتحاول جاهدة ألا تبكي وتشاركنها سيدات وفتيات العائلة في القراءة بعذوبة ..

مروان يجلس بحديقة المنزل ومن حوله أبنائه وأصدقائهم يرتلون القرآن ..

صدح صوت آذان المغرب يُعلن عن انقضاء يوم آخر ليبدأ الجمع في التفرق كلٌ إلى بيته ..

بينما هنا في إحدى مستشفى الأورام يجلس مراد واضعًا رأسه بين يديه منتظرًا إذن بالدخول إلى الطبيب المعالج لابنه ..

وأخيرًا سُمح له ..

مراد بهدوء :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الطبيب بترحاب :
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. اتفضل حضرتك .

جلس مراد والتوتر بادٍ عليه ولا يعلم من أين عليه البدء حتى تحدث الطبيب بروتينية بعد أن خلع نظارته الطبيه :
- نفس النتيجة يا دكتور مراد .. للأسف إحنا حتى اكتشفنا الورم في مرحلة متأخرة .. ابنك كان بيعاني كتير جدًا ومجاليش غير لما فاض بيه .

مراد وهو يزدرد ريقه بحلق جاف :
- عـ علاجه .. عـ علاجه إيه ؟ وامته ؟

الطبيب بتنهيدة آسفة :
- كيماوي .. علاجه كيماوي وهنبدأ من النهاردة في كل الإجراءات بحيث نبدأ مرحلة العلاج في أسرع وقت .. حالته أنا عاينتها كويس .. هيبدأ بنظام غذائي معين .. دورة علاجه هتكون أسبوعية .. ويقدر يمارس حياته بشكل طبيعي .. وطبعًا مش محتاج أوصيك يا دكتور مراد على إن الحالة النفسية عامل أساسي وكبير جدًا .. بالإضافة لقبوله الشخصي للعلاج ده وتحمله لآلامه بهدف ورغبة في الشفاء .. الكيماوي مش أكيد يقضي على المرض لكن أنا في حالة ريان علاج الكيماوي ليه هيقلص من الورم وبعدها نعمل للورم إزاله بعملية جراحيه أو إشعاع .. وده هيبقى بناءً بردو على استجابته للعلاج وتمسكه بالحياه .. حضرتك فاهمني ؟

أماء مراد بألم يقتلع خلايا قلبه المُعذب لما آلت إليه الأمور .. ابنه سيصارع السرطان .. وبحكم كونه وحيدًا دون أنيس أو صديق ففكرة تحسن نفسيته تكاد تكون غير ممكنه ..

خرج من العيادة وتفكيره محاصر على طريقة يخبر بها زوجته بما هم مقبلين عليه في الفترة القادمة .. إنها مريضة منذ أن علمت بمرض ابنهما وتكافح حتى لا تُظهر له ذلك .. وريان لا يُظهر اهتمامه أو حتى مرضه ولا يزال يصب تركيزه على المذاكرة للانتهاء من العام الدراسي هذا ..

تنهيدة قوية خرجت عنه قبل أن يزعن لقضاء الله وقدره .

وصل إلى منزله وكما توقع .. ركضت ديالا إليه تناظره بلهفة عاكفة عن التحدث .. تنتظر نفيه لما علما به لكنه تحدث بما لا تود سماعه ..

جلست إلى أقرب مقعد واضعة رأسها بين يديها بتعب حقيقي ..

مراد وهو يضع يده فوق كتفها بحنو :
- ديالا .. ريان محتاجنا جنبه .. هو هيستمد القوة منين لو مش مني ومنك ؟.. لازم تضحكي في وشه وتعرفيه إن السرطان ده مش هينهيه أبدًا وإنه أقوى منه .. لازم نسانده وندعمه ونبقى في ضهره .. الدكتور قال العامل النفسي أهم حاجة في العلاج .

أماءت ديالا عدة مرات وهي تحاول ألا تبكي .. ليقاطعهما طرقات الباب التي علما من خلالها بهوية الطارق .. فتنفست ديالا بعمق وقامت بترتيب ثيابها ورسمت ابتسامة هادئة فوق ثغرها قبل أن تتقدم من الباب لتفتحه ..

ريان بهدوء :
- السلام عليكم .

مراد وديالا معًا :
- وعليكم السلام يا حبيبي .. ها اتعشيت ولا أجهزلك مع بابا ؟

ريان بنفي :
- لا لا اتعشيت الحمد لله مع الشباب .. كنا عاملين ختمة النهارده .

ديالا بتنهيدة حزينة :
- ربنا يرحمه ويحسن إليه يارب .

دلف ريان لغرفته دون أن يتحدث في المزيد .. لقد هاتف الطبيب وعلم منه بما يجب عليه فعله .. الآن عليه أن يُنسي سندس وجود شخص يُدعى ريان بحياتها .. لن يجعلها تتعلق بميت ينتظر خروج الروح عنه .

(🌸وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 🌸)

دلف إلى الجامعة بدراجته النارية كعادة كل مرة يأتي إليها وقام بصفها بالقرب من عربة التبرعات التي شك بأمرها ..

قام بطرقعة رقبته ومن ثم اتجه إلى الكافتيريا كي يجلب بعض الصودا استعدادًا لما انتوى فعله ..

بينما على جانب آخر وتحديدًا في الحديقة الخلفية للمكان الذي ترك به دراجته تجلس هي متابعة للآتي والغادي بترقب وأعين ثاقبة .. فهي على هذا الحال منذ ذاك اليوم الذي تسلل فيه الشك إلى قلبها ..

رأته وهو يصف دراجته ويغادر ولا تعلم سببًا لهذه الابتسامة البلهاء التي ارتسمت فوق محياها ما إن رأته .. لكنها نفضت رأسها بعنف تطرد هذه الأفكار الغبية وعادت للتركيز فيما يحدث من حولها ..

وفجأة ودون سابق إنذار تحركت من محلها وهي تتحرك بخِفية حينما حدث ما انتظرته طوال هذه المدة .. ليتحول بطء حركتها للركض ..

بينما عاد عمار من الكافتيريا وبيده الصودا التي ابتاعها توًا وعيناه ترتكز على تلك التي تتحرك بتخفي حتى وصلت للرصيف ومن ثم ركضت تجاه العربة .. ولا يعلم لماذا شعر بحركة أكثر ريبة من سابقتها ..

دقت إنذارات الخطر في عقله وهو يلاحظ امتداد يد الفتاة إلى خصر بنطالها الأسود الواسع وفي حركة سريعة انتبه للسيارة التي كانت بجانب عربة التبرعات تُسرع بالخروج من المكان ليركض عمار بعد أن ألقى بما في يده وامتدت يده إلى خلف ظهره لكنه استعاد ثباته وتوقف عن الركض وأبعد يده عن خصره حينما اصطدم بغادة التي كانت على وشك السقوط أرضًا فامتدت يده لا إراديًا ممسكا بذراعها وأعاد لها توازنها ..

لكن الغريب أنها لم تهتم لذلك .. وعيناها لا تزال تتابع تلك السيارة التي ذهبت ..

عمار بحمحمة :
- انتي كويسة ؟

نظرت له غادة وجذبت يدها بعنف وهي تكز أسنانها متحدثة من بين أسنانها في تهديد صريح :
- قسمًا بالله لو ما اختفيت من وشي لارتكب فيك جناية حالًا .

جحظ بعينيه وهو ينظر لها من أسفل نظارته ومن ثم تخصر وابتسم بعصبية وهو يدور بنصفه العلوي يمينًا ويسارًا قبل أن يقترب برأسه منها متحدثًا بنبرة أجفلتها وجعلتها تعود للخلف خطوة :
- وقسمًا بالله لولا إنك بنت كنت عرفتك مقامك كويس وعرفتك إزاي تتكلمي مع البشر بأسلوب كويس يا متهورة .

غادة بغيظ :
- أنا متهورة يا همجي انت !

كز أسنانه محدثًا صوتًا دب القشعريرة بجسدها .. وقبل أن يتحدث تناهى لمسامعه صوت ينادي باسمه :
- عمار !

رفع عينيه لتلك الواقفة خلف المتهورة كما أسماها ليرى سندس وصديقاتها ..

سندس :
- في حاجة ولا إيه ؟.. انتوا تعرفوا بعض .

عمار وغادة في نفس الصوت :
- ما اتشرفش .

كتمت الفتيات ضحكاتهن لينظر كلاهما لبعضهما قبل أن يعدل عمار من ياقة قميصه وتحدث وهو يهم بالمغادرة :
- ابقي سلميلي على عمي ناجي لحد ما أبقى أشوفه .

غادر المكان لتنظر غادة في أثره بغيظ وهي تتحدث بضيق :
- انتي تعرفي التِّنِك ده ؟

سندس بضحكة خفيفة :
- اه .. باباه يبقى صديق بابايا بس .

غادة وهي تتحرك من المكان :
- بارد ورزل ومستفز ... وهمجي كمان .

ضحكت الفتيات عليها قبل أن يتحركن من المكان ...

بينما ابتسم عمار بخبث لما أحرزه اليوم .. إنها فتاة غامضة .. لكن ليس عليه هو .

(🌸رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ🌸)

تجلس في شرفة غرفتها ترتشف من كوب الليمون الدافئ الذي أعدته لها أريج منذ قليل وتشرد في البعيد ..
تبتسم أحيانًا وتنكمش ملامحها بألم في أحيان أخرى .. تتنهد أحيانًا وتضغط أسنانها معًا حتى لا تتساقط عبراتها ..

محصورة داخل ذكرياتها مع والدها الذي لم يُشعرها يومًا سوى كونها أميرة متوجة على عرش الأميرات أجمع ..

تتذكر كيف كان يعاقب بشير إن تعرض لها على سبيل المزاح حتى .. تذكر كم مرة أمسكه من تلابيب ثيابه متلبسًا بجريمة إغاظتها .. ولم ينجُ وليد أخيها من هذا أيضًا .. لم يكن ليسمح لأحدهم بأن يُغضبها .. تعشق ملامحها التي تشبه كثيرًا والدتها .. فهي قد حظت بعشقه تقاسمًا معها .. لم يكن أبًا وحسب .. لقد كان الأب والأم والحبيب والصديق .. لم يبخل عليها بشئ مطلقًا .. لم يجعلها تشعر يومًا بالاحتياج لشئ ما .. علمها من العلم والدين ما يجعلها مميزة عن باقي فتيات جيلها تدينًا وقربًا من رب العباد .. سعى لأن يجعلها نسخة مصغرة من والدتها وطباعها الحنون الطيبة والمرشدة بكل صدر رحب .. كما سعى لذرع النية والاعتزام والإصرار والأمل .. تلك الصفات التي يمتلكها .. لقد أصبحت مزيجًا مختلطًا من والديها ..

قاطع دوامة شرودها طرقات هادئة على باب غرفتها تلتها دلوف إيلاف التي ابتسمت بهدوء لتبادلها وجد الابتسامة بصفاء وهي ترحب بها وتدعوها للجلوس بجانبها كي تشاركها استنشاق الهواء النقي والمعبء برائحة والدها الذي أقمست على إحياء سيرته ما حيت ..

إيلاف بهدوء وحذر :
- عاملة إيه النهارده يا وجد ؟

وجد بتنهيدة :
- لو بشكل عام .. فهو الحمد لله على كل حال .. وأنا في خير ونعمة من ربنا واسعة جدًا .. أما لو بشكل شخصي .. فأنا بحاول افضل قوية عشان بابا الله يرحمه علمني ديمًا إني أفضل قوية مهما عدا عليا من صعاب .. وأنا وعدته بكده .. ومظنش هيبقى فيه أصعب من فراقه .. عشان كده بوفي بوعدي ليه قصاد أصعب الصعاب اللي ممكن تمر بيها أي بنت في حياتها .

إيلاف بنبرة حزينة :
- ربنا يصبر قلبك على فراقه ويسكنه فسيح جناته يارب .. انا فعلًا بحييكي على قوتك دي بجد وعلى موقفك ومدى صبرك على البلاء .

ابتسمت لها وجد بهدوء لتبادلها إيلاف إياها قبل أن تمد يدها لتحتضن وجد التي شعرت لوهلة أنها حقًا بحاجة لمن يفعل ذلك لتنهمر عبراتها في صمت .. ليس اعتراضًا على قضاء الله ولكن اشتياقًا لمن توفاه الله .

أجفلهما طرقات الباب التي تبعتها دلوف بشير بحماس :
- دودو .. عملنا الـ ...

قطع كلماته وعاد للخارج مجددًا بعدما أخفض بصره سريعًا وهو يعتذر :
- آسف .. بعتذر جدًا مكنتش أعرف إن في حد معاكي .

وجد :
- تعالى يا بشير .. حصل خير .. قولي عملتوا إيه .

بشير بابتسامة هادئة :
- عملنا اللي اتفقنا عليه كله .. ركبنا الكولديرات اللي اتفقنا على أماكنها وكل اللي اتكلمنا فيه .. لسه حالًا مخلصين .

وجد بابتسامة هادئة :
- طب الحمد لله .. ربنا يتقبل يارب .

بشير :
- طب هروح أريح شوية .. بعد إذنكم .

أماءت وجد بامتنان ليخرج بشير بهدوء ويقف عند الباب لثوان يزفر بقوة وضربات قلبه تتصارع داخل قفصه الصدري .. هذا كثير .. كثير للغاية .

(🌸رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا🌸)

خرجت من مبنى الجامعة بترقب .. وكالعادة غير موجود ..
تقسم أنه لم يعد يحبها .. لقد مل .. إنه يفعل الأمر ذاته لسنوات .. لقد مل واكتفى ..

غادة وهي تتعلق بذراعها :
- الحلوة إيه مزعلها ؟

سندس :
- مفيش حاجة أنا كويسة .

غادة بإصرار :
- مش عيب عليكي الكلام ده .. أنا آه أعرفك من أيام بس أنا بعتبرك صحبتي .. ولا انتي مش بتعتبريني صحبتك بقا .

سندس بتنهيدة :
- مش كده خالص بجد بس .. بس مش هتفهميني .

غادة وهي تضم شفتيها للأمام :
- ليه بتحكمي عليا .. جربيني طيب وبعدين احكمي .

سندس وهي تلقي نظرة أخرى حزينة حيث مكانه الفارغ منه :
- بعدين يا غادة .. تعالي نتصل بالبنات عشان نشوف هنروح نتغدى ولا هنروح ولا إيه .

غادة بهدوء وغموض :
- مع نفسكم النهارده بقا .. عندي معمل متأخر .

قاطعهم خروج الفتيات .. ومن ثم ذهبن تاركين غادة التي زفرت بحنق قبل أن تتحرك لداخل المبنى .

بينما لدى الفتيات ..
تحدثت هند وهي تقترب برأسها من سندس هامسة :
- بت يا سندس .. بصي كده وسيم عيونه منزلتش من عليكي من وقت ما خرجنا من الباب .

التفتت سندس حيث تشير هند بعينيها لتراه يناظرها بنظرة غريبة .. نظرة لا تراها سوى بعينين اشتاقت لرؤياهما .. لكن صاحبهما ليس هنا ..

أدارت وجهها بعيدًا عنه وهي تتحدث بتوتر :
- يلا يا بنات امشوا .

تحركن من المكان ليبتسم وسيم وهو ينظر في أثرها متمتمًا في نفسه :
- تقيلة يا سندس .. بس قمر بردو .

(🌸رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ🌸)

خرجت من المعمل وهي تزفر بحنق وتتفوه بكلمات غير مفهومة وكأنها تسب أحدهم ..

استنشقت شهيقًا قويًا تنقي به رئتيها التي تتذمر على هواء المعامل .. وقبل أن يخرج زفيرها أتاها صوته الساخر من خلفها يتفوه بابتسامة صفراء :
- اللي اتعود على هوا التدريبات اللي كله عفار ودعفلة .. صعب يتعود على هوا المعامل المليان بالتجارب .

التفتت برأسها إليه لترى ابتسامته فبادلته بأخرى تشبهها وهي تسأله من بين أسنانها في ثبات ظاهري :
- كنت بتحلم حضرتك وجاي تقولي الحلم ده ولا إيه !

عمار وقد ارتفعت زاوية شفته اليسرى بسخرية :
- لا أنا مبحلمش أحلام هادية كده .

غادة وقد شعرت أنه يعلم شيئًا ما لا يجب عليه معرفته :
- بعد إذنك .

تحركت خطوتين قبل أن تتيبس قدماها أرضًا وهي تستمع لحديثه الساخر :
- سلاحك بيظهر لما بتقعدي .. ياريت تلبسي حاجة طويلة تداريه .. أو سلميه واطلعي من لعبة أكبر منك .

(🌸رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).

تجلس في غرفتها تقلب الهاتف في يدها بضيق وقلق يساور قلبها المتلهف لمعرفة سبب اختفائه هكذا دون مقدمات .. وما يجعلها تكاد تضرب رأسها بالحائط هو خوفها من أن يكون قد مل منها ..

زفرت بحده بعدما اتخذت قرارها وقامت بطلب العديد من الأرقام العشوائية قبل أن تضع الهاتف فوق أذنها تنتظر إجابة الطرف الثاني ..
لم يمر سوى ثوان وأتاها صوت والدة ريان البادي عليه البكاء :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. إزيك يا سندس يا حبيبتي عامله إيه ؟

سندس بارتباك :
- اا الـ الحمد لله يا طنط .. إزي حضرتك ؟.. صوتك تعبان !

ديالا وهي تستنشق ما بأنفها :
- لا يا حبيبتي لاتعب ولا حاجه أنا كويسة .. دول شوية برد كده ميستاهلوش .

سندس بهدوء :
- ربنا يتم شفاكي على خير يا ست الكل يارب .

ديالا بابتسامة ظهرت في صوتها :
- تسلمي يا حبيبتي .. ماما عامله إيه وفردوس ؟

سندس :
- كلنا بخير الحمد لله ...

تحمحمت قبل أن تتابع :
- أنا قلت أتطمن عليكم .. عمو مراد عامل إيه وأنس و .. و ريان .

ديالا بغصة في حلقها :
- كلنا بخير يا بنتي الحمد لله .

سندس :
- الحمد لله .. طيب أسيبك بقا يا طنط .. خلي بالك من نفسك .

ديالا :
- وانتي كمان يا حبيبتي .. مع السلامة .

أغلقت معها وألقت بالهاتف فوق الفراش وهي تزفر في ضجر .. لم تستطع معرفة شئ عنه أيضًا .. ماذا تفعل الآن لترى ما حل به أو تعلم سبب عدم مجيئه !!

بينما في الجهة الأخرى .. فقد التفتت ديالا تنظر إلى ريان الجالس إلى الفراش دون أي تعبير لتفصح بصوت هامس :
- كانت متصلة تسأل عليك .

ريان بدون تعبير :
- سألت عليها العافية .

ازدردت ديالا ريقها بصعوبة وهي تحاول ألا تبكي ..
تحركت من الغرفة بهدوء لتتركه ينظر لنقطة ما بالفراغ وهو يتساءل " إلى متى سيتمكن من الهرب ؟ "

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة السابعة بقلم دنيا الشملول


خرجت من المعمل وهي تزفر بحنق وتتفوه بكلمات غير مفهومة وكأنها تسب أحدهم ..

استنشقت شهيقًا قويًا تنقي به رئتيها التي تتذمر على هواء المعامل .. وقبل أن يخرج زفيرها أتاها صوته الساخر من خلفها يتمتم بابتسامة صفراء :
- اللي اتعود على هوا التدريبات اللي كله عفار ودعفلة .. صعب يتعود على هوا المعامل المليان بالتجارب .

التفتت برأسها إليه لترى ابتسامته فبادلته بأخرى تشبهها وهي تتمتم من بين أسنانها في ثبات :
- كنت بتحلم حضرتك وجاي تقولي الحلم ده ولا إيه !

عمار وقد ارتفعت زاوية شفته اليسرى بسخرية :
- لا أنا مبحلمش أحلام هادية كده .

غادة وقد شعرت أنه يعلم شيئًا ما لا يجب عليه معرفته :
- بعد إذنك .

تحركت خطوتين قبل أن تتيبس قدماها أرضًا وهي تستمع لحديثه الساخر :
- سلاحك بيظهر لما بتقعدي .. ياريت تلبسي حاجة طويلة تداريه .. أو سلميه واطلعي من لعبة أكبر منك .

التفتت إليه ودحجته بنظرات لم يفهم معناها .. لتتمتم بهدوء :
- سلاح إيه اللي بتتكلم عنه ؟.. وانت مالك ومال لبسي أصلًا .. أنا ألبس اللي يعجبني في المكان اللي يعجبني .

اعتدل عمار في وقفته واقترب خطوة منها وهو يضع يده في جيب بنطاله ويرفع رأسه للأعلى كأنه يرتب لكلمات يريدها أن تصيب هدفًا .. وأخيرًا تشدقت نبرته بتعالٍ وهو يهمس :
- مش لوحدك اللي زكية هنا .. ومينفعش كل ما تحسي بحركة مريبة إيدك تجري على سلاحك .. انتي كده بتكشفي نفسك .. واحتمال تتاخدي في الرجلين .. ولا انتي متعلمتيش في التدريب معنى التخفي !

ناظرته بذهول ممزوج بتوتر .. من أين له أن يعرف عنها ذلك ؟!.. كيف !!

نظفت حلقها وتحدثت بنبرة حاولت أن تبدو ثابته :
- أنا مش فاهمه بتتكلم عن إيه .. بعد إذنك .

عمار بسرعة :
- اتفضلي يا .. يا غادة .

تحركت وهي تزدرد ريقها بحلق جاف .. كيف عرف اسمها ؟!.. كيف علم أنها متخفية في زي طالبة جامعية ؟!!.. ماذا يعرف عنها أيضًا !!

بينما بقي هو ينظر في أثرها ولا يزال واضعًا يديه داخل جيب بنطاله وابتسامته لا تزال تعلُ فوق محياه .. ترى هل فهمت مغزى كلماته ؟!.. بماذا تفكر الآن ؟
ألقى بجميع الأسئلة التي يجب أن تشغله خلف ظهره وغادر المكان بابتسامة انتصار لكونه استطاع رؤية ارتباكها جيدًا وهو يُعري ما تحاول إخفاؤه ..
وللمرة الثانية هي غامضة لكن ليس عليه هو .


(🌸ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له🌸)

تجلس بالقرب من والدتها التي تحيك أحد الترينجات الخاصة بجاد ابن أخيها وتنظر لها بحزن دفين ..
الآن فقط ظهرت علامات تقدم العمر على وجهها الملائكي .. لطالما كان مشرقًا منيرًا كالبدر في ليلة تمامه .. لطالما كانت البسمة لا تفارقه ..
الآن فقط أصبحت لا تقدر على التحرك والوقوف لفترة طويلة ..
الآن فقط باتت عجوز ..
من ذاك الذي يظن أن العجوز هي من تقدم بها العمر !.. العجوز بحق هي تلك التي فقدت من كان لها الروح، العجوز هي من فقدت الحياة وهي على قيدها، العجوز هي من امتلكت قلب رجل لم يشعرها يومًا سوى بالسمو والرفعة وفجأة ذهب وهو بين أحضانها، ذهب دون عودة ..

اقتربت من والدتها ووضعت يدها فوق فخذها لتنتفض مريم فجأة لتدرك وجد أنها كانت شاردة وبفعلتها البسيطة تلك قد أعادتها للواقع الأليم مجددًا .. أعادتها لواقع لم يعد يحمل صوت ذاك الذي امتلك كيانها .. أعادتها لحياة لا ترغب بها لطالما فارقتها أسباب الحياة .. لو لم يكن إيمانها بالله موثقًا بحبال القوة والمتانة لأنهت حياتها منذ أن انتهى هو من الحياة .. إنها تحيى الآن في انتظار لحظة مفارقتها لعالم لا يوجد به الروح ..

وجد بغصة وحلق جاف :
- آسفة يا حبيبتي .. مكنتش أعرف إنك سرحانة .

مريم بابتسامة طفيفة :
- ولا يهمك يا حبيبتي .. عايزة حاجه ؟

وجد بتنهيدة :
- كنت عايزة أسألك تحبي تاكلي كيك بالشاي معايا ؟

مريم بابتسامة باهتة :
- ياريت يا وجد .. بس جبيلي أنا بسكوت ساده من العلبة اللي في أوضتي .

أماءت وجد بهدوء وتحركت إلى المطبخ لتتنهد مريم بقوة وهي تترك ما بيدها لتمحو تلك العبرة الخائنة التي تمردت على البقاء حبيسة جفنيها .. لقد أقسمت ألا تبكي حتى لا تعذبه .. لقد كان عذابه بكاؤها .. تعلم أنه يشعر بها إلى الآن .. لطالما كان يشعر بها دومًا .

تحركت إلى الغرفة وحملت ذاك الصندوق الصغير الملئ بالرسائل الورقية الملونة والمكتوب بمنتصفها بخط يده أبيات شعرية يهديها إياها عند كل صباح ومساء ..

تلمسته بحنين قبل أن تضعه جانبًا وتذهب لخزانته .. أخرجت ثيابه وبدأت تستنشق عبقها الأخاذ والذي يشعرها كونه قريب منها .. أجل سيبقى قريب منها .. كيف لا وهو القلب والروح !..
بدأت في ترتيب الثياب في حقائب متفرقة .. تاركة أحد قمصانه البيضاء المخططة فقط .. ومن ثم خرجت من الغرفة بهدوء لتقابلها وجد التي تحمل بيدها الشاي .

وجد بتساؤل :
- إيه دول يا أمي ؟

مريم بابتسامة حزينة :
- دول هدوم بابا .. ناديلي بشير من فوق يا وجد عشان عيزاه .

أماءت وجد بهدوء وفعلت ما طلبته والدتها .. وفي أقل من دقائق كان بشير أمامها ..

مريم بهدوء وهي تزدرد ريقها :
- حبيبي هديك عناوين لناس تاخدلهم الحاجة دي .. بس بشرط .. الموضوع ده يكون بعد صلاة المغرب كده .. وتحط الحاجه قدام الباب وتمشي بدون ما حد يلاحظ .. اتفقنا ؟

بشير عاقدًا حاجبيه :
- حاضر يا تيتا عنيا .

أهدته إحدى ابتساماتها الجميلة قبل أن تكتب فوق كل ورقة عبارة ما وتطويها جيدًا وتضعها داخل الحقيبة .

وبالفعل .. أدى بشير صلاة المغرب وتحرك حيث أخبرته جدته .. وبدأ في وضع كل حقيبة حيث المنزل المسجل لديه بورقة خارجيه تحمل عنوانه .. ويطرق الباب ويترك الحقيبة ويذهب ..

خرجت إحدى السيدات والتي كانت قريبة من الباب حينما طرقه بشير .. ففتحته قبل أن يتحرك ..
ابتسم بتوتر وهو يتمتم بهدوء :
- آسف للإزعاج .. اتفضلي .

مد يده بالحقيبة لتحملها السيدة عنه بابتسامة رضا وامتنان وهي تتمتم بتساؤل :
- إنت ابنه ؟

بشير بعدم فهم :
- ابن مين ؟

السيدة ولا تزال ابتسامتها تزين ثغرها :
- الملاك اللي بنتظر كل جمعه لحظة مرور ريحته مع نسمات الهوا .. وخبطة الباب البسيطة اللي بخرج ألاقي خيره على بابي وهو مش موجود .

غص حلقه وتجمعت العبرات في جوف عينه وبح صوته وهو يزدرد ريقه بصعوبة مستئذنًا بصوت ضعيف :
- بعد إذنك .

غادر المكان لتتساقط عبراته بغزارة دون توقف .. لقد كان يفعلها جده كل جمعة من كل أسبوع .. والآن تُكمل جدته مسيرته في الحياة .. حتى وهي في أوج حزنها لم تنسَ عادته وفعلته ..
لقد أحسن جده اختيار شريكة حياته .. وشريكة عبادته وأفعاله كذلك .

بينما نظرت المرأة في أثره ببعض التعجب المصحوب بغصة أصابت قلبها .. لما رائحة ذاك الملاك لا تزال بالمكان لطالما ذهب ابنه ؟

ولجت للمنزل وأخرجت ما بالحقيبة لتفاجأ ببعض التيشيرتات والقمصان الرجالية .. لفت انتباهها تلك الورقة المطوية التي وقعت إلى المقعد وهي تُخرج آخر قميص من الحقيبة ..

لا تعلم سببًا واضحًا لرعشة يديها وهي تقوم بفتح طية الورقة لتقرأ ما أثلج قلبها وجعل العبرات تتسارع حزنًا وألمًا ..
قرأت ما دوُّن بها من جديد بصوت مهزوز حزين " أتمنى من الله أن تكونوا بخير حال .. وأرجو من طيب قلبكم وصفاء سريرتكم الدعاء لصاحب هذه الثياب بالرحمة والمغفرة ."
الآن فقط علمت لماذا لم يأتِها الجمعة الماضية ..

بكت كأنها تبكي عزيزًا بين ثنايا القلب مسكنه .. بكت كأنها تعرفه منذ زمن .. بكت وكأنها استطاعت حتى رؤيته ولو لمره .. سنوات مرت وهو يقدم على فعلته من تقديم الصدقة لمنزلهم دون أن يراه أحدهم .. دون أن تلمحه هي .. فقط تعرف به من رائحته .. تذكر رؤيتها لظهره العريض فقط ذات مرة .. لكنها لم ترى وجهه أبدًا ..
والآن .. لقد رحل ..

تحركت من مكانها وتوضأت وتقربت لله تضرعًا أن يجعل أهله من الصابرين على فراقه .. وأن يرحمه برحمته الواسعة ويُسكنه فسيح جناته ..

وهكذا يبقى الطيب الذي قدمته هو كل ما يتداول على ألسنة من طايبتهم وأجبرت خواطرهم وكنت سببًا في سعادتهم .. هكذا تبقى سيرتك الحسنة بين خلق الله ..
يموت الجسد ويدفن أسفل الأرض .. وتحيى الروح وتصعد إلى أعلى السماء .. وأفعالك هي ما تبقى وتتداول بين من هم عالقين بين الأرض والسماء .

(🌸لا يدخل الجنة قاطع رحم 🌸)

تحرك من غرفته بعدما ارتدى ثيابه استعدادًا لبداية العلاج الذي عليه أن يتلقاه من الآن فصاعدًا ..
عاد بناظريه للغرفة يرى كل ركن بها .. يتذكر هناك في ذاك الركن المواجه للباب تمامًا .. لقد كان يسهر الليالي يفكر في سندس وكيف سينتشلها من العالم بما فيه لتكون له وحده ..

وفي ذاك الركن المجاور .. لم يكن يستوعب ما يستذكره من دروسه إلا هناك ..

وفي ذاك الثالث .. لقد كان شاهدًا على آلامه وأحزانه التي لم تتجاوز شفتيه إطلاقًا وبقيت حبيسة قلبه وجفنيه دون فضفضة أو بكاء ..

ضحك على نفسه وهو يلقي نظرة على الركن الرابع القابع خلف باب غرفته .. هذا الركن بلا فائدة .. لم يقدم له شيء كي يذكره به .. سيحرص على الاستفادة منه إن عاد مجددًا ..

إن عاد مجددًا !!!!.. هل حقًا ستكون النهاية ؟.. يشعر بها ويكذبها في كل حين .. لكنه لن يخاطر بتلك التي عشقها بكل كيانه .

أغلق الباب ونظر تجاه والديه اللذان يناظرانه بحزن عميق مدفون ..
تحرك الجميع تجاه المكان المنشود لتلقي جرعة العلاج خاصته .. تلك التي لم يكن يعلم أنها ستكون بمثابة نيران ستحرق خلاياه .. لقد كان ألمه نفسيًا .. والآن أصبح نفسيًا وجسديًا .

(🌸بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاه 🌸)

طرقات خفيفة على باب الغرفة تلاها دلوف سندس التي فكرت لمئة مرة قبل القدوم إليها ..

زهرة بتساؤل :
- تعالي يا سندس . عايزه حاجه يا حبيبتي؟

سندس بهدوء :
- معلش يا ماما كنت عيزاكي في حاجة كده .

زهرة :
تعالي يا حبيبتي .. عايزة إيه ؟

سندس بتردد :
- بصراحة هو .. يعني .. اا .. ر .. ريان بقالوا فترة كده مظهرش في الجامعة و .. وأنا قلقانة بس يكون فيه حاجه .

زهرة بابتسامة هادئة ونظرة ماكرة :
- فترة طويلة مظهرش !.. اممم .. ما يمكن جدول محاضراته اتغير مثلا ولا حاجه .

سندس بتنهيدة :
- ماما معلش كلمي طنط ديالا وشوفي في إيه .

زهرة :
- أكلم ديالا أقولها ريان مبيروحش الجامعة ليه أصل سندس قلقانة ؟

سندس بنفاذ صبر :
- ما تكلميها ويكأنك بتطمني عليها يا ماما .

زهرة بضحكة :
- ويكأني !!.. حاضر يا سندس .. هاتي الفون من ع التسريحة أما أكلمها .

أحضرت سندس الهاتف وجلست بجانب والدتها تنتظر معرفة سبب غياب ريان المفاجئ هذا .. ولكن ما لم تحسبان له حسابًا هو أن يأتيهما الرد بأن الهاتف المطلوب غير متاح في الوقت الحالي .

سندس بإحباط :
- طب وطنط ديالا تقفل فونها ليه طيب !

زهرة وهي تربت على كتف سندس براحة يدها :
- سندس يا حبيبتي عايزة أقولك حاجه .

سندس بانتباه :
- إيه ؟.. تعرفي عنهم حاجة ؟

زهرة بهدوء :
- لا يا سندس معرفش حاجه .. ما هو قدامك أهو التليفون مقفول .. وبعدين عيزاكي متكونيش مندفعة كده .. كلنا عارفين إنك متعلقه بريان من صغرك وإنه كمان متعلق بيكي .. بس يا حبيبتي لازم تعرفي إن مينفعش أبدًا الوضع ده يستمر كده .

سندس بعدم فهم :
- يعني إيه ؟.. وضع إيه اللي مينفعش يستمر ؟!

زهرة بتنهيدة :
- مينفعش تفضلي متعلقة بيه كده يا سندس .. ريان غاب فترة من الجامعه وانتي لاحظتي ده .. ده معناه إنك ديما مراقبه كل تحركاته في الجامعة لدرجة إنه لما يغيب عنها فترة تاخدي بالك منها !..
حبيبتي .. ريان راجل .. وممكن أوي يكون تعلقه بيكي ده تعلق أخوه مثلا .. عشان من صغركوا مع بعض فاتعود على وجودك .. اتعود إنه يلعب معاكي ويذاكر معاكي .. لكن دلوقتي إنتوا كبرتوا يا سندس .. مبقيتوش الأطفال الصغيرة اللي ممكن نسيبكم عادي مع بعض لإنكوا مجرد أطفال بتلعب .. كل واحد فيكوا دلوقتي ليه حياته .. عارفه وضع ريان وعارفه إنه مبيحبش الاختلاط بالناس .. وده لازم يخليكي تفوقي لنفسك وحياتك .. ريان انعزاليته عن الناس هتوجعك إنتي فيما بعد .. لانك هتختاري العزلة معاه .. ودي مش شخصيتك .. انتي شخصية اجتماعية وبتحبي التعارف والتجديد في كل حاجه .. ده لو بنتكلم على أساس إن ريان عايزك تكملي معاه .. إحنا منعلمش حتى بحاجة زي دي .

سندس وهي تزدرد ريقها بتوتر :
- لا .. لا هو .. هو أكيد عايزني وأنا هكمل معاه أكيد كمان لإنه .. لإنه بيظهر اهتمامه ليا ديمًا .. مبيمشيش من الجامعة غير لما يتطمن عليا إني خرجت وخلصت .. ديما نظرته ليا مختلفة .. هو .. هو اه انطوائي بس ممكن أغيَّر منه .. كلنا محتاجين لحد ياخد بإيدينا .

زهرة :
- وأنا مقولتش تتخلي عنه يا سندس .. ريان لو طلبك تكملي حياتك معاه مش هلاقي راجل أفضل منه .. على الأقل هو من الناس اللي قال عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ترضونه دينًا وخُلقًا " .. بس كلامي دلوقتي عن التعلق يا سندس .. التعلق ده غلط .. ومش هيدمر حد غيرك إنتي .. لازم تعملي حدود في كل علاقاتك .. ولازم تكوني مستعدة لخسارة أي شخص في حياتك وفي أي وقت .

سندس وهي تهم بالذهاب :
- إن شاء الله يا ماما .. يلا أنا هروح أنام .. تصبحي على خير .

غادرت سندس الغرفة وعقلها يعمل بشكل جعل الصداع يداهمها وبقوة .. ترى هل ما تقوله والدتها صحيح ؟.. هل تعلقه بها تعلق أخوه؟.. هل ما تراه في نظراته غير صحيح ؟!!

نفضت عقلها فورًا وهي تتمتم في نفسها :
- لا لا مستحيل .. هو أكيد في حاجة كبيرة منعته عني .. ريان بيحبني زي ما أنا بحبه وأكتر كمان .

أقنعت ذاتها بهذه الفكرة حتى ذهبت في سبات عميق ..

(🌸لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة 🌸)



انتهت أخيرًا من ارتداء آخر قطعة من ثيابها التي أعدتها منذ الأمس لهذه المقابلة الخاصة بالعمل ..
لقد اتخذت قرارها وأخيرًا .. ستعمل وتشغل بعض من وقتها .. وإلى أن يحين زواجها ستنظر في الأمر وترى ما يمكنها فعله ..

لا تعلم لماذا أتى ببالها في هذه اللحظة كي يشغل صفو تفكيرها المنحصر على مقابلتها اليوم .. ترى هل يمكن أن يأتي هذا اليوم الذي يشعر بها فيه ؟.. هل سيبادلها شعورها هذا ذات يوم ؟.. هل ستحيى قصة حب من طرف واحد وتضطر للتعايش مع فتاة أخرى ستأخذ محلها من حياته ؟!..
لماذا تفكر به الآن ذاك الأبله متبلد المشاعر والمغرور .. ألم تعاهد ذاتها على نسيانه ومحوه من ذاكرتها وقلبها !!.. لما لا تفعل ذلك الآن ؟.. هي الخاسر الوحيد في هذه اللعبة ..

لعبة!!!
أجل .. لعبة .. الحب ما هو إلا لعبة .. قد تأتيك على هيئة هدية لطيفة لتبقى ملك لك وحدك دون أن يشاركك أحدهم ..
وقد تجدها هكذا صدفة .. قد تصبح لك بعد هذه الصدفة .. وقد يصدمك كونها مِلكٌ لآخر وقد طالب بها وحصل عليها .. ليجعلك تستعيد وحدتك دونها من جديد وتحيى على ذكراها .

أخرجها صوته الحنون من شرودها متمتمًا بحب :
- الجميل سرحان في إيه ؟

بدور بتوتر :
- متوترة أوي يا بابا من مقابلة النهاردة .

سفيان بابتسامة وهو يحتضن وجنتيها بكفيه :
- حبيبة قلبي واثقة من نفسها ومن خطاها .. إوعي حاجة تهز ثقتك في نفسك أو توترك .. اللي انتي رايحة تقابليه ده ما هو إلا إنسان عادي زيي وزيك .. درس واجتهد عشان يوصل لمكانته دي .. وانتي ما شاء الله عليكي درستي واجتهدتي وبعلمك وأخلاقك ورسم أهدافك تقدري توصلي للي تتمنيه بسهولة .. حتى لو هتقابلك عقبات .. هتتخطيها .. لأنك ببساطة مخططة لمستقبلك وعندك عزيمة وإرادة .. مفيش يأس في قاموس المؤمن .. واستعيني بالله ديما في كل كبيرة وصغيرة في حياتك .. ربنا سبحانه بيقول :
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة: ١٥٣)

أهدته إحدى ابتساماتها المميزة والممتنة لكونه دائمًا ما يهبها القوة دون مجهود يُذكر .. دائمًا ما يذكرها بضرورة التقرب من الله في جميع أمور الحياة .. فما خاب عبد على الله اتكل .. وما تاه عبدٌ على طريق الله سار .

قبلة حانية طُبعت فوق جبينها أعادت لها ثقتها وأمانها ..

سفيان بابتسامة :
- ربنا يوفقك يا حبيبة بابا .


(🌸لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه🌸)

بقيت تتابع حركة السير حول سيارة التبرعات التي أصبحت موضع شك بالنسبة لها .. وفي الواقع .. لم تكن وحدها التي تمتلك ذاك الشك الذي أصبح يقينًا اليوم ..

في لمح البصر كانت تركض من موضعها بعدما سحبت سلاحها موجهه إياه حيث عجلة السيارة التي تستعد للتحرك من جانب سيارة التبرعات .. طلقة واثنتين ومن بعدها تيبست السيارة أرضًا لتركض من الجهة الأخرى قبل خروج سائق السيارة .. وبحركة سريعة كانت قد أمسكت بعنق ذاك الأحمق الذي أخبرها سابقًا كونهم اكتفوا من التبرعات لذاك اليوم .. أشهرت سلاحها في رأسه وابتعدت بضعة خطوات للخلف وهي تتحدث بلهاث :
- أي حركة هفجر دماغه ..

ثم وجهت حديثها لسائق السيارة الذي يشهر سلاحه تجاهها هو الآخر :
- ارمي سلاحك .

كان من تمسكه يرفع يديه باستسلام .. لكن عيناه التي تناظران السائق لم تنم أبدًا عن الاستسلام .. وبحركة سريعة قام برفع رأسه التي ارتطمت بين عينيها بعنف جعلتها تترنح للخلف دون أن تفلته .. لكنه قام بلوي ذراعها الذي تحمل به سلاحها ليتزامن الأمر مع الإمساك به من جديد من قِبَل قبضة قوية لا يعلم من أين أتته ..

نفضت رأسها محاولة استعادة توازنها لترى عمار الذي يناظرها بابتسامة ساخرة داحجًا إياها من أعلاها لأخمص قدمها مما جعل الدماء تتدفق في عروقها غضبًا وغيظًا ..

وبحركة سريعة قفزت من مكانها بعدما خلعت عنها تلك الكوفية لتلفها سريعًا حول معصمها وتدفع بها تجاه ذاك الآتي من خلف عمار منتويًا ضربه على مؤخرة رأسه ليسقط أرضًا .. وبحركة سريعة قامت بضربه بنهاية سلاحها في مؤخرة رأسه مما جعله يفقد الوعي في الحال .. بينما صدحت أصوات بعض الرجال من حولهم وبدأوا سحب الأناس المتواجدين داخل سيارة التبرعات ..

أزالت غادة حبيبات العرق عن جبينها وهي تحرك عنقها للجانبين مصدرة طرقعة تعبر عن راحتها الآن بانتهاء مهمتها هنا .. بل في الجامعة بأكملها ..

أحد الضباط بابتسامة :
- مبارك نجاحك يا غادة .. أثبتي كفاءتك .

عمار من خلفهم :
- كفاءه آه .. دي مضروبه بين عينيها .. المنطقة المشهورة بإنها محل لتقبيل السيدات هي مضروبة فيها .

اعتصرت أسنانها في بعضهما وهي تناظره بضيق .. هل حقًا كانت معجبة بذاك الوقح ؟!!.. لا تصدق !

الضابط برسمية :
- عاش يا شباب بجد .. دلوقتي تقدروا ترجعوا الجهاز .. سامي باشا بانتظاركوا .

غادة بعدم فهم :
- حضرتك بتجمع ليه ؟.. يعني إيه روحوا الجهاز ؟

الضابط برسمية :
- أقدملك يا آنسة غادة .. النقيب عمار السيوفي .

نظرت له ببعض الضيق .. أهذا نقيب !.. يا لغروره !

تحرك الضابط بعدما طلبه أحدهم لترتسم ابتسامة عمار الجانبية وهو يتمتم بكبريائه المعهود :
- ليه مبشوفش على ملامحك أي علامات اندهاش ؟.. حاولي انفعالاتك تظهريها وقتي .. عشان الكتمان والاختباء ورا قناع البرود بيعمل سكتة قلبيه .. فرصة سعيدة يا .. غادة .

تحرك ليذهب لكنه عاد خطوته من جديد وتحدث بنبرة تهكمية أقرب منها للساخرة :
- يا ملازم أول غادة .. سلاحك يتخفى كويس في المهمات السرية عشان المجرمين ليهم عيون في كل مكان .. ومجرد ما حد هيلمحك ..

ابتسم بسخرية وهو يتابع :
- هيمرجحك .

ألقى كلماته وغادر تاركًا إياها تحاول فهم كم الاستفزاز الذي يحمله في نبرته التهكمية وكم التكبر البادي جليًا على تقاسيم وجهه .. ذاك المغرور الأبله .. ماذا يظن نفسه ؟!

التفتت على صوت صديقاتها اللاتي اقتربن منها بين مصدومة وأخرى مندهشة وثالثة تحاول استيعاب ما رأت للتو ..

غادة بتنهيدة :
- أنا .. أنا بجد آسفة يا بنات إني خبيت عليكم .. بس .. بس طبعا ده شغل وملوش علاقة بالعلاقات الشخصية .. أنا فعلا اتشرفت بمعرفتكم وفرحت بصحبتكم أوي كمان .

هند ولا تزال آثار الصدمة تحتل تقاسيم وجهها :
- انتي ظابط شرطة ؟

غادة بتصحيح :
- مخابرات .

سندس :
- يعني انتي مش معانا في الجامعة ؟.. وكده مهمتك خلصت فهتمشي خالص ؟

غادة وقد التمعت العبرات بمقلتيها :
- ده حقيقي فعلا .. بس طبعًا ده ميمنعش أبدًا إننا هنفضل على تواصل .. ولا إيه ؟

تولين بتأكيد وتنهيدة ارتياح :
- أيوه طبعًا .. ودي عايزة كلام .

ابتسمت لهن غادة قبل أن توجه سؤالها لسندس :
- سندس .. ليه مقلتيش إن عمار نقيب في المخابرات ؟

سندس عاقدة حاجبيها :
- عمار مش ظابط مخابرات ! .. هو درس آه شرطة باين .. بس خرج منها تقريبًا أو حاجة زي كده ؟.. وقدم هنا في علوم معانا .

أماءت غادة بتفهم لعدم إدراك سندس شيئًا عن الأمر .. لكنها انتبهت لذاك الواقف على بعد منهم يناظرهم .. وخاصة سندس .

اقتربت من سندس قليلا وتمتمت بهدوء :
- في ناس وقعت في الغرام هنا .. خلي بالك ها .

سندس بعدم فهم :
- إيه ؟!!

أَشارت غادة بعينها تجاه ذاك الواقف على بعد منهم وعينيه تتابع سندس باهتمام ..

حولت سندس نظراتها تجاهه لترى ابتسامته التي زينت ثغره في الحال .. هل عليه أن يكون وسيمًا إلى هذا الحد المُهلك لقلبها المراهق .. ما خطب قلبها بالأمر !.. إنه مشغول بآخر .. لماذا أتت على ذكر قلبها مع امرء غير من ملكه .. إنها تهذي ..

انتبهت لنظراتهما المعلقة ببعضهما لتتحمحم سريعًا وهي تحاول الخروج من الموقف بسرعة :
- يدوب كده .. أنا هروح .

ضحكت غادة عليها لتتمتم هند بابتسامة جانبية :
- والله وقدرتي على اللي مقدرش عليه بنات جيلك كلهم يا دودو .

سندس :
- لا انتوا مش هتستلموني .. يلا مشونا من هنا .

تحركت الفتيات من المكان ومن بينهن من اختطفت جزءًا لا بأس به من قلب ذاك الذي لا يعلم ماذا دهاه .


(🌸إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب🌸)

لم يكن يدري أن الأمر سيكون بهذه الصعوبة .. لم يكن يعلم أن الألم سيصبح بهذه الحده .. لقد ظن أن ألمه النفسي من العالم حوله لا يُضاهيه ألم .. الآن فقط يُدرك معنى الألم بحق وهو يشعر بذاك السائل العابر عبر أوردته يكويها كيًا .. الآن فقط يقسم أنه لم يحيى ألمًا قبله .. وإن بقي لوقت أطول من العمر فلن يحيى ألمًا بعده .. اللعنة وكل اللعنة على السرطان وألم علاجه الذي لا يُضاهيه ألم .

كانت صرخاته المكتومة هي كل ما تسمعه خلاياه دون آذان من حوله .. اصطكاك أسنانه ببعضها حتى كادت تتهشم هي كل ما يشعر به في الوقت الراهن ..
قبضته التي لم ترتخِ منذ أن دلف لهذه الغرفة والتي تبرز عروق ذراعه بوضوح هي كل ما تُرى ..

سندس !!..
عليه أن يفكر بها حتى يتخلص من هذا الألم .. لكن بماذا يفكر ؟.. ألم يتخذ قرار الفراق والبعد حتى لا يؤلمها معه .. لقد كان على أتم الاستعداد للتواصل مع مجتمع يكرهه لأجلها .. لكنه ليس مستعدًا أبدًا كي يراها مُتعبة بجانبه بسبب ما هو فيه .. هو حتى لا يملك ضمانًا لحياته .. في آية لحظة قد يفارقها ..

هكذا كانت أفكاره تتخبط هنا وهناك في محاولة يائسة منه لتناسي ألم الكيماوي الكاوي لخلاياه ..

بينما في الخارج ..
تجلس ديالا والدته باكية في أحضان مراد الذي يضمها إليه بقوة يحاول بثها الأمان وطمأنتها .. هو أشد الناس احتياجًا لهذا الأمان في الواقع .. لكنه يثق بقدرة الله وعظمته .. سينجيه .. سينجيه لأن هذا هو حسن ظنه بالله .

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الثامنة بقلم دنيا الشملول


تحركت من منزلها بعدما ارتدت ثيابها الخاصة بالجامعة واتجهت إلى حيث ستستقل أول مواصلاتها ..

خرجت من البوابة الكبيرة ليستوقفها نداء تعرف صاحبه جيدًا ..

بشير بعدما وصل إليها :
- رايحة فين يا قلبي ؟

وجد بابتسامة هادئة :
- الجامعة .. في امتحانات ميدترم النهاردة .

بشير بهدوء :
- طب تعالي يلا هوصلك .

وجد :
- لا لا .. روح انت شغلك مع أبوك .. أنا هروح مواصلات عادي .

بشير بجانب عينه :
- من امته الاحترام ده !.. يعني مش هتعملي عليا بلطجية وتيجي تكبي في قفايا ميه وأنا نايم وتقولي اصحى قوم وديني الجامعة .. او تهدديني إنك تبوظي كاوتشات العربية لو منزلتش أوديكي ؟

وجد بابتسامة حزينة :
- ولا هروح لبابا وأقوله حفيدك مش راضي يوصلني وهو يطلع يجيبك من قفاك .

التمعت العبرات في عينيهما معًا ليضمها بشير إلى صدره وهو يدسها داخل أحضانه كأنه يعدها بالحماية والسند ..

تشبثت هي بثيابه وأخذت تفرك برأسها في تجاويف عنقه كقطة أليفة .. بينما تعبث بأصابعها في خصلاته من الخلف .. تلك العادة التي لازمتها منذ الصغر لكونها كانت تعبث بخصلات والدها التي أصبح لا يقصها لكونها تحبه طويلًا ناعمًا ..
لطالما ورث بشير جمال خصلات جده وروحه التي تبعث الطمأنينة بالمكان الذي يتواجد به .

بشير بابتسامة هادئة :
- علميًا إنتي عمتي .. عمليًا إنتي بنتي وأختي وحبيبتي كمان .. إوعي تحتاجي حاجه يا وجد ومتطلبيهاش .. وإوعي تكوني محتاجة حضني وتبعدي .. مش هسامحك يا وجد .

قرصت وجنته بحب وهي تتمتم بمزاح :
- مش عارفه آخد عليك وانت عاقل .. طول عمري حساك مجنون وعبيط كده في نفسك .. وهتفضل كده مهما حاولت تعقل بردو .

كز أسنانه بغيظ ودفعها بعيدًا عنه متمتمًا في حنق :
- طب والله انتي ما بينفع معاكي الأدب .

ضحكت بخفة وهي توليه ظهرها فظن أنها ستذهب مواصلات .. لكنه تفاجأ بها تقف عند باب السياره وتعبث بحاجبيها متمتمة :
- يلا يا بن أخويا أخرتني على جامعتي .

زفر بغيظ وهو يتجه إلى السيارة متوعدًا لها .. تلك المشاكسة .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

دلفت حيث اللواء سامي السلام والذي أثنى كثيرًا على عملها .. لكنها تفاجأت حينما دلف عمار دون أن يطرق الباب ووقف مقابل اللواء بابتسامة واسعة وهو يتحدث بلباقة :
- ولا أقدر في يوم مشرفكش .

ابتسم سامي برضا وهو يربت على كتفه بفخر تام متحدثًا بثقة :
طول عمرك مشرفني يا عمار .. والحقيقة .. انتوا الاتنين شرفتوني المرادي .. بس طبعًا مش هتناسى فكرة سلاحكوا اللي خرج وسط الحرم الجامعي .. واللي كان ممكن يعرضنا لمشكلة خطيرة لو واحد من تجار المخدرات دول فكر ولو لثانية إنه يستغل حد من حرم الجامعة ويهدد بيه .. عشان كده ديما أقلكوا اعملوا قواعد لأنفسكم وامشوا عليها .. المُرتب في أفكاره .. ناجح في خطواته .

غادة بحذر :
- العدد اللي كان بيدخل عربية الإسعاف على أساس تبرع .. كلهم يعرفوا بأمر المخدرات ؟.. يعني كلهم بيتعاطوها ؟

سامي بتنهيدة :
- عربية الإسعاف وموضوع التبرع ما هو إلا تمويه .. بيبيعوا المخدرات جوا العربية للناس اللي تبعهم واللي يعرفوا سر العربية دي .. ولو جالهم وجه غريب يقولوا اكتفينا .. والدعم بييجي من خلال السيارات اللي بتدخل الحرم الجامعي بكارنيهات تمريض مضروبة .. تسلم بضاعة على إنها أدوات طبية مطلوبة .. في حين إنها عينات مخدرة مطلوبة .. وكله بحسابه طبعًا .

عمار :
- مش عارف ناويين يودونا لحد فين تاني .. حتى عربية التبرعات مرحموهاش .

غادة بتساؤل :
- هو ليه حضرتك مبلغتنيش إني مش لوحدي في العملية دي يا سامي بيه ؟

سامي بابتسامة هادئة :
- دي أول مهمة ليكي يا غادة .. مكنش ينفع أخاطر بيكي .

غادة بضيق :
- أنا مدخلتش المخابرات عشان حد يحميني جواها .. أنا دخلتها عشان بحبها وبحب شغلي فيها .. فلو سمحت سيبني أتعامل .. عارفة إن عمتي وجوزها موصيين عليا .. وجامد كمان .. لكن ده مش هيخليني أثبت نفسي في حاجة .. ده هيضرني مش هينفعني .. وحضرتك أكيد مترضاليش الضرر .

عمار متدخلًا في الحوار :
- كل ما يظهر أمر مريب قصادك في لحظة إيدك بتجري على سلاحك .. سلاحك خرج في قلب الحرم الجامعي وضربتي بيه وكان من الممكن جدا عربية ولا حد معدي وايدك اتخبطت انحدر تصويب سلاحك دخل في دماغ طالب مات فيها .. إظهار شكك في العربية واللي فيها لما رحتي تطلبي تتبرعي بكل سذاجة .. ضيفي عليهم إنك اتقفشتي منهم أصلا وقت مداهمتك اللي مفكرتيش لثواني في عواقبها أو حددتي ليها وقت ... كل دي أخطاء كانت هتوديكي ورا الشمس يا سيادة الملازم .. فلما الكبار يتكلموا ويقولوا ده صح وده غلط .. ياريت نسمع الكلام .. دي مش لعبة ولا هي ساندوتش كبدة هنتعامل معاه .. دي مهمة كانت ممكن تكلفك يا حياتك يا حياة حد من الطلبة زي ما قال سيادة اللوا .

غادة وهي تجز أسنانها بغيظ :
- أنا موجهتلكش كلام على فكرة .. أنا ...

قاطعهما سامي بصرامة :
هتتخانقوا قدامي ولا إيه ؟!!.. دي مهمة وانتهت .. عرفنا الأخطاء الوارد نقع فيها وهنتجنبها مستقبلًا .. نركز في شغلنا بقا ولا هنفضل نتكلم كتير .

غادة محاولة كتم غيظها :
- بعتذر يا فندم .

سامي بهدوء :
- غادة .. أنا حاليًا شغال على قضية مهمة وموتراني جدًا .. عشان كده كان لازم يبقى معاكي حد يسد مكاني لو حصلك حاجة .. وعلى كل حال استعدي بقا عشان في عمليه هتاخديها بالكامل لوحدك .

عمار بفضول وحذر :
- عملية إيه ؟؟

سامي وهو يلتقط إحدى الملفات من فوق الطاولة :
مخدرات برضو .. بس على أتقل شوية .. كل المعلومات اللي هتحتاجيها في الملف ده .

أماء عمار بشك لتتمتم غادة بهدوء :
- شكرًا يا فندم بجد على الثقة دي .

سامي بتنهيدة :
-ربنا يوفقك .

غادرت غادة تاركة من خلفها ذاك الذي شعر لوهلة بنغزة في صدره لا يعلم سببها أو مصدرها .. جل ما يعرفه أنه يخشى طيشها اللامحدود .. وهذا .. هذا أمر مزعج .. أو هكذا يظن .

سامي بتساؤل :
- رحت لحد فين؟

عمار بتنهيدة :
- بفكر .. إزاي تبقى بالثقة دي فيها وانت عارف إنها طايشة .

صدحت ضحكات سامي في الغرفة قبل أن يوضح بهدوء :
- أعيد عليك تاني .. غادة متوصي عليها .. ولو وقعت تحت إيد اللوا أمجد حرفيًا مش هيرحمها مهمات .. وزي ما انت قلت كده .. هي طايشة شويتين .. بس ذكية .. أول مهمه كانت هتخفق فيها .. بس الاستفزاز اللي انت استفزيته ليها ده هيخليها متقعش في الغلط مرتين .. وبعدين مش غريبة انك تسأل على إني إزاي أديها الثقة دي وهي طايشة ... رغم إني سبق وخدت رصاصة قبل كده عشان أحميك من طيشك في لحظة غضب منك ؟

عمار وهو يفرك مقدمة أنفه :
- اتعلمنا بقا خلاص .
لؤي بضحكة :
- وهي كمان محتاجة فرصتها .

بقيا يتحدثان في عديد من الأمور الخاصة بالعمل واندمج معه عمار متناسيًا أمر غادة .. أو هكذا حاول إقناع ذاته .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

دخلت إلى حيث ستبدأ عملها بثبات ظاهري وثقة تُحسد عليها بين جموع من خريجي الإعلام الباحثين عن أماكن شاغرة تسعهم لكسب لقمة العيش .. وربما لتحقيق أهداف سامية تم التخطيط لها مسبقًا .. ذاك الأخير الذي هو تحديدًا ما أتت من أجله اليوم ..

تفوهت بالسلام ليردد من خلفها هذين الجالسين إلى أحد المكاتب المخصصة لإتمام مثل تلك المقابلات ..

تلفَّظ أحدهما بابتسامة هادئة :
- أهلًا وسهلًا يا آنسة بدور .. اتفضلي حضرتك .

زاد ثباتها ظاهريًا وبدأت تثبت داخليًا وهي ترى هذا الكم من الهدوء المطمئن في الجو المحيط بالغرفة .. كما نبرة ذاك الشاب الدالة على رفعة خلقه .. لا تعلم لماذا أهدته هذا الوصف دون أن تتعامل معه حتى .. لكن هكذا شعرت تجاهه ..
وقد يصدق حدسنا تجاه أحدهم .. وربما يخدعنا هذا الحدس فَيُفقدنا الثقة في جميع مَن حولنا .

تقدمت بخطوات رزينة بزيها الفضفاض الذي جذب انتباه وإعجاب ذاك الذي دعاها للجلوس ..

علي بهدوء وابتسامة لم تفارق محياه :
- نورتينا يا آنسة بدور .. إسمي علي شفيع الهجرسي .. وأنا المسئول عن اللقاءات الخاصة بالعمل في جريدتنا المتواضعة .. مستعدة ؟

أخذت شهيقًا عميقًا أخرجته ببطء مع ردها المحدود :
- إن شاء الله .

أماء بهدوء قبل أن يتفوه بنبرة بدا فيها الإعجاب :
- تبارك الله .. شهاداتك في سنوات دراستك تقديراتها ممتازة .. غير شهاداتك الخارجية .. وأسلوب الـ CV مميز جدًا .. واضح إننا هنتعامل مع صحفية مميزة .

افترَّت شفتاها عن ابتسامة مطمئنة وهي تستمع لثنائه هذا ..
يبدو أن الأمر أبسط مما تظن ..

بدأ يطرح عليها بعض الأسئلة التي أجابتها بثبات ورزينة دون أن تحيد عن مقصده من سؤاله ..
في حين يتابعهما ذاك الآخر الجالس إلى جوار علي وكأنه يدرس شيء ما يخصها ..
ليست هي تحديدًا .. بل هذا ما يفعله مع الجميع ..

انتهت المقابلة على خير لتغادر بدور بعدما أخبرها علي أنها ستتلقى اتصالًا في القريب العاجل لإخبارها بنتيجة هذا اللقاء ..

لا تعلم لما ساقتها قدماها إلى منزل خالها مالك .. ربما لأنها اشتاقت له .. ذاك عديم الإحساس وقليل الذوق .. تقسم أنها أغبى من خُلق !.. كيف لحمقاء أقسمت على نسيان بني آدم وتخطيه .. أن تذهب لرؤيته بنفسها !.. تكاد تضرب رأسها بإحدى الجدران كي يفيق عقلها الأحمق ويعنف قلبها الأبله كي يفيق من حلمه الوردي مع شخص لا يستحقه .. أجل لا يستحقه .. فعمار ليس بالشخص المناسب لفتاة مثلها ..

ملتزمة مثلها يجب أن تتمناه تقيٌ قريبٌ من ربه .. يخشى المحرمات .. بارٌ بأهله .. يأخذ بيدها للجنة .. في حين أن عمار أقل بكثير من كل ذلك .. بل هو لا يملك أي من كل هذا .. الصلاة بالكاد يؤديها وقد يفوته فرض وربما الخمس حتى ..
ربما هذا ما يُدعى بالحب العقيم !!..

لم تدري بنفسها إلا وهي تطرق باب منزل جدتها التي استقبلتها بحفاوة كبيرة متمتمة بفرحة :
- حبيبة قلبي .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

إنتهت جرعته العلاجية لهذا اليوم ..
لم يكن يدرك حقيقة كون العلاج ألم بذاته ..
ألمه من السرطان لم يؤذه بقدر ألمه من علاجه ..
كيف لدواء أن يكون أصعب ألمًا من الداء !!.. عادة ما يكون الدواء ذات طعم لاذع يجعلنا ننفر منه .. لكن أن يكون الألم مما هو وسيلة للشفاء .. فهذا ما يصعب تحمله ..

وفي حالة كحالته هو تحديدًا .. فإنه أصعب ألف مرة عليه من مريض عادي ..

استلقى فوق الفراش ينظر لسقف الغرفة المظلمة من حوله بشرود لم يستطع السيطرة عليه .. تُرى كيف حالها الآن ؟.. ألا تزال تحمل من الورود جيئة وذهابًا ؟.. ألا تزال تخرج من الجامعة قاصدة مطاعم الكشري المصري كعادتها مع رفيقتيها اللاتي لا تخلُ حركتها منهما ؟.. أتتذكره ؟!!..

تذكر تلك الليلة التي قامت بمهاتفة والدته بها .. لقد طلب من والدته حينما أخبرته بهوية المتصل ألا تتحدث عن أي شئ وألا تُشعرها بشئ غريب .. هل تدور الأسئلة حول أسباب اختفائه داخل ذهنها أم أنها نسيت أمره ؟.. هل تشتاق إليه كما حاله الآن !.. نعم يعترف .. إنه مشتاق .. يشتاق لنظرتها المليئة بالبهجة .. يشتاق لرؤية فساتينها ذات الألوان المبهجة والتي تبعث في نفسه هدوءًا لا يعرف سببه .. يشتاق لضحكتها الصافية والمفعمة بالحياة .. يشتاق لمشاغباتها ولتهورها في بعض الأحيان .. يشتاق لعفويتها وتلقائيتها اللامحدوده ..
يعترف أنه مشتاق ..
وما كان مرحب بالاشتياق يومًا .

أعاده لواقعه صوت صرير الباب وانبعاث شعاع الضوء من فتحته والتي استكانت إلى جانبه ليحول نظره بترقب يرى من القادم ..

يشعر كونه في حلم .. هل هي أمامه الآن في تلك اللحظة !!.. هل هي جنية كي تخرج من أفكاره وتتمثل في شخصيتها لتقف أمامه الآن ؟!!
بالتأكيد سقط في النوم وعقله الباطن الذي لا يكف عن التفكير فيها هو من جسدها أمامه الآن ..

خرج صوتها المكسور مهزوزًا متوترًا خائفًا ليصل إلى قلبه سهامًا تؤلمه أيما إيلام وهو يستمع لحديثها الباكي :
- عامل إيه دلوقتي ؟.. حاسس بحاجة ؟

ريان محاولًا الحفاظ على استيقاظه قدر استطاعته :
- انـ .. انتي هنا بجد ؟

هرع إصبعها لإزالة عبرتها الخائنة التي هربت بضعف من محبسها وهي تستنشق ما بأنفها متمتمة ببحة تظهر كونها بكت لوقت طويل :
- ليه خبيت عني ؟.. أنا كنت هتجنن الفترة اللي فاتت عشان أعرف عنك حاجة واتطمن عليك .

ريان بتنهيدة خرجت معبئة بكمٍ لا بأس به من الألم الكامن داخل صدره والمتألم لعبراتها التي لا يمتلك أدنى حق في أن يمحوها بنفسه .. والمؤلم أكثر أنه هو السبب فيها :
- ليه العياط دلوقتي ؟.. أنا مش عايزك تتعبي معايا يا سندس .. شوفي حياتك .. كملي في طريقك .. الدنيا مستنياكي وفاتحالك دراعتها .. اوعي يا سندس تندمي على حاجه .. اتأكدي إن كل اللي بيحصل في حياتك خير ليكي .. وإن المكان اللي ظنيتي إنك هتكوني سعيدة فيه وربنا مش ناوله ليكي .. فهو مخبيلك مكان أجمل وبسعادة أكبر وراحة أعظم .. متبطليش تقطفي ورد .. ومتبطليش تزرعي ورد .. متخليش الضحكة تفارقك .. ولا تسمحي لحد يجرحك أبدًا .. فهماني يا سندس ؟

سندس وعبراتها تنسال بغزارة أكبر :
- انت ليه بتقول الكلام ده ؟.. ريان .. انت هتبقى بخير .. هتقوملي بالسلامة .. هتجبلي ورد عشان أزرعه وهتقطفلي الورد بنفسك .. هتكون انت سبب ضحكتي .. ومش هتسمح لحد يجرحني أبدًا .. هتسندني وتقويني .. لازم ترجعلي يا ريان .

كان على وشك أن يُجيبها لكن يد امتدت إلى كتفه كي توقظه من نومته الخاطئة منعته من الرد عليها .. أعادته للواقع الذي لا يريده ..

ليست هنا !!.. لم تأتي !!.. لم تتحدث إليه !!.. لم تخبره كونها تنتظره !!.. لقد كان يحلم .

ديالا بحنان :
- حبيبي معلش صحيتك ... بس نام كويس رقبتك هتوجعك كده .

أهداها إحدى ابتساماته التي جعلت قلبها يضرب بعنف .. هل يمكن أن يأتي هذا اليوم الذي تُحرم فيه من هذه الابتسامة ؟!!.. يا الله .. لن تحتمل شئ كهذا .. لا يمكنها تحمل حتى الفكرة ذاتها .

لم تدري بنفسها إلا وهي تجذبه إليها لتحتضنه بكل ما أوتيت من قوة ..
شعر هو لأول مرة بأحضانها التي احتوته وانتشلته من آلام عقله الذي لا يكف عن ضخ الأفكار إليه ..
شعر لأول مرة بحاجته لهذه الضمة ..

شدد هو الآخر من احتضانها لتتمتم بابتسامة :
- كل حاجة هتبقى كويسة يا حتة مني .

ريان بهدوء متسائل :
- ولو مبقتش ؟

ديالا نافية برأسها :
- إوعى تقول كده .. رحمة ربنا واسعة .. إلجأ لربنا بدعاك .. قرب منه وقول يارب .. إوعى تخاف من حاجة ربنا كتبها عليك .. كل اللي بيحصل في حياتنا خير لينا .. ده اختبار لصبرك ويا عالم هتخرج من الاختبار ده بإيه .. بس خليك واثق إن ربنا مبيعملش حاجة هباءً .. وكل حاجه وليها حكمة .

لم يعلق ريان .. لكنه يدرك من داخله أنها تتحدث بالصواب ..

ذهب في سباته العميق من جديد في غضون دقائق فقط .. فآلامه لن تنتهي إلا بالموت المؤقت ..
نعمة غالية من رب العباد أن يكون النوم موت مؤقت لا نشعر من خلاله بالآلام التي تبرح أجسادنا بلا هوادة ..

ناظرته ديالا بحزن وهي تنظر فوق وسادته لتحمل بيدها تلك الخصلات التي علقت بالوسادة ..
بكاؤها صامت كدعائها .. وضربات قلبها تصل إلى نهاية الكون من شدتها وعنفها ..

لا تدري لماذا خطرت سندس ببالها عند هذه اللحظة .. ربما تكون داعمًا نفسيًا قويًا من أجله ..

اتخذت قرارها وأخيرًا بأن تهاتف سندس في الصباح .. وليحدث ما يحدث .


🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

تجلس بإحدى حدائق الجامعة التي تتميز بهدوئها ومظهرها البديع من خضرة وورود تزينها .. تقرأ في إحدى الكتب التي لا تخلو حقيبتها منهم وهي ترتشف كوبًا من النسكافيه الذي ابتاعته توًا ..

نظرات مِن حولها جعلت التوتر يزحف إليها رويدًا رويدًا ..

إحداهما تجلس إلى جانب ما بعيد بعض الشيء وتشير عليها كأنها تتحدث عنها مع صديقتها .. وأخرى التفتت سريعًا تنظر في مكان آخر حينما ناظرتها وجد ..

ارتشفت المتبقي من النسكافيه قبل أن تستعد للذهاب من المكان ..
تعلم هذه النظرات جيدًا .. إنها نظرات التعجب مما ترتديه فتاة في مثل عمرها ..

هذا ما تتعرض له جميع الفتيات اللاتي يلتزمن بزيهن داخل الحرم الجامعي الأشبه بالملهى الليلي ربما .. أو هكذا تظن بريئة مثلها أن هذا ما يرتدونه في الملاهي الليلية .

خرجت من الحديقة وهي تحدق بساعة معصمها ترى كم من الوقت متبقي كي تذهب لمحاضرتها التالية .. ولحسن حظها لم يتبقى سوى خمسة عشر دقيقة ..

دلفت إلى المبنى ومنه إلى المدرج المخصص لهذه المحاضرة ..

وقفت أمام أحد النوافذ تنتظر خروج المحاضر الموجود بالداخل ..

راعى انتباهها مشاجرة ناشبة على بُعدٍ منها بين فتاتين .. إحداهما بزي شرعي والأخرى بحجاب بالكاد يغطي خصلاتها بل وبعض من خصلاتها يظهر من المقدمة .. كما زيها الذي لا يعرف عن الاحتشام شيئًا .. ببنطال جينز ضيق وتيشرت نهايته بعد الخصر بقليل بأكمام ترفعها إلى المرفقين ..

نفت برأسها في أسف مما تبدو عليه فتيات هذه الأيام .. لكن ما جعل أسفها يزداد هو طريقة المحتشمة في النصح .. لا .. هي لا تنصحها بتاتًا .. إنها تعنفها .. والنصيحة إن لم تنبع بالحب والهدوء والتعقُّل والاستشهاد بالقرآن والسنة فلن تفلح أبدًا ..

ساقتها قدماها إليهما وتحدثت بنبرة هادئة وهي تضع يديها على كتفيهما :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أولًا .. وثانيًا بقا ينفع بنوتات قمرات صوتهم يبقى عالي في الممرات كده وفي شباب مترشقين زي كور البينج في المنطقة ؟

لاحظت تعبيرات الذهول على وجهيهما والتساؤل عن هويتها .. كما لم يخفى عنها تلك الابتسامة العابرة التي ظهرت عليهما حينما وصفت الشباب بكور البينج ..

إحداهما وتُدعى ساره :
- انتي مين ؟

وجد بابتسامة :
- أقولك ولا تزعليش ؟

ساره بفضول وتعجب :
- وإيه هيزعلني ؟!

ضحكت عليها وهي تتمتم بهدوء :
- قولولي بس الأول انتوا فرقة كام ولا إيه وظيفتكوا هنا بالظبط؟

تحدثت أخيرًا الفتاة الأخرى متمتمة بتعجب :
- هو أنا ليه حساكي بتتعاملي مع بنات أختك؟

وجد بابتسامة :
- مش يمكن يطلع عمري أكبر من عمركوا فعلًا ولو اتجوزت بدري كنت خلفت بنات قدكم ؟

ميار بتعجب :
- لا لا انتي شكلك صغننه أصلا .. انتي فرقة كام؟

انتبهت وجد لباب المدرج الذي خرج منه دكتور الماده لتعود بناظريها إليهما متمتمة بابتسامة هادئة :
- أنا المفروض فرقة تالته هنا .

ساره بابتسامة شغوفة لا تدري سببها :
- واحنا كمان فرقة تالته .

وجد :
- يبقى يلا بينا على المحاضرة ولما نخلص المحاضرة نتكلم شوية .

أماءت الفتاتان وذهبتا معها وكأنهما تحت منوم مغناطيسي أو مسحورتان من أسلوب وجد الباعث في النفس بهجة وشغف غير طبيعي .

جلست الفتاتان في المدرجات الأولى بينما صعدت وجد إلى البروجكتور بابتسامة .. تعجبت الفتاتان وهما تناظرانها في تساؤل عن سبب ذهابها إلى هناك !

وجد بحمحمة وهي تمسك بالمايك الذي أعطاه إياها الأمن الخاص بالمدرجات :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا شباب ويا بنات .. طبعًا في الغالب دي أول مره تشوفوني .. أنا لسه في الحقيقة معيدة في بداية الطريق .. الدكتور حازم عنده ظروف طارئة وحاليًا أنا اللي هكمل مكانه لحد ما يرجع بالسلامه .. إسمي وجد السيوفي .. وإن شاء الله أكون خفيفة عليكم .. مبدأيا كده قبل المحاضرة ما تبدأ .. أنا هتلاقوني كيوت جدا وبتكلم بكل هدوء واحترام .. لكن ده مع الناس المحترمة واللي جاية عشان تحضر محاضرة وتستفاد .. لكن لو أي حد موجود في المدرج لأي غرض غير الاستماع والاستفادة يتفضل من دلوقتي عشان اللي هيطلع عندي هنا مش هتعامل معاه بشكل كويس .. معاكم خمس دقايق وباب المدرج هيتقفل .

أنهت حديثها وهي تخرج زجاجة المياه من حقيبتها وجلست إلى مقعدها بهدوء تنتظر انتهاء الخمس دقائق الذين مروا سريعًا ومن ثم بدأت في شرح المحاضرة بشكل ميسر وهادئ .

مر الوقت سريعًا وبدأت في لملمة أغراضها بعدما أذنت للجميع بالخروج ..

تقدمت ساره وميار منها وهما تناظرانها ببعض التعجب والخجل ..

وجد بضحكة خفيفة :
- انتوا مالكوا زي ما يكون بيبيهات وأذنبتوا وجايين منتظرين عقاب ماما ليه كده ؟

ساره وهي ترفع اصبع السبابه بمزاح :
- وربنا لو أعرف ما كنت فتحت بوقي .

وجد بعدم فهم :
- فتحتي بوقك في ايه بالظبط ؟!

ساره بتوتر :
- يعني عشان .. عشان قلت شكلك صغيرة وكده يعني .

وجد وهي تقرص وجنتها بهدوء :
- وهو أنا طلعت عندي خمسين سنه !.. ما أنا صغيرة فعلًا أهو .

ميار بهدوء :
- طب نستأذن بقا عشان لو عندك محاضرات يا دكتور .. وحقيقي ربنا يوفقك بجد .. أسلوبك في الشرح جميل جدا وفهمت جدا في المحاضرة النهارده .

وجد بابتسامة :
- ده شيء يسعدني جدا .. بس لو انتوا مش مشغولين أنا حابه إننا نتكلم شوية في الكافتيريا واحنا بنشرب حاجه ع السريع كده .

ساره بشغف :
- أكيد طبعًا يا دكتور .. ده .. ده شرف لينا بجد .

وجد :
يبقى يلا بينا .

وبالفعل ذهب ثلاثتهم إلى الكافتيريا وجلسن بهدوء يحتسون بعض النسكافيه معًا ..

وجد بابتسامة موجهه حديثها لساره :
- شوفي يا ست البنات .. هو أنا بدون قصد الحقيقة قدرت أفهم سبب صوتك العالي مع صحبتك في الممر .. فأنا عايزة أعتب عليكي مرتين .

ساره بانتباه :
- ليه ؟

وجد بابتسامة :
- هو انتوا ملاحظين إني لسه معرفتش أسماءكم ولا إيه؟

ساره بسرعه :
- أنا ساره عبد السلام .. وهي ميار فارس .

وجد بابتسامة :
- اتشرفت بيكم يا حلوين .. طيب بداية كده يا ساره .. أنا بعتب عليكي لسببين .. السبب الأول هو صوتك العالي في الكلام .. لازم ننتبه طول ما احنا في مكان عام وفيه رجال يبقى صوتنا هادي وواطي لإن بعيدًا بقا عن إنهم بيقولوا صوت المرأة عوره والجو ده .. إلا إنه من صفات الأنثى إنها تكون هاديه في تصرفاتها وإن صوتها يكون واطي بحيث ميلفتش الانتباه ليها ..
طيب دي حاجة .. الحاجة التانية بقا هي أسلوبك في إبداء النصيحة .. بمعنى .. انتي ما شاء الله عليكي شايفة لبسك محتشم بشكل كويس واللي فهمته من كلامك مع زميلتك إن المشكلة في لبسها .. طب يا ساره .. أنا كواحده عايزه لصحبتي الخير .. وبنصحها لفعل الخير .. مش أختار طريقة وأسلوب أتكلم بيهم بحيث إنها تتقبل مني كلامي ؟!.. أو على الأقل لو متقبلتهوش تبلعه ؟!

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة التاسعة بقلم دنيا الشملول


ذهب ثلاثتهم إلى الكافتيريا وجلسن بهدوء يحتسون بعض النسكافيه معًا ...

وجد بابتسامة موجهه حديثها لساره :
- شوفي يا ست البنات .. هو أنا بدون قصد الحقيقة قدرت أفهم سبب صوتك العالي مع صحبتك في الممر .. فأنا عايزة أعتب عليكي مرتين .

ساره بانتباه :
- ليه ؟

وجد بابتسامة :
- هو انتوا ملاحظين إني لسه معرفتش أسماءكم ولا إيه؟

ساره بسرعه :
- أنا ساره عبد السلام .. وهي ميار فارس .

وجد بابتسامة :
- اتشرفت بيكم يا حلوين .. طيب بداية كده يا ساره .. أنا بعتب عليكي لسببين .. السبب الأول هو صوتك العالي في الكلام .. لازم ننتبه طول ما احنا في مكان عام وفيه رجال يبقى صوتنا هادي وواطي لإن بعيدًا بقا عن إنهم بيقولوا صوت المرأة عوره والجو ده .. إلا إنه من صفات الأنثى إنها تكون هاديه في تصرفاتها وإن صوتها يكون واطي بحيث ميلفتش الانتباه ليها ..
طيب دي حاجة .. الحاجة التانية بقا هي أسلوبك في إبداء النصيحة .. بمعنى .. انتي ما شاء الله عليكي شايفة لبسك محتشم بشكل كويس واللي فهمته من كلامك مع زميلتك إن المشكلة في لبسها .. طب يا ساره .. أنا كواحده عايزه لصحبتي الخير .. وبنصحها لفعل الخير .. مش أختار طريقة وأسلوب أتكلم بيهم بحيث إنها تتقبل مني كلامي ؟!.. أو على الأقل لو متقبلتوش تبلعه ؟!

ساره وهي تنكس رأسها أرضًا :
- أنا مقصدتش أزعق والله يا دكتور ولا قصدت أتكلم بأسلوب مش كويس .. بس أنا عرفت إن اللبس بالشكل ده حرام وإن حجابنا ده مش حجاب وإننا أبعد ما يكون عن تعاليم الدين .. حاولت أخدها معايا لطريقي بس هي رافضه .. وأنا والله بحبها جدا وربنا يعلم وعشان كده عيزاها معايا .. ولو مبحبهاش صدقيني مش هتفرق معايا ولا هتعب نفسي في الكلام معاها .

وجد بابتسامة :
- أولا إسمي وجد .. ارفعي اللقب لإن اللي بينا مش كتير وأنا هنا مش في محاضرة .. إحنا أصحاب .. ده لو معندكوش مانع طبعًا .

ميار وساره معًا :
- ده شرف لينا طبعًا .

وجد بابتسامة :
- حلو أوي .. دلوقتي يا ساره ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم قال إيه ؟.. قال :
" وأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر "..
طب هل هنا الآية فيما معناها إني لما أشوف منكر أأمر فاعله بإنه يبعد عنه ؟.. أو لما أشوف معروف أأمر شخص معين بإنه يقوم بيه؟.. لا .. المقصود بالأمر هنا هو الدعوه .. ادع للمعروف وانهى عن المنكر .

طيب جه بعد كده رسولنا الكريم قال إيه ؟.. قال :
" من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان "..
طيب دي دعوه صريحه من نبينا المختار بإننا نغير من اللي حوالينا للأفضل ..

طبعا اسعدني جدا فكرة انك بتحاولي تصلحي من صحبتك للأحسن .. لكن تعالوا نتفق سوا إن النصيحة ليها آداب ولازم نلتزم بيها .. لسببين .. أولهم إنك متحرجيش اللي قدامك .. وكمان عشان يتقبل كلامك بصدر رحب .. ويا يعمل بيه يا يتلاشاه بدون ما يتأثر بأسلوبك .

ميار ببعض الخجل من نفسها :
- بصراحة .. هي سارة كلمتني كتير أوي ونصحتني كتير وأنا ..

أخذت شهيقًا طويلًا أخرجته بثقل وهي تتابع :
- وأنا كنت بسمعلها يوم وأرجع تاني .

وجد وهي تمسك بيدها :
- كلنا معرضين للغلط يا ميار .. بس الشاطر فينا واللي هيكسب فينا هو اللي يتوب بسرعة ويعقد النية إنه ميرجعش للغلط تاني .. ولو حس إنه هيرجعله يجري على سجادة الصلاه .. صدقيني ركعتين لله هيخلوكي تبعدي عن الغلط اللي كنتي ناويه توقعي نفسك فيه .

ساره بفضول :
- احم .. طب معلش يا دكتور .. اا .. قصدي يا وجد .. هو ممكن تكملي حوار أداب النصيحة ؟

وجد بابتسامة :
- أكيد طبعًا .. شوفوا يا حبايب قلبي .. النصيحه عشان تقدميها لازم يبقى نيتك من جواكي إنها لله سبحانه وتعالى .. يعني ميكونش الغرض من نصيحتك دي هو إنك تظهِري نفسك .. أو إنك تطلعي اللي قدامك غلطان أو إنك تجرحيه بالكلام ..
دي حاجه .. الحاجة التانيه هي إن أسلوبك في النصح يكون بأدب ولين وسهل عشان اللي قدامك يقبل نصيحتك برحابة صدر .. ومعايا دليل على كده من آية في القرآن الكريم بتقول
" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ "
(النحل: ١٢٥) ..
وايه تاني ؟.. هقولك إنه من آداب النصح كمان إن نصيحتك للمنصوح تكون على انفراد .. يعني متنصحيهوش في علانية أو قدام حد ..
تعالي أجيبلك بقا بيت شعر بيتكلم عن النقطة دي .

ضحكت ساره وميار وشاركتهم وجد قبل أن تتابع :
- أنا ديما بحب أستشهد بالقرآن والسنه في الأمور دي .. بس لو في أمر نقدر ندخل فيه مثلا اقتباس من رواية أو اقتباس من كتاب أو بيت من قصيدة .. فإيه المانع !.. المهم ..
بيت القصيدة ده للشافعي .. كان بيقول فيه :
" تغمَّدني بنُصحِك في انفرادٍ
وجنِّبنِي النَّصيحَة في الجمَاعَهْ
فإنَّ النصح بين النَّاس نوعٌ
من التَّوبيخ لا أرضَى استمَاعَهْ"

طب وإيه تاني كمان .. هقولك إن الناصح يكون بيعمل بالنصيحة اللي بيقدمها دي عشان ميكونش من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم زي ما ورد في قول الله تعالى على لسان شعيب عليه السلام :
" وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ"
(هود: ٨٨)

بالإضافة كمان إن اللي بينصح حد يراعي مشاعر الشخص اللي بينصحه .. وإنه يكون عنده درايه كامله بالحاجة اللي هيتكلم عنها وكمان بظروف الشخص اللي هينصحه عشان تبقى النصيحة في محلها ووقتها زي ما بيقولوا ..

نضيف كمان إنك لما تنصحي حد تبقي معاكي دليل عشان كلامك يكون مسنود وقوي بالأدله .. وزي ما قلت قبل كده .. الأدلة القرآنية والسنيه مفيش أقوى منها .

آخر حاجه تقريبًا إن الناصح يكون عنده استعداد يتحمل رد فعل المنصوح .. ويكون مستعد للصبر على الأذى اللي ممكن ينوله من ورا نصيحته .. وإلا مكنش لقمان عليه السلام قال لابنه في القرآن الكريم :
" يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ"
(لقمان: ١٧)

بس كدهون بقا .. ها فهمتوا حاجه ولا أنا بتكلم كتير ولا زهقتوا مني ولا عايزين تضربوني ولا انتوا إيه مالكوا كده !

ضحكت ميار وساره لتبادر ساره بإعجاب :
- بجد حضرتك جميلة أوي .. حقيقي يعني مبهجة جدا وحاجة كده اللهم بارك يعني .

ابتسمت لها وجد بخفة قبل أن تتلفظ بتنهيدة ارتياح :
- ربنا يباركلكوا في بعض ويحميكم لبعض .. حافظوا على بعض وحبوا بعض .. بلاش صوتكم يبقى عالي في أي مكان .. الصداقة دي حاجة جميلة أوي وبقت نادرة جدًا .. فكروا بعض ديما بالخير واتسابقوا عليه ولو واحده مالت عن الطريق التانيه تجري تلحقها .. دي الصداقة اللي بجد .. إنك تاخدي بإيد صديقتك كل ما يغويها الشيطان وتضعف .. اتفقنا ؟

أماءت الفتاتان بابتسامة لتعتذر وجد للمغادرة .. وبالفعل غادرت المكان تاركة خلفها صديقتين تناظران بعضهما بعضًا بعيون دامعة ..
وقفت الفتاتان واحتضنتا بعضهما فجأة لتنبئ ميار سريعًا بما قررت فعله :
- إنتي صح .. أنا لازم أرضي ربنا في لبسي وكلامي وشكلي .. خليكي جنبي يا ساره وخدي بإيدي ديما .

ساره بابتسامة واسعة :
- وانتي كمان يا صديقتي .

(🌸من حلف بغير الله فقد أشرك🌸)

طرقات على باب المنزل تحركت على إثرها شهد التي ابتسمت بترحاب لبهجة أيامها وهي تستقبله بحب كالعادة :
- تعالى يا حبيبي .. وحشتني يا واد يا عمار .. متغيبش الغيبة دي كتير يا واد تاني .

عمار وهو يقبل مقدمة رأسها بحب :
- خلاص يا غالية مبقتش هغيب كتير تاني .

شهد بانتباه :
- إيه ؟.. في جديد ؟

عمار بتنهيدة وهو يلقي بجسده إلى المقعد :
- يعني .. مهمتي في الجامعة خلصت الحمد لله .

شهد بابتسامة وهي تمسد صدره وظهره بكفيها :
- ربنا يحرسك يا حبيبي يارب .. استنى بقا أنا عامله شوية محشي ورق عنب إنما إيه هتاكل صوابعك وراهم .

عمار وهو يمسك بيدها :
- لا لا تعالي أقعدي معايا .. أنا مش جعان دلوقتي .

شهد وهي تجلس بجانبه :
- مالَك يا ابن مالِك ؟.. في كلام كتير باين عليك .

عمار بضحكة خفيفة :
- انتي مخلوقة من إيه يا دودو !

شهد بابتسامة :
- من ضلع جدك مروان .

عمار بغمزة :
- يا دودو يا جامد .. فينك يا جدي تسمع تيتا بتقول حاجات حلوه أهي .

شهد بخجل :
- بس يا واد بقا .

تابعت بجدية :
- قول يلا عايز تقول إيه ؟

عمار بتنهيدة :
- ما المشكلة إن أنا أصلا مش عارف أقول إيه .

شهد :
- اعتبر نفسك بتفكر وخلي صوتك ينطق بكلام عقلك .

دس يده في جيب بنطاله وأخرج علبة سجائره وقداحته ..

أمسكت شهد بيده وتحدثت بنبرة أقرب للجدية منها إلى الرجاء :
- بلاش .

عمار بتنهيدة :
- قولتيلي أعتبر نفسي بفكر وانطق باللي بفكر فيه .. وأنا مبعرفش أفكر من غير ما أشرب سجاير .

سحبت شهد يدها بهدوء وأماءت لتأذن له بإشعال إحداها .. وقد فعل ..

تحدث بنبرة متحشرجة بعض الشيء أثر سعاله بعد سحبه لشهيق طويل منها :
- كانت مهمة عادية وأقل من العادية .. مجرد بلاغ اتقدم في الجامعة بإن فيها تجارة ممنوعات على خفيف .. البياعين مدسوسين في الجامعه واللي بيشتروا هما طلبة الجامعه نفسهم .. فكان لازم يتزرع حد جوه الجامعه على إنه طالب بحيث يقدر يوصل لطلبه بتشتري ويصاحبهم فيعرف منين بيشتروا حاجتهم دي .. أو يوصل للناس نفسها .

أخذ شهيقًا آخر من سيجارته قبل أن يتابع وهو يزفرها بقوة :
- مش أنا اللي استلمت المهمة دي .. استلمتها بنت لسه متخرجه جديد .. وده عشان إنها غير ما هي جديدة إلا إن شكلها يدي على طالبه في أولى جامعه .. شكلها صغير يعني .. أنا مهمتي كانت إني أحميها وأتابع تحركاتها ..

وده اللي حصل .. مكنتش أعرف إنها ممكن تشغلني أكتر من الكام ساعه بتوع وجودنا جوا الجامعه .. اكتشفت انها شاغله تفكيري حتى وأنا بره .. فيها حاجه كده غريبه تشدك ليها بدون مقاومة .. غبيه آه بس عفوية جدا .. شرسة .. شخصيتها قويه بس مرحه وبتضحك كتير .. اتصاحبت على سندس بنت عمي ناجي صاحب بابا .. ومعاهم كام صاحبه كده وبدأت تخرج معاهم وتاكل معاهم في مطاعم الكشري بعد الجامعه .. تخيلي بتضرب طبقين كشري حجم متوسط .. بلاعه يا تيتا بلاعه .. ومبيبانش عليها الأكل .. رغم اني تقريبا كل مره اشوفها بتبقى بتاكل .. دي بتاكل أكتر ما بتتنفس ...

تنهيدة قوية خرجت عنه وهو يُطفئ سيجارته قبل أن يتابع بصوت بدى مهزوزًا لسبب لا يعلمه .. أو أنه لا يريد الاعتراف به :
- خلصت المهمه على خير رغم الغلط اللي وقعِت فيه بس استلمت مهمه جديده ولوحدها المرادي .

نظر لجدته التي تنصت لما يتفوه به باهتمام وألم يضرب صدرها وقلبها بعنف من هذا الزمن المخذي .. لقد وقع في فتاة لا تشعر به كما حاله تمامًا .. فهناك من وقعت به دون أن يشعر هو بها .

عمار بتعجب من صمتها :
- تيتا !!.. انتي كويسه ؟.. مالك؟

شهد بتنهيدة وصوت أصابته بحة خفيفة :
- مليش يا حبيبي أنا كويسة أهو .. بس بسمعك .

عمار وهو يضم حاجبيه بتعجب :
- أنا ساكت من بدري .

شهد بمراوغة :
- كبرت وحبيت يا واد يا عمار !

رمش عمار عدة مرات وصدى الكلمة يضرب في عقله " حبيت .. حبيت .. حبيت " .. ماذا تعني هذه الكلمة ؟!!

شهد مقاطعه شروده :
- احكيلي عنها أكتر .

عمار رافعًا كتفيه بقلة حيله :
- مفيش أكتر من كده .. ثم إني محبتهاش ولا حاجه .. ده أنا بحكيلك اللي حصل معايا الفتره اللي فاتت بس .

شهد وهي تضرب كتفها بكتفه :
- بس انت محكتش غير عنها هي .. اتصاحبت على مين ومشيت مع مين واكلت إيه وشخصيتها إيه ومسكت مهمه جديدة .. غير إنها شغلت تفكيرك .

عمار بانتباه :
- يا تيتا لا .. صدقيني الحوار كله إنها اتحدتني عشان كده شغلتني مش أكتر .

شهد بابتسامة هادئة :
- يبقى أقوم أجهزلنا لقمه سوا بقا عما جدك يوصل .

ابتسم لها عمار قبل أن تغادره لينظر أمامه من جديد بتفكير فيما قالته جدته ..
لكنه نفض رأسه سريعًا .. فأي حب هذا الذي سينشب بداخله لفتاة متعجرفة حمقاء مثلها !.. كما قال لجدته ... تحدته فشغلت أفكاره لا أكثر ..
حالته كمن يُقال عنه " كذب الكذبة وصدقها " .


(🌸إن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل 🌸)

خرجت من غرفتها وهي تتثاءب بكسل .. اتجهت من فورها لدورة المياه لكن أوقفها صوت أختها التي تصغرها وهي تناديها بصوت عال فالتفتت إليها بتساؤل لتعرب فردوس عن رغبتها في أخذ بعض التطبيقات من هاتف سندس التي قامت بوضع الرقم السري لهاتفها وأعطتها إياه ومن ثم دلفت لدورة المياه ..

أنهت طقوسها سريعًا وخرجت تستعد ليوم حافل بالمذاكرة من أجل اختباراتها التي أوشكت على خوضها في نهاية الشهر ..

صنعت لنفسها كوبًا من النسكافيه الدافئ وجلست بجانب فردوس التي تمتمت دون أن تنظر لها :
- طنط ديالا اتصلت بيكي وانتي في الحمام وقالت أقولك تكلميها بعد ما تخلصي .

انتبهت سندس على الفور وجذبت الهاتف تطلب ديالا بلهفة حتى أتاها صوتها المتعب ونبرتها المتألمة ..

سندس بقلق وقلب منفطر :
- طنط ديالا في إيه ؟؟.. حضرتك طلبتيني !

ديالا بنبرة متوترة ضعيفة :
- لو تقدري .. لو تقدري تيجي على العنوان اللي هبعتهولك في ماسيدج تعالي يا سندس .. ريان محتاجك يا بنتي .

انتفضت سندس على الفور وقلبها يضرب قفصها الصدري بعنف ووخزات في أطرافها كادت تُسقطها من فرط التوتر والقلق .. تمتمت بصوت بالكاد استطاعت ديالا سماعه :
- ماله ريان ؟.. في إيه ؟

ديالا بتنهيدة قوية معبئة بالمتاعب والآلام :
- لما تيجي يا بنتي هقولك .

أماءت سندس كأنها تراها وأغلقت الهاتف قبل أن تركض لغرفتها وبدأت تبدل ثيابها في عجلة من أمرها ..

جذبت حقيبتها اليدوية وهاتفها النقال وذهبت حيث المطبخ لتخبر والدتها أنها سترى صديقة قريبة منها كي تستعير أحد الكتب المهمة .. وما إن أهدتها والدتها الموافقة حتى ركضت حيث العنوان الذي وجدته في رسالة من والدة ريان ..

(🌸لا تُكثروا الكلام بغير ذِكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذِكر الله قسوة للقلب🌸)

كان يجلس أمام شرفة غرفته ينظر حيث الأشجار المتراصة أمامه في نظام خلاب .. والعصافير الرصاصية التي تتطاير هنا وهناك عازفة مقطوعات موسيقية عذبة بزقزقتها المنتشرة بالمكان .. لا يود التفكير في أي شيء .. فقط يريد للوقت أن يمضي سريعًا كي ينتهي من علاجه أو ينتهي من الحياة .. أيهما أقرب ..

تناهى إلى سمعه صوت طرقات خفيفة على باب الغرفة أخرجته من تأملاته بالخارج ليلتفت بهدوء كي يرى هوية القادم .. وهو على علم مسبق أن لا أحد سيأتيه سوى والده أو والدته أو ربما الطبيب وقد تكون الممرضة .. ولا شخص آخر ..

لكن خابت ظنونه فيهم جميعًا .. فمن تطرق الباب هي آخر شخص قد تخطر بباله .. وقد كان ليكذب أي شخص قد يخبره كونها هنا .

نفض رأسه محاولًا الخروج من حلمه برؤيتها هنا .. لكن لا فائدة .. إنها أمامه .. تنظر إليه بعينين غارقتين بدموع يعلم جيدًا سببها .. أو هكذا كان يظن ..
ترتعش أطرافها بشكل بيِّن لعينيه المثبته عليها في جمود تام .. لا يعلم أهذا جمود حقًا أم أنه انهيار داخلي يرفض الظهور !!

ولجت إلى غرفته وأغلقت الباب من خلفها .. ثم جلست مقابله وهي تمحو عبراتها المنسالة فوق وجنتها بطرف إصبعها .. وابتسامة رائعة ارتسمت فوق ثغرها قبل أن يصل إلى مسامعه صوتها المبحوح والبادي في نبرته التوتر :
- عامل إيه يا ريان ؟

أماء دون أن ينطق بحرف واحد .. كما لم ترمش عيناه منذ دخولها .. من يراه يظن أنه لا يتنفس حتى .. تمثال دون حركة .

ازدردت ريقها وهي تمحو دمعة وهمية عن وجنتها قبل أن تتابع :
- هتعدي منها بسلام .. وهتقوم بالسلامة ان شاء الله .. انت قدها وأقوى من ألف سرطان .. اوعى تخلي حاجه تغلبك وتغلب قوتك أبدًا .

للمرة الثانية يومئ دون إجابة وعينيه مثبتة فقط على أصابعها التي تهرس بعضها بعضًا من فرط التوتر .. وجسدها الغير مستقر على المقعد الذي تجلس فوقه .. كما عيناها اللتان تهربان منه دون أن تناظرانه ..
لا يحتاج سواهما في الوقت الراهن .. فقط نظرة منها إلى داخل عينيها .. لا يريد شيء آخر .. فقط يود رؤية الحياة بعينيها .. يود رؤية خوفها عليه .. يود رؤية وعد منها له بأن تبقى بجانبه .. لماذا تركض عيناها في كل مكان عدا المكان الذي يجلس به ؟!

تحركت من فوق المقعد ولا تزال تتلاعب أصابعها ببعضها بعضًا .. ونطقت بآخر كلماتها قبل أن تخرج من الغرفة بهدوء كما دلفتها بهدوء ..

- خلي بالك من نفسك .

"خلي بالك من نفسك !.. خلي بالك من نفسك ! .. خلي بالك من نفسك ! "

بقيت عبارتها تتردد في أذنه كصدى الصوت تمامًا .. ماذا تعني بأن ينتبه إلى نفسه ؟..
هل قالت " لا تخف .. أنا معك؟ " ..
أم قالت " هذا ابتلاء .. والصبر علاجه .. والفرج نهايته .. وأنا إلى جوارك حتى نصل إلى بر الأمان سويًا ؟ "
ماذا تعني بأن ينتبه إلى نفسه ؟!!!
لم يكن هذا ما ينتظره منها !!.. لقد أتته في الحلم بلهفة وعتاب على غيابه عنها .. لقد أتته في حلمه بالشعور الذي أراد أن يشعر به منها في الحقيقة .. لكن لماذا الحقيقة مُرَّة الآن ؟.. هل يهذي من أثر العلاج ؟.. هل أتت من الأساس أم أنها سراب ؟

قاطع سيل أفكاره وتساؤلاته يد والدته التي جلست القرفصاء أمامه وهي تمسك بيده بين يديها وابتسامة هادئة تزين ثغرها ..

ريان بعدما وجد صوته أخيرًا :
- مين قال لسندس ؟

ابتلعت ديالا ابتسامتها وهي تتمتم بتردد وحذر :
- اا .. أنـ .. أنا كلمتها .

ريان وقد تأكد الآن أنها لم تكن سرابًا ... بل وأنها لم تعده بالبقاء معه فتحدث بلهجة معاتبة :
- ليه ؟.. ليه كلمتيها ؟

ديالا وهي تزدرد ريقها وتبتعد خطوة للخلف .. ومن ثم جذبت المقعد وجلست أمامه مباشرة وعادت لتمسك بيده :
- حبيبي .. أنا عارفة إنك بتحب سندس .. أنا حاسه بيك يا ريان .. والبني آدم مننا يا بني بيبقى أقوى لما بيكون الشخص اللي بيحبه جنبه ومعاه .. بيستقوى بيه .. سندس بنوته طيبة وجدعه .. أول ما اتصلت بيها جت جري لما عرفت إن الموضوع يخصك .. وقبل كده اتصلت عشان تتطمن عليك وانت عارف إنها اتصلت بيا عشان كده .. فقلت يعني إنـ ...

ريان مقاطعًا بنبرة خرجت غريبة بعض الشيء على مسامع والدته :
- كان المفروض تسأليني .. كان المفروض تعرفي أنا عايزها هنا ولا لأ .. انتي معملتيش أكتر من إنك خلتيها تشوفني وأنا في أكتر أوقاتي ضعف وانهزام .. انتي حطتيني في موقف إني حتى لو قمت من الحاله دي مش هحاول حتى إني أشوفها تاني .. لإن أي كلمه أو أي فعل منها هاخده على إنه شفقة .. شفقة وبس .. وهتبقى زيها زي باقي البشر اللي بيعاملني شفقة على حالة السكوت اللي أنا عايشها .. الكل بيستغربني عشان بفضَّل الوحده لكن محدش أبدًا فكر يعرف السبب .. كلكوا عايزيني أخرج من قوقعة الصمت والانعزال عشان أواجه عالم قذر .. ناسُه مبيفكروش غير في نفسهم .. كل إنسان فيه بيقول يلا نفسي .. عالم مفهوش رحمة ولا إنسانية .. المريض بيتعاملوا معاه شفقه .. والفقير بيتعاملوا معاه بدونية .. والغني بينضربله تعظيم سلام .. الناجح بيتحسد وبيترمي بالطوب .. والفاشل بيتعمله ألف حساب بالوسطة .. اللي بيعامل ضميره بيفتروا عليه .. واللي بيشخط وينطر ويزعق ويبين عضلاته بيتعمله ألف حساب وحساب .. الصاحب النهارده بيسحب من صاحبه بهجته وروحه ويشاورله من بعيد ويمشي .. والاخوات بياكلوا في بعض زي الكلاب عشان ألف جنيه .. الأهل أكبر وسيلة لتدمير عيالهم لما يقارنوهم بفلان وعلان .. والجيران مبقوش يحبوا الخير لبعض .. الحبيب عادي يتخلى عن حبيبه لمجرد إنه يلاقي شخص أفضل منه .. ممكن ماديًا وممكن شكليًا .. هو ده العالم اللي بتحاولوا تخرجوني ليه ؟؟.. هي دي الدنيا اللي عايزيني أواجهها بالكلام والمعاملة ؟.. هي دي الحياة اللي عايزيني أعيشها بضحكة حلوه ؟؟.. هي دي !!!

لم تكف عينا ديالا عن ذرف الدموع من بداية حديثه إلى نهايته ... إنه صادق في كل كلمة .. إنه يحمل في قلبه الكثير دون أن يشعر به أحد .. إنه يعاني من وحدته لكنه يفضلها عن عالم البشر المخذي .

تحرك من مكانه بصعوبة وتمدد إلى فراشه موليًا إياها ظهره ووضع الوسادة فوق أذنه معلنًا عن عدم رغبته في سماع أي حديث قد يُقال .

تحركت من غرفته بصمت تام دون أن تحدث أي صوت كاتمة شهقاتها بكفها الذي يغطي فمها ويستقبل عبراتها التي تتسابق فوق وجنتيها بتعب وإرهاق .

هذه هي الحياة ببساطة .. دمار في دمار .. الجميع يظنون أنفسهم أبرياء .. الجميع ضحايا المجتمع ؟.. الجميع يلعن الزمان .. رغم أن الزمان بريء منهم كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب .. الجميع هم الجلادون .. يجلدون أنفسهم وغيرهم .. وفي النهاية .. لا يظلم ربك أحدًا .
🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة العاشرة بقلم دنيا الشملول

انتهت من البحث في مواقع التواصل عن أنواع اللاب توب الحديث كي تبتاع لنفسها واحدًا جديدًا بميزات جديدة تساعدها في الفترة المقبلة ..
أغلقت شاشة الحاسوب المشترك بينها وبين بدر وتحركت وهي تحمل كوب الحليب الخاص بها والذي جلبته لها روضه منذ وقت بسيط .. لتقف إلى الشرفة كي ترتشفه بهدوء لم يدم حينما قفز إلى عقلها تفاصيل ما حدث معها بالأمس حينما ذهبت لمنزل جدتها ..

طرقت الباب بخفة لتفتحه شهد بابتسامة مرحبة :
- حبيبة قلبي .

بدور بابتسامة وهي تقترب مقبلة يد جدتها :
- إزيك يا غالية عامله إيه؟

شهد وهي تمسد رأسها برضا :
- الحمد لله يا حبيبتي .. انتي عامله إيه؟.. تعالي تعالي .

دلفت بدور وهي تتفحص الصالة بعينها .. ربما يكون هنا .. فهو يفضل الجلوس بمنزل جدتهما على الجلوس في منزله .. لكن عادت عيناها خائبة حينما لم تره ..

شهد مقاطعه صمتها :
- بعمل عِناب .. هصبلنا كوبايتين وآجي .

بدور بتساؤل :
- أساعدك ؟

شهد :
- لا يا حبيبتي ده أنا خلصته .. هصبه بس .

أماءت بدور ودلفت إلى الصاله وجلست إلى أحد المقاعد قبل أن ترفع عينها على حين غرة إلى تلك المكتبة المكتظة بالكتب التي لم يسبق أن غلبها الفضول حتى لمعرفة ما تحويه ..

لكن الفضول غلبها حينما رأت صورة عمار بالزي الشرطي معلقة على أحد جوانب زجاج المكتبة .. لم تلحظ هذه الصورة من قبل .. أو يمكنها القول أنها بالفعل جديدة ..

تحركت إلى المكتبة وأخذت تتطلع لملامحه بعناية تجوب تعابيره القريبة للغموض منها للألم .. تعلم أن بداخله الكثير من الحديث الذي جعله الشخص الذي هو عليه الآن .. لكنها لا تمتلك أدنى فكرة عن كيفية معرفة ما يجول بداخله .. أو حتى النظر إليه لمعرفة إن كان يعاني شيئًا ما ..
انتبهت من تأملاتها وهي تنهر نفسها على ما تفعله .. كيف لها أن ترضخ لقلبها بهذا الشكل .. لا يحق لها أن تناظره هكذا ..
نفضت رأسها سريعًا واقتربت من المكتبة وبدأت بتفحص كتبها التي كانت تتنوع بين علم النفس وعلوم البشرية والتشريح وكذلك الفلسفة والتاريخ .. وما ذاد من دهشتها حقًا أن المكتبة تحوي قدر لا بأس به من روايات الرعب والروايات البوليسية كذلك ..

أتاها صوت جدتها من خلفها يجيبها على تساؤل لم يطرحه عقلها بعد :
- دي مكتبة عمار .. وكل الكتب دي هي حصيلة لملمته من وهو في اعدادية .

بدور بحرج :
- أول مره آخد بالي منها .

شهد بابتسامة هادئة كي تزيل عنها الحرج :
- عشان مش عادة إنك تقعدي في الصالة .. وعمار عاملها في الركن البعيد عشان تبقى بعيدة عن العين .

بدور بتساؤل :
- وليه مش عاملها في أوضته مثلًا ؟!

شهد ببساطة :
- لإنه مبيقعدش فوق زي ما بيقعد هنا .. تقريبًا حياته هنا .. عمار أنا بعتبره إبني مش ابن ابني كمان .. طلوعه فوق بيبقى لأسباب معينة بس .

بدور باقتناع :
- شخصية غريبة عمار ابن خالي .

شهد بهدوء :
- أبدًا .. عمار انعزالي بس مش لدرجة الوحدة يعني .. هو مبيحبش الاختلاط بس بيحب يتعلم من اللي حواليه في صمت .. حياة الشرطة بردو مش شيء سهل .. ساعدته كتير عشان يكون شخصية قوية بشكل كافي لغروره كراجل .. غير إن طفولته كانت مشتته بشكل كبير بين أبوه وأمه وانتهت بإنه يكون مع جدته بعد ما وصل سن أصبح فاهم كل حاجه حواليه تقريبا .. علاقته بسبأ مش علاقة ابن وأمه .. علاقتهم أشبه باتنين جيران بيصبحوا أو يمسوا على بعض وقت ما يتقابلوا .. وكمان علاقته بمالك مش علاقة أب وابنه .. أنا لحد دلوقتي بحاول أفتكر موقف يجمع بين عمار وابوه في حديث أو نقاش .. لكن مفيش .. علاقتهم شبه اتنين شغالين سوا .. كل واحد فيهم بيسأل التاني أنجز ايه في شغله وبس .. علاقته باخواته شبه معدومه إلا أصاله .. أصاله هي الوحيدة اللي بتفهمه وبتحتويه .. صحبته واخته في نفس الوقت .. هي أقرب حد ليه في الدنيا كلها حتى أقرب مني .. لكن باقي اخواته مفيش .. غير ما هو مقضي معظم وقته في شغله أصلا وبييجي ع النوم .. غير ماهو بيتحجج في المناسبات ونادرًا ما بيحضر يوم جمعه معانا ولا حاجه .. ده باختصار عمار .. شخصية فريدة من نوعها .. غامض بس حنين وقلبه كبير أوي .

كانت تستمع لحديث جدتها بخلايا قلبها لا أذنها .. الحديث يمر على القلب مباشرة دون العقل .. شخصية كعمار عانى من أشياء كثيرة جعلت منه الشخص الذي هو عليه الآن .. كما توقعت !.. لكن هل يمكن أن تكون أصالة أخرى في حياته أم أن دروبهما لن تلتقي أبدًا ؟

لاحظت شهد شرودها لتقدم لها كوب العناب بابتسامة وهي تتساءل كي تغير مجرى الحوار :
- مش قلتيلي عملتي إيه في مقابلتك النهارده ؟

بدور بتنهيدة :
- ولا حاجه خالص .. يدوب اتسألت كام سؤال كده وهيتصلوا بيا قريب .. ربنا يسهل .

شهد بابتسامة :
- ربنا يوفقك يا حبيبتي ويعملك الصالح كله .

بدور :
- اللهم آمين .. أخبار طنط مريم إيه ؟

شهد بحزن :
- عايشة يا بنتي الحمدلله .. اللي راح مكنش حاجة بسيطة بردو .. ده راجلها وضلها وسندها في الدنيا .. جدك جود ده كان حاجه كده متتكررش في الحياه مرتين .. زي مروان أخوه .

بدور بتأكيد :
- فعلًا .. كنت بحب علاقة الأخوه القوية اللي بينهم أوي .

شهد بتنهيدة :
- ربنا يرحمه يارب ويسكنه فسيح جناته .

أفاقت من شرودها على صوت باب الغرفة يُغلق بعدما دلفت بدر التي تتحدث عبر الهاتف كتابيًا وابتسامتها تشق وجهها باتساع .. ألقت بنفسها فوق الفراش لتتنهد بدور بقلة حيلة من تلك الفتاة .. كيف لها أن تُثنيها عن طريقها هذا وتسحبها للطريق الصحيح وهي التي لا تعطيها أدنى فرصة لذلك ..
بالتأكيد ستستيطيع يومًا ما .


(🌸أكثر خطايا بني آدم في لسانه🌸)

خرجت من غرفتها بعدما أدت فرضها وقرأت وِردها لتجد والدتها قد أعدت طعام الإفطار وقد ساعدها جاد في ذلك ..

مريم بابتسامة هادئة :
- فكرتك مش هتروحي الجامعة النهاردة ! عشان كده مرضتش أصحيكي .

وجد بابتسامة مماثلة وهي تقبل رأس والدتها بحنان :
- عندي محاضرات مهمة مينفعش أتغيب عنها يا ست الكل .. أنا بصحى مع المنبه متقلقيش .. أومال فين أم وليد وأبيه وليد وبشير ؟

جاد متدخلًا :
- بشير كان سخن طول الليل وماما كانت جنبه طول الوقت .. وبابا خده من ساعه كده وراح بيه هو وماما للدكتور .

وجد بقلق :
- ماله بشير ياماما ؟؟.. كان كويس امبارح !

مريم بتنهيدة :
- خير يا حبيبتي متقلقيش .. ان شاء الله يكون خير .. زمانهم على وصول .

لم تنهي مريم جملتها فإذا بهم يستمعون لصوت اصطفاف السيارة .. خرجت وجد راكضة من المنزل تجاههم لتستقبل بشير بعيون دامعة وقلب يخشى عليه من أن يصيبه أي مكروه .. ربما في نظر الجميع وشرعًا وقانونًا هو ابن أخيها .. لكن في داخلها هي تراه أكثر من ذلك ... أعمارهما المتقاربة ولدت بينهما رابط أقوى من الدم .. وأقوى من ان يوصف .. هي ابنته وهو ابنها .. هي صديقته الوحيدة والمقربة، وهو صديقها الأوفى .. لا تخلُ أيامهما من المشاكسة والإغاظه طوال الوقت ... لكن ليس بإمكانهما التخلي عن بعضهما البعض .

ألقت بنفسها بين أحضانه وهي تسير بيدها فوق ظهره تارة وخصلاته تارة وصدره تارة أخرى وهي تتحدث بين كل حركة والأخرى :
- عامل إيه دلوقتي؟ وإيه اللي عندك؟ وليه مصحتنيش بليل أطلعلك ؟؟

بشير وهو يضحك بتعب :
- براحة عليا وسؤال سؤال عشان أعرف أجاوب .

ابتعدت وجد عنه بمسافة وأمسكت بيده كي يدلف معها للداخل بعدما تركاهما وليد وأريج وإسلام الذي ينظر في أثر وجد بصدمة من عدم رؤيتها له ..

وجد :
- يلا اتكلم .. الدكتور قالك إيه ؟

بشير بمزاح :
- قالي محتاج للراحة وطلباتي كلها تبقى أوامر ومجابة في الحال .. وقالي كمان معنتش توصل وجد الجامعة كل يوم الصبح عشان ده إرهاق بدني ليك .. وكمان قالي وجد بتاخد في شنطتها كمية كبيرة من الشوكالاته فكل يوم الصبح تقسم الشوكالاته دي معاها عشان تقوى مناعتك .. اااه يادودو اااه .. مناعتي طلعت ضعيفة .

استدار بوجهه يناظرها لينفجر ضاحكًا عليها بأنفها الأحمر من الغضب ووجها الذي أصبح عبارة عن شعلة من النيران التي من الممكن أن تُقمر رغيفًا من الخبز دون مجهود .. كما صوت أسنانها التي تضغطهما ببعضهما في غيظ ..

جاد وهو يضرب كفيه معًا :
- حتى في عز عياك مش سايبها في حالها وبتغيظ فيها وتخلي وشها يقلب على عين بوتاجاز كده .

دفعته وجد من أمامها ودلفت للمنزل وهي تغمغم بكلمات غير مفهومه مما أضحك جاد وبشير الذي داهمته نوبة من السعال فخرجت وجد مجددًا وهي تحمل كوب المياه وقدمته له بهدوء ..

ارتشف منه بعض الرشفات الخفيفة قبل أن ينظر لها بابتسامة واقترب مقبلًا جبينها بخفة وأخذها داخل أحضانه ودلف للمنزل ..

مريم بابتسامة :
- حمد الله على سلامتك يا حبيب تيتا .. تعالى يلا عشان تفطر وتاخد علاجك .

بشير بهدوء :
- الله يسلمك يا ست الكل .. عامله إيه النهارده ؟

مريم وهي تمسد كتفه بخفة :
- كويسة يا حبيبي الحمد لله .

وجد :
- حاول تنجز شوية عشان هتوصلني .

إسلام بغيظ من خلفها :
- يوصلك فين يا بنتي .. المفروض يرتاح شوية .. الدكتور موصي على راحته .

وجد بتذمر :
- يعني هو يرتاح وأنا اتبهدل في المواصلات !

انتبهت لمن تتحدث ففتحت عينيها على وسعهما وهي تركض تجاهه ببهجة :
- خالوووووووو .. وحشتني يا راجل .. فينك كده مبتظهرش !

إسلام بحاجب مرفوع :
- وحياة أمك ؟

مريم بضحكة :
- قول لا إله إلا الله يا حبيبي .

إسلام وهو يهز رأسه بقلة حيلة :
- لا إله إلا الله .. بنتك دي واخده البكش من مين ؟.. انتي مش بكاشه وجود الله يرحمه مكنش بكاش هو كمان .. جبتوها منين دي ؟!

عبث وليد بحاجبيه ليؤشر إسلام عليه وهو يضحك :
- أيووووه صح .. مروان .. مفيش غيره .. عرق البكش كله عند مروان .

وجد وهي تربع ذراعها :
- أراكم تتحدثون عن عمي في غيابه .. طب وربنا أفتش عليكوا بقا .

إسلام وهو يصفعها على مؤخرة رأسها :
- إحنا ناس مبيهمهاش يا قلب أمك .

وجد بتوعد :
- خليك فاكر كلامك ده كويس يا خالو يا حبيبي .. ها .

وليد وهو يكتم ضحكاته :
- أنا فاكر يا خالي آخر مره قالتلنا وجد الجمله دي دخلنا في مقلب عنب من عمي مروان .. فبقول بلاش .

إسلام بثبات :
- أعلى ما في خيلهم يسحبوا ويركبوا .

مريم :
- طب إيييه مش ناويين على فطار ولا إيه !.. وانتي يا وجد مش عندك محاضرات مهمه ؟!.. يلا كله على الفطار بطلوا غلبة .

وليد :
- أنا هوصلك يا وجد في طريقي .. أنا رايح لعمي مروان أصلًا عشان اتطمن عليه .

مريم :
- كلم شهد مرات عمك تيجي يا وليد تقعد معايا شوية .. وانت يا إسلام لو سمحت تكلم أروى تيجي ونعمل حلقة قراءة بكره .

وليد بإيماءة :
- عنيا يا ماما حاضر .

انتهى الجميع من تناول الطعام وغادر كل إلى وجهته ..

أنهت وجد المحاضرات المُكلفة بها لهذا اليوم وخرجت تعبث بهاتفها بحثًا عن رقم إيلاف ..

أتاها من خلفها نداء لتلتفت بابتسامة مرحبة :
- إزيك يا ساره عامله إيه؟

ساره بابتسامة واسعة :
- الحمد لله يا ست البنات .. أنا كنت عايزه أسأل حضرتك في حاجه كده لو تنفع يعني .

وجد بتشجيع :
- أكيد طبعًا .. اتفضلي .

ساره بتردد :
- يعني .. اا .. هو حضرتك يعني لو ينفع تعملي زي وقت مخصص كده ده طبعًا لو مش هنعطلك أو نضغط عليكي يعني .. وتكلمينا فيه عن أمور الدين يعني وكده .. بصراحة يعني حضرتك أسلوبك جميل أوي وسلس وكده .

وجد بابتسامة :
- ده شيء يسعدني ويشرفني جدًا .. وعشان انتي قمر وفيكي حاجه لله .. فهو أنا إن شاء الله في عندنا حلقة قراءة بكره عندي في البيت .. ممكن لو ينفع وحابة تحضريها وبعدها نقعد مع بعض شوية .

ساره بعدم فهم :
- معذرة بس هو يعني إيه حلقة قراءة ؟!

وجد بتوضيح :
- بنعمل كل فترة حلقة قراءة قرآن ونوهب ثوابها لمتوفي .. أنا والدي اتوفى من فترة قريبة وبنعمله كل فترة حلقة قراءة أنا وعيلتي .

ساره بحماس :
- يعني ينفع أحضر ؟

وجد بتأكيد :
- ينفع طبعًا .

ساره :
- خلاص أنا هكلم ماما واستأذنها وأكلم ميار كمان تيجي معايا ان شاء الله .

وجد بابتسامة :
- خلاص ان شاء الله هنتظر منك مكالمة تأكديلي فيها إنك هتيجي .

ساره بحماس :
- تمام .. متشكره أوي بجد .

وجد وهي تكتب رقم هاتفها فوق شاشة هاتف ساره :
- مفيش شكر بين الاخوات .

استأذنتها وغادرت قبل أن تتنهد تنهيدة ارتياح كبيرة .. تحمد الله ألف مرة على نعمة أبيها وأمها ونعمة الإسلام وفضله عليها وعلى المسلمين جميعًا .

(🌸من تشبه بقوم فهو منهم🌸)

أنهت بعضًا من دروسها قبل أن يُعلن هاتفها عن اتصال طال انتظارها له .. لن تنكر كونها أحبت وجد كثيرًا ووجدت راحتها معها .. فهي دونًا عن الجميع لا تُشعرها بقبح ملامحها إن ناظرتها .. ولا تُشعرها بالدونية إن حادثتها .. ولا تُشعرها بكونها غير مرغوب بها إن جلست إليها .. كما أنها تتعلم منها الكثير كلما تحدثت .. وجد هي كنز لكل من يعرفها ...

أجابت على عجلة :
- السلام عليكم .. إزيك يا وجد .

وجد بمشاكسة :
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ياللي مبتسأليش ولا ترني تتطمني حتى .

إيلاف بخجل :
- معلش والله أنا بس مبحبش أتقل عليكي ... يعني ربنا يعينك على وقتك وكده .

وجد :
- يختي بس ابقي تقلي عليا وملكيش دعوه انتي .. بقولك إيه .. هشوفك بكره ؟

إيلاف بحماس :
- أجيلك من عنيا .

وجد :
- حلو أوي .. بكره بأمر الله بعد صلاة الجمعة هنعمل حلقة قراءة .. وبعد منها في بنتين قمامير كده عرفتهم في الجامعه هييجوا ونعمل حلقة بنوتاتي كده نتكلم فيها دينيًا شوية .. قلت أكلمك أسأل عنك طالما انتي مبتعبرنيش وكمان أقولك تيجي تفيدي وتستفيدي معانا .

إيلاف :
جاية بأمر الله .. وحقك عليا في عدم سؤالي .

وجد بمزاح :
- خلاص يا ستي .. عفونا عنكِ .

ضحكت إيلاف لتتابع وجد :
- بس يا بت عيب .. حد يسمعك .

وضعت إيلاف يدها على فمها سريعًا لتضحك وجد وهي تتمتم :
- اوعي تقوليلي إنك حطيتي إيدك على بوقك تكتمي الضحكة .

إيلاف بتأكيد :
- فعلا ده اللي عملته .

وجد :
- الله أكبر عليا بقا .. يلا هسيبك دلوقتي وخلي بالك من نفسك وابقى سلميلي على طنط رهف .

إيلاف :
- عيوني حاضر يوصل .. مع السلامه .

أغلقت معها وهي تتنهد بارتياح تام .. تلك الفتاة بلسم ومطيب للروح .

(🌸لأن يطعن في رأس الرجل بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له🌸)

انتهى يومها الخاص بالتدريب في حمام السباحة كعادتها وبدأت تتحرك مع زميلاتها يلتقطن صور هنا ويمرحن بصوت عال هناك ..

اقتربت منها إحدى صديقاتها والتي تُدعى رحاب متمتمة بنبرة ذات مغزى :
- بت يا بدر .. انتي طبعًا عارفة هشام .. صح ؟

بدر بتأكيد :
- آه .. ماله ؟

رحاب :
- هيثم صاحبه .. هيموت عليكي .

بدر بحاجب مرفوع :
- وده من إيه ده ان شاء الله .
( وراحت رافعه حاجبها كدهو 🤨 😂 بفصلكوا يا جماعه عاااادشي😂 )

رحاب :
- اسكتي يا بدر انتي تعرفي هيثم ده مين ؟

بدر بلامبالاه :
- لا محصليش الشرف حقيقي .

رحاب :
- أبوه حاجه كبيره أوي في البلد .. والله ما أنا عارفه سياسي ولا عضو في مجلس ولا إيه بس راجل كبير كبير يعني .. والواد عيشته منغنغة وحاجه كده يا خرابي .

بدر بجانب عينها :
- وإيه خلاكي تمشي مع هشام طالما هيثم صاحبه أوبهه كده .

رحاب بضحكة خفيفة :
- الواد هشام مكانه اجتماعية يا بدر هو كمان .. ومش مقصر معايا ومش مخلي في نفسي أي حاجه .. سيبك بس من هشام وقوليلي إيه رأيك ؟

بدر وهي تعدل من ثيابها :
- رأيي في إيه ؟

رحاب :
- في هيثم يا بت .. عايز يكلمك .

بدر بحده :
- رحاب .. انتي عارفه كويس أوي إني مش هعمل كده .. فقصري في الكلام ده وخلي له آخر .

رحاب في نفسها وهي تراقب ابتعاد بدر عن المكان :
- هتجيلي بنفسك يا أم غمازة .. ما هو أنا أكيد مش هتنازل عن حلاوتي من هيثم لو كلمتيه .. الصبر حلو .

علا رنين هاتفها لتجيب على الفور :
- ألو يا هشام .

انتظرت ثوانٍ قبل أن تُجيب :
- لا البت دماغها ناشفة .. بس وغلاوتك ما هتاخد غلوه في إيدي ... طمن صاحبك .

أجابت بعد صمت دام لدقيقة :
- طب يلا هنتقابل في الكافيه ونشوف .. سلام .


(🌸لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله🌸)

يوم جديد .. ومشاعر جديدة .. وأحداث متجددة لا تعرف الروتين ولا الاعتيادية .. لا يحياها روتينيًا سوى ذاك الذي يعود من جامعته إلى فراشه .. ينتظر جرعته العلاجية .. وما إن تبدأ حتى ينتظر موعد انتهائها .. يحاول قدر المستطاع أن يشغل ذاته عن أي تفكير يودي به إلى سندس ..
لو فقط تعود لرؤيته لأثبتت له عكس ما شعر به من زيارتها الأولى ..
نفض رأسه مجددًا محاولًا تشتيت نفسه عن التفكير فيها ... لن يُجدي هذا نفعًا ..

بينما هنا في ركن من أركان الغرفة المظلمة القابعة في نهاية الممر الخاص بهذا المنزل الذي فقد حيويته منذ أن علمت سندس بما يعانيه ريان وانزوائها في ركن غرفتها دون التحدث إلى أحد ..
وكلما طالبها أحدهم بشيء ما .. تحججت باختباراتها وأنها تستذكر دروسها لأجل الحصول على درجات أعلى لتعوض العام السابق لها ..

وجُل ما تفكر به إن كان ريان سيُشفى من مرضه هذا .. وإن حدث .. هل سيعود له من جديد ؟.. وإن لم يحدث .. هل سيكون وراثيًا في أبنائهم إن حدث واجتمعا ؟

حينما وصل تفكيرها لهذه الجزئية .. انحدر عقلها فورًا لحديث والدتها في تلك الليلة ..

وبدأت كلماتها تضرب جدار عقلها من جديد ...

" ريان راجل .. وممكن أوي يكون تعلقه بيكي ده تعلق أخوه مثلا .. عشان من صغركوا مع بعض فاتعود على وجودك"...

" انتي عارفه وضع ريان وعارفه إنه مبيحبش الاختلاط بالناس .. وده لازم يخليكي تفوقي لنفسك وحياتك " ..

" ريان انعزاليته عن الناس هتوجعك إنتي فيما بعد .. لأنك هتختاري العزلة معاه .. ودي مش شخصيتك "..

" التعلق ده غلط .. ومش هيدمر حد غيرك إنتي " ..

أفاقت من شرودها على عبراتها التي بللت وجنتيها لتقوم بمحوها بأطراف أصابعها وهي تتابع تفكيرها من جديد وعقلها لا يرحمها من تفكيرها بالأمر ..

لماذا أصر على إخفاء أمر كهذا عنها ؟!.. إن كان يحبها حقًا لكان طالبها بالبقاء إلى جانبه في محنته .. إن كان يحبها لما صمت بهذه الطريقة حينما ذهبت إليه .. لقد كان جامدًا .. هل ما تراه منه من انتظار لها في الجامعه ما هو إلا واجب يشعر به فيقوم به من باب خوفه عليها مثلًا .. أو لكونه اعتاد على فعل ذلك منذ سنوات !..
كيف لها أن تعرف ما يكنه لها وهو صامت طوال الوقت دون حديث أو رد فعل يُطمئنها .. والدتها معها كل الحق .. هذا الحب الذي تحياه ما هو إلا وهم ولن يُدمر سواها .

أخذت قرارها أخيرًا .. ستذهب دومًا لقضاء الواجب من زيارة له .. وستترك الكُره في ملعبه هو كي يختار .. إما أن يكون حبًا صادقًا .. أو يكون وهمًا ستحارب كي تستفيق منه .

(🌸لا تُظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك🌸)

اجتمعت الفتيات في غرفة وجد وكونوا حلقة من خمسة فتيات عدا وجد التي عادت بعد وقت قصير وهي تحمل أكواب من عصير الفراولة بالحليب ..
بدأن في قراءة القرآن حتى انتهين بعد وقت لا بأس به ..

ساره بعد صمت دام لدقائق من الدعاء الصامت بداخل كل واحدة منهن :
- حضرتك هتكلمينا عن إيه بقا النهارده؟

وجد بابتسامة هادئة :
- إيه رأيكم نتكلم عن رحلة الخلود ؟

إيلاف بتساؤل :
- يعني بداية الحياة يوم القيامة مش كده؟

وجد بتأكيد :
بالظبط كده .

اعتدلت الفتيات سريعًا بشغف لتبتسم لهم وجد قبل أن تقوم بتربيع قدميها وأخذ شهيق عميق أخرجته ببطء مع كلماتها :
- لما نيجي نقول الخلود .. يعني ببساطة كبيره هو الحياه بلا نهاية .. مفيش موت .. مفيش حساب .. مفيش أخطاء .. أصل لو في أخطاء يبقى هنرجع تاني لنقطة وجوب الحساب .. ولو رجعنا تاني لنقطة وجوب الحساب يبقى هنرجع تاني لفكرة النار والجنة .. يبقى أنا كلامي النهاردة عن الرحلة بين الجنة والنار .

شهيق عميق زفرته دفعة واحدة وهي تتابع :
الإنسان بيمر بكذا مرحلة متتابعة لحد ما يوصل لمثواه الأخير .. وطبعا الإنسان هنا هو المؤمن والمنافق والكافر كمان .. الجميع بيمر بالمراحل دي لحد ما كل واحد يوصل لمثواه الأخير ...
طيب إيه المراحل دي ؟

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الحادية عشر بقلم دنيا الشملول


اجتمعت الفتيات كعادتهم في غرفة وجد وكونوا حلقة من خمسة فتيات عدا وجد التي عادت بعد وقت قصير وهي تحمل أكواب من عصير الفراولة بالحليب ..
بدأن في قراءة القرآن حتى انتهين بعد وقت لا بأس به ..

ساره بعد صمت دام لدقائق من الدعاء الصامت بداخل كل واحدة منهن :
- حضرتك هتكلمينا عن إيه بقا النهارده؟

وجد بابتسامة هادئة :
- إيه رأيكم نتكلم عن رحلة الخلود ؟

إيلاف بتساؤل :
- يعني بداية الحياة يوم القيامة مش كده؟

وجد بتأكيد :
بالظبط كده .

اعتدلت الفتيات سريعًا بشغف لتبتسم لهم وجد قبل أن تقوم بتربيع قدميها وأخذ شهيق عميق أخرجته ببطء مع كلماتها :
- لما نيجي نقول الخلود .. يعني ببساطة كبيره هو الحياه بلا نهاية .. مفيش موت .. مفيش حساب .. مفيش أخطاء .. أصل لو في أخطاء يبقى هنرجع تاني لنقطة وجوب الحساب .. ولو رجعنا تاني لنقطة وجوب الحساب يبقى هنرجع تاني لفكرة النار والجنة .. يبقى أنا كلامي النهاردة عن الرحلة بين الجنة والنار .

شهيق عميق زفرته دفعة واحدة وهي تتابع :
الإنسان بيمر بكذا مرحلة متتابعة لحد ما يوصل لمثواه الأخير .. وطبعا الإنسان هنا هو المؤمن والمنافق والكافر كمان .. الجميع بيمر بالمراحل دي لحد ما كل واحد يوصل لمثواه الأخير ...
طيب إيه المراحل دي ؟

أول حاجه هو القبر ..

القبر هو أول منازل الآخرة .

القبر عبارة عن حفرة نار لكل كافر ومنافق .. وعبارة عن روضة للمؤمن .

إيه المعاصي اللي بيُحاسب عليها العبد في القبر ؟
المعاصي اللي بيُحاسب عليها العبد هي ( الصلاه .. هجر القرآن .. الزنا .. النميمة .. الكذب .. الربا .. عدم رد الدين .. ) وما إلى ذلك بقا .

طيب إيه الأعمال اللي بتُنجِّي من عذاب القبر ؟
الأعمال اللي بتُنجي من عذاب القبر هي ( العمل الصالح .. والتعوذ من عذاب الله .. قراءة سورة الملك .. ) وما إلى ذلك بردو .

طيب آخر سؤال .. مين اللي بيُعصم من عذاب القبر ؟
المعصومين من عذاب القبر هما ( الشهداء .. الميت يوم الجمعة والمبطون " المبطون ده يعني الميت بمرض بالبطن زي الكبد وغيره " ) .

كده أول مرحلة في الطريق للجنه والنار .. اللي هو القبر .

تاني حاجه " النفخ في الصور " ..

النفخ في الصور بيتم على مرحلتين .. أو نفختين .

النفخة الأولى " نفخة الفزع والصعق "..
ربنا سبحانه وتعالى بيقول في كتابه الكريم
" وَنُفِخَ فِي اُلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي اُلسَّمـٰوٰتِ وَمَن فِي اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اُللَّهُ "

في النفخة دي بيخرب الكون كله .. وبعدها بأربعين يوم .. ينفخ النفخة التانية .. اللي هي " نفخة البعث " ..
ربنا سبحانه بيقول في كتابه الكريم
" ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ " .

النفخة التانية بتنقلنا لتالت مرحلة .. واللي هي مرحلة " البعث " ..

ربنا سبحانه بيُرسل مطر .. فالأجساد بتبدأ تنبت خلق جديد مبيموتش .. خلق حفاة عراة " يعني مش لابسين أحذية ومفيش ملابس" .. بيشوفوا الملايكة وبيشوفوا الجن ..
وكل مرء بيُبعث على ما مات عليه .. يعني اللي مات على معصية .. يُبعث على معصية .. واللي مات على فعل خير .. يُبعث على ما مات عليه .

نيجي بقا للمرحلة الرابعة .. وهي الحشر ..

ربنا بيجمع الخلق للحساب .. بنكون مفزوعين وبنخبط في بعض زي السكارى في يوم عظيم .. اليوم العظيم ده قدره ٥٠ ألف سنه .. وكأن الدنيا ساعه ..

بتبدأ الشمس تقرب من الأرض لحد ما تبقى بينها وبين الأرض ميل .. وكل إنسان بيغرق في عَرقه على قد عمله ..

في اليوم ده بيتخاصم الضعفاء والمتكبرين .. والكافر يخاصم قرينه وشيطانه وأعضاؤه .. وبيبدأوا يلعنوا بعضهم ..

الظالم بيبدأ يعض على إيديه من الندم ..

وجهنم بتبدأ تُجَر بـ ٧٠ ألف زمام .. كل زمام يَجره ٧٠ ألف ملك " والزمام ده زي سلاسل كده "

لو الكافر شافها هيتمنى لو يكون تراب ..

أما العُصاة ..
فاللي بيمنع الزكاة .. أمواله بتتحول لنار بيتكوي بيها ..

والمتكبرين بيحشروا زي النمل ..

وبيتفضحوا الغدارين واللي عندهم غِل والمغتَصِبين ..

والسارق بييجي باللي سرقه .. والخفايا بتبدأ تظهر ..

أما بقا الأتقياء .. فمبيفزعوش زيهم كده .. الأمر بيمر عليهم وكإنها صلاة ظهر .

نيجي بقا لخامس مرحلة .. واللي هي " الشفاعة "...

الشفاعة بتنقسم اتنين ..
عظمى وعامة ..

العظمى .. خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وحده للخلق يوم المحشر .. عشان يرفع عنهم البلاء ويتقدموا للحساب .

العامة .. خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره .. ودي عشان يخرجوا المؤمنين من النار ويرفعوا من درجاتهم .

طيب لما قلنا في العظمى إن النبي بيحاول يرفع البلاء عن المؤمنين عشان يتقدموا للحساب .. فده معناه إن المرحلة السادسه على طول بعد الشفاعه هي " الحساب " ...

يوم الحساب الناس بتُعرض على ربنا سبحانه وتعالى صفوفًا .. ربنا بيبدأ يوريهم أعمالهم ويسألهم عنها ..
عن العمر والشباب .. عن المال والعلم والعهد .. عن النعيم والسمع والبصر والفؤاد ..

الكافر والمنافق بيتحاسبوا قدام الخلائق جميعهم عشان يشهد عليهم الناس وتشهد عليهم الأرض والأيام والليالي والمال والملائكة والأعضاء ..
ده كله بيشهد عليهم لغاية ما يعترفوا بخطاياهم .

أما المؤمنين .. فربنا بيختلي بيهم ويعرفهم بذنوبهم .
المؤمن اللي بيبدي ندمه .. بيبدأ ربنا يقوله " سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ".

وطبعًا كلنا على دراية بإن أول من يُحاسب هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. وإن أول الأعمال التي يُحاسب عليها العبد هي الصلاة .

ده هينقلنا لآخر مرحلة هتكلم فيها النهاردة .. وهي مرحلة " تطاير الصحف " ...

بتبدأ الصحف تتطاير .. وياخد كل شخص صحيفته .. المؤمن بياخدها بيمينه والكافر والمنافق بياخدها بيساره وراء ظهره .

يبقى إيه أول سبع مراحل في الطريق للجنة والنار؟.. هقولهم تاني سريعًا

بتبدأ المراحل بالقبر مرورًا بالنفخ في الصور ثم البعث فالحشر فالشفاعه ثم الحساب ومن بعدها تطاير الصحف .

مش هطول أكتر من كده النهاردة وهكتفي بالقدر ده عشان الأمور متدخلش في بعضها معاكم ..

وبأمر الله الأسبوع الجاي هنكمل .. بحيث بردو نبدأ نبحث مع أنفسنا عن السبع مراحل دول تفصيليًا ونبدأ نستدل بآيات ربنا سبحانه وتعالى فيما يخصهم ..

وطبعًا خيركم من تعلم العلم وعلمه .. ده حديث للرسول صلى الله عليه وسلم .. فبالتالي المعلومة اللي نستفاد منها منبخلش بيها على غيرنا ..

والمره الجايه عايزه ألاقيكم بحثتوا وعرفتوا تفاصيل أكتر ونحاول نتناقش فيها المره الجاية بأمر الله .. بالإضافة كمان للي بيتسابق على العلم والمعرفة فهيبدأ يبحث عن السبع مراحل الجايين كمان .. عشان نتشارك جميعًا الأجر والثواب .

تنهيدة ارتياح وسعادة خرجت عن الجميع وبدأن في التحدث عن أمور عدة تخص الحياة حتى غادرت الفتيات واحدة تلو الأخرى .. وبقيت إيلاف بصحبة وجد حتى آذان العشاء ..

قامت بمهاتفة والدها الذي أخبرها كونه في عمل وقد نسي تمامًا أمر إقلاله لها في المساء لتقترح وجد بهدوء :
- ممكن تفضلي معايا النهاردة .. طنط رهف مش هتقول حاجه .. وأنا وماما بنبات لوحدنا في الشقة .

إيلاف بحرج :
- لا طبعا مش هينفع أتقل عليكم .

وجد بحزن :
- إيه الكلام ده يا إيلاف .. أومال لو مش عيلة واحده وطنط رهف قريبة بابا كنتي قلتي إيه !

إيلاف بتردد :
- مش القصد والله يا وجد بس ..

وجد وهي تستعد لمغادرة الغرفة :
- لا بس .. ولا مبسش .. أنا هخرج أقول لماما تستأذن طنط رهف وتنورينا الليلة .. هنقضي وقت حلو مع بعض بأمر الله .. وكده كده بكره أجازة .. فرصة متتعوضش بجد .

إيلاف بابتسامة استسلام :
- تمام يا ستي .

تحركت وجد من الغرفة وتحدثت مع والدتها التي استأذنت والدة إيلاف في أمر بقائها .. وقد لاقت الموافقة بعد وقت من الإقناع ..

دلفت وجد للغرفة من جديد وقامت بإخراج ثياب تناسب إيلاف وتركت الغرفة متجهة للمطبخ لتعد وجبة خفيفة لهما ..

(🌸لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار🌸)

أشرق الصبح وزُينت السماء بقرصها الذهبي وأشعته المبهجة التي تشق صفحة السماء في مظهر خلاب تعشق رؤيته تلك التي اعتادت على الجلوس ببلكون منزلها بعد أدائها للفجر تنتظر الشروق وهي تقرأ القرآن .

لكن هذا الصباح مختلف بعض الشي .. لم يحدث ما هو مميز بعد لكنه شعور بداخلها.

أغلقت كتاب الله ومن ثم وضعته في مكانه وولجت لغرفتها كي تسرق من الصباح ساعتين .. لكن صوت هاتفها الذي أعلن عن اتصال من رقم غير مسجل حال دون ذلك .

التقطت الهاتف وقامت بالضغط على زر الإجابة قبل أن تضع الهاتف فوق أذنها بصمت تام قطعه صوت الطرف الآخر والذي أتى بنبرة رجولية :
- السلام عليكم .. آنسة بدور؟

بدور بحمحمة :
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. اتفضل حضرتك .

الطرف الآخر برسمية :
- مع حضرتك علي شفيع الهجرسي .. من جريدة ( .... ).

بدور بانتباه :
- أهلا بحضرتك يا أستاذ علي .. اتفضل .

علي بهدوء :
- إن شاء الله في عند حضرتك لقاء النهاردة آخر النهار في الجريدة .. تشرفينا الساعه أربعه بأمر الله .. مناسب ؟

بدور بتأكيد :
- إن شاء الله طبعًا .. شكرًا لحضرتك .

أنهت الاتصال وهي تنظر لسقف الغرفة بتنهيدة ودعوة صامته بداخلها .. فهي مُقدمة على حياة جديدة ..

الفتاة في كل خطوة من حياتها تبدو وكأنها حياة جديدة ..
تولد طفلة لا يشغلها سوى لعبتها المكسورة .. تمر بها الأيام حتى تبدأ مرحلة الدراسة الأولى لها فتجد أن السنوات تركض بها والطفولة التي كانت تجد فيها حرية اللعب واللهو هنا وهناك بدأت تُسحب منها شيئًا فشيئًا .. لتنتقل لمرحلة دراسية تشعر فيها بالمسئولية قليلًا لكونها أصبحت فتاة لا بد وأن تتمتع ببعض الحياء والتمسك بالقيم الحسنة التي يجب أن تكتسبها من منزلها أولًا ثم من مدرستها ثم الحياة وتعاملها مع من تصادفهم في حياتها ..

أيضًا تمر الأيام والسنوات لتجد ذاتها أصبحت آنسة جامعية وعليها أن تحافظ على ذاتها في محيط قد يكون الفساد فيه أعظم من الصلاح بمراحل .. وقد يكون السيء غالب للجيد .. وهذه المرحلة تحديدًا هي من أخطر المراحل في حياتها .. لكونها تشعر بأنوثتها وحاجتها لتجربة كل ما تراه جديد في عالم متفتح .. وقد يكون بالأمر السيء أن تجد نفسها في عالم منفتح لا متفتح ..

فالمتفتح هو ما يعرف الجيد والسيء لكنه لا يقترب السيء .
أما المنفتح فهو المنحدر خلف السيء رغم علمه به وبالجيد أيضًا .

من هنا دلفت بدور لعالم جديد وهو عالم السيدة العاملة .. لتتزايد مسئوليتها في الحياة وتصبح أكثر حرصًا على نفسها من المطامع حولها ..

لا تود التفكير فيما هو قادم بعد ذلك .. يكفيها أن ترى ماذا ستفعل في أيامها هذه وكيف ستثبت ذاتها في الوقت الراهن .

أفاقت من أفكارها على طرقات باب غرفتها لتركض سريعًا بعدما علمت لمن تعود تحديدًا ..

ألقت بنفسها بين أحضان والدها وهي تتحدث بفرحة :
- عندي لقاء النهاردة في الجريدة الساعه أربعه .. يعني من النهاردة هتبدأ تقول الصحفية بدور راحت الصحفية بدور جت .

صدحت ضحكته وهو يمسد خصلاتها بحب بعدما طبع قبلة حانية عليها متمتمًا بثقة :
- بنتي قد المسئولية وهتبقى أشهر صحفية في البلد بأمر الله .

بدور :
- يا رب يا بابا ياا رب .. ادعيلي كتير بالله عليك .

سفيان وهو يتقدم معها حيث المطبخ :
- بدعيلك من غير حاجة يا حبيبة بابا .. يلا الفطار جاهز بقا نفطر سوا وبعدين تنامي شوية .

تحركت معه للمطبخ وجلست بينهم بصمت تفكر فيما هي مقبلة عليه ..


(🌸وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا يهوى بها في جهنم سبعين خريفًا🌸)

صدح صوتها في المكان .. لينظر تجاهها الجميع .

شدا بصوت عالي :
- صباح كل حاجة حلوة على أحلى صحفيين في أحلى جريده ياجدعان .

علي بضحكة :
- إيه ياشدا انتي شاربة عصير قصب ولا إيه !

شدا بغمزة :
- لا يا برنس جايبة خبر هيرفع الجريدة دي لفوق .. فووووق أوي كمان .

حازم وقد دلف للتو :
- اشجيني يابطل .

شدا بابتسامة :
- اتوحشتك ياحازم جوي جوي .

حازم بضحكة صاخبة :
- واني عاد يابت عمي .. يلا يلا جولي إيه الخبر وارفعينا لفوووج جوي جوي .

ضحك الجميع على لهجتهما معًا .. فقالت شدا وهي تضرب يديها معًا كإعلان عن مفاجأة :
تجارة أعضاء في مستشفى كبيره في البلد وفيها أعظم الدكاترة كمان .

حازم بترقب :
- إوعي تقولي إن فراس هيضرب القاضية .

شدا بغمزة :
- انضربت وحياتك .

حازم :
- ااااخ .. فاتني كتير أنا .

شدا :
- شوفوا يا جماعة .. أنا معايا مستندات وتقارير من قلب غرفة صاحب المستشفى ذات نفسه ... لا ده من قلب جهازه الخاص كمان .. فاجهزوا كده عشان الأيام الجايه في شغل جامد .. وأنا جيالكم دلوقتي بعد ما خدت إذن رئيس التحرير .

علي بشغف :
- والله في وقتك يا شدا .. في دفعة صحفيين جديدة هتنضم للجريدة النهاردة .. فرصة ليهم دي .

شدا بغمزة :
- عد الجمايل يا زميلي .. يلا هطير دلوقتي واشوفكوا على آخر اليوم .. ابقى كلمني أول ما تجهزوا يا علي .. لسه رئيس التحرير قايلي دلوقتي على موضوع الدفعة ده .. وطلب نتكفل بالموضوع أنا وانت ورائد .

علي :
- تمام .. بس ابقي سيبي الفون مفتوح بس .

شدا بضحكة :
- ولو مقفول هتمشي الأمور انت يا عِلوه .

خرجت من المكتب ليتنهد علي وهو يفكر بأمر تلك المختمرة .. هل ستجد فرصتها بين هذا العدد من الصحفيين ؟.. هل ستتمكن من أن تكون بشخصية قوية كشدا مثلًا .

انفلتت ضحكة منه وهو يتذكر أول موقف بينه وبين شدا هنا .. لقد كادت تلكمه بسبب غيظها منه لكونه لا يتحدث مع الفتيات كثيرًا ويتعامل بحدود مع الجميع .. فظنت أنه ينفر منها فتشجارت معه حتى علمت من رائد صديقه طبيعة شخصيته .. فاحترمته كثيرًا وأصبحا زميلي عمل .

شدا فتاة ذات شخصية قوية للغاية .. لا تخشى أحدًا ولا تصمت على خطأ .. كما أنها جريئة .. ليست محجبة للأسف .. لكنها تتمتع بشخصية جيدة .. تعلم متى تتحدث ومتى تصمت .. وتعلم مع من يمكنها أن تتحدث ومع من لا يجب أن تتحدث .. الجميع هنا يحبونها للغاية .. لها لدى كل فرد هنا فضل ما .. تتخذ من حازم صديق مقرب .. أو ليكن صادقًا أكثر فهو كأخيها تمامًا .. لا تتحرك بدونه ولا يتحرك هو دونها ..

يخشى أن يتحدث إلى شدا كي تكون المسئولة عن قلم بدور فيحبها حازم ..

ماذا !!!!
وما شأنه هو إن أحبها أو لا ؟.. ما هذا التفكير العقيم الذي يفكر فيه !

نفض عقله سريعًا وهو ينتبه لما يفعله منتظرًا قدوم الساعة الرابعة ليرى ما يمكن أن يحدث ..

مر الوقت سريعًا وأعلنت عقارب الساعه عن بلوغ الساعة الرابعة ..

رفع ناظريه إلى الباب ينتظر خطاها .. وكأنها قد استمعت لنداء عينيه .. لمحها تتقدم بخطوات ثابتة وهي تتلفت هنا وهناك ..

تقابلت نظراتهما لتبتسم بعملية وتقدمت منه ليقف في مكانه وهو يرحب بها :
- أهلا وسهلا يا آنسة بدور .. في ميعادك مظبوط .

بدور بهدوء :
- الحمد لله .

علي بابتسامة :
- شوفي يا آنسة بدور .. احنا هنا تقريبا مش جريده كبيرة للدرجة اللي هي يعني بس كلنا هنا زي الاخوات .. إيد واحدة وبنحب الخير لبعض وبنآمن ببعض وده تقريبًا سر نجاح الجريدة .. لإننا مبنقفش لبعض .. بتمنى تلاقي هنا مبتغاكي .. وبالمناسبة .. في خبر طازة لسه داخل الجريدة من كام ساعه .. لسه ممعناش تفاصيله .. بس اللي معاها التفاصيل اتفقت معاها إن الخبر ده يكون تحت إيد الصحفيين الجداد وهي وافقت .. فده هيبقى اختبارك الأول .

بدور وهي تأخذ شهيقًا قويًا :
- أنا كنت فاكره إن الموضوع فيه تدريبات مثلًا .. مش جد من أولها كده .

صدحت ضحكة عنه وهو يهز رأسه للجانبين قبل أن يتابع حديثه :
- لازم تاخدي ع الجد من أولها .. ومتقلقيش أنا موجود ديمًا وفي ضهرك وارجعيلي ديما في أي حاجه تحتاجيها .

لا يعلم لماذا قال جملته هاته .. لكن ما يعلمه أنه قالها بشكل لا يخص العمل على الإطلاق .. تلك البدور خطر !!!

بدور مقاطعه شروده سريعًا :
- ربنا يبارك في حضرتك .. طيب أنا دلوقتي هعمل إيه؟

علي وهو ينظر خلفها :
- دلوقتي هعرفك على شبح الجريدة .

عقدت حاجبيها بعدم فهم قبل أن تنتبه لصوت شدا التي جلست أمامها بعدما ألقت مجموعة من المفاتيح والهاتف إلى المكتب وهي تزفر بضجر .

علي بحمحمة :
- أهي على طول كده .. سيرتها تيجي من هنا تلاقيها فوق دماغك من هنا .

شدا عاقدة حاجبيها :
- مين دي ؟

علي :
- انتي يا شبح .. المهم .. أقدملك ياستي .. الآنسة بدور الشوادفي .. صحفية جديدة هنا وان شاء الله هتكون ضمن الفريق اللي هيكتب عن تجارة الأعضاء .

شدا بابتسامة ودودة :
- إسمك على اسم الشعنونة أختي .. أهلا يا بدور .

بدور بابتسامة :
- أهلا بحضرتك .

حازم مقاطعًا :
- شدا .. لؤي في القسم دلوقتي .. يدوب .

علي متدخلًا :
- مش لؤي ده هو نفسه العميد الغتت باين ؟

حازم بضحكة صاخبة :
- يا نهااار لو سمعك يا نهااار .

شدا وهي تقلب عينيها بضجر :
- مفيش إفصاح عن أخبار النهاردة بالمناسبة .. لسه هروح للؤي .. في شوية حاجات كده الأول تخص القضية .

علي :
- خلاص تمام .

شدا :
- فرصة سعيدة يا بدور .

بدور بابتسامة :
- أنا أسعد .

حازم مقاطعًا :
- إيه ده إيه ده .. وجه جديد معانا .. وكمان اسمك بدور .. ده يا ألف أهلا وسهلا يعني

بدور برسمية :
- أهلا بحضرتك .

غادر حازم وشدا ليتحدث علي بهدوء :
- تقدري يا آنسة بدور تستلمي مكانك دلوقتي وتتعرفي على باقي الزملاء .

أماءت بدور بابتسامة هادئة وتحركت بعدما شكرته ..

ليبتسم في أثرها وهو يراقب ابتعادها عن المكان بقلب ينبض بشعور جديد لم يسبق له الشعور به .

(🌸لا تسبوا الشيطان وتعوذوا من شره🌸)

يجلس فوق عُشب حديقة المنزل يقرأ في أحد الكتب الخاصة بوجد والتي وجدها فوق الأرجوحة ..
ألقى بجسده فوق العشب وهو ينظر للسماء ويضع يديه أسفل رأسه كالوسادة .. ترى لماذا لم تخرج وجد بعد !.. لقد علم من جدته أنها لا تزال نائمة .. هي لا تتأخر في النوم هكذا حتى وإن سهرت لوقت متأخر أيضًا لا تنام لهذا الوقت ..

قطع سيل أفكاره صورتها التي ظهرت فوق رأسه لتظلل عليه وهي تناظره بغيظ ..

بشير بضحكة :
- طب وربنا لو افتكرت قرد أحول ما كان هيطلعلي كده .

وجد وهي تقرص وجنته بغيظ :
- قرد يا نسناس .. قوم يا بني اتعدل عندنا ضيوف في البيت .

بشير وهو يعتدل :
- ضيوف مين ؟.. وفين دول .. أنا هنا من بدري أوي محدش جه .. ولا هما لسه هييجوا ولا إيه ؟

وجد بتوضيح :
- لا لا .. دي إيلاف قريبتنا بايته معايا من امبارح .

بشير وقد تعانفت ضربات قلبه :
- في حاجه ولا ايه؟

وجد :
- لا .. خدتنا القعده والوقت اتأخر وأنا استأذنت طنط رهف تقعد معايا .. بس هي مصممه تروح دلوقتي .. فهوصلها بقا للطريق .

بشير بسرعه :
- وتروح في تاكسي ليه؟.. انتي وراكي حاجه؟

وجد بخبث :
لا مش ورايا حاجه .. كنت هطلب منك نوصلها بس انت تعبان بقا فخلاص .

بشير وهو ينفض ملابسه :
- لا لا مش تعبان ولا حاجه .. هنوصلها إحنا .

ناظرته وجد بشك ليتابع بحمحمه :
- عيب يعني تبقى عندنا وتروح في تاكسي واحنا عندنا العربيه بره .

وجد بحاجب مرفوع :
- أيوه صح .. عيب فعلا .

دفع بشير وجهها وتحرك من أمامها بغيظ وهو يلقى بكلماته قبل أن يركض للأعلى :
- لما تجهزوا ناديلي .

ارتسمت ابتسامة فوق ثغرها وهي تتنهد براحة وقلبها يدعو دعوة صامته لله عز وجل .

بعد وقت لا بأس به .. أدار بشير سيارته منتظرًا خروج وجد وإيلاف التي ما إن ظهرت ووقعت عينيه عليها حتى استدار بوجهه سريعًا في الجهة المعاكسه كي لا يُفضح ما يحاول هو أن يواريه عن نفسه قبل الجميع .

بينما لمحته إيلاف ليتألم قلبها في الحال ظنًا منها أنه ينفر من ملامحها كغيره ..

كانت على وشك أن ترفض الذهاب معه لكن يد وجد التي فتحت لها الباب الخلفي ومن ثم تبعته بدلوفها في المقدمه جعلتها تذدرد غصتها مع اعتراضها وركبت معهما في صمت تام ..

(🌸لأن يزني الرجل بعشر نِسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، ولأن يسرق الرجل من عشر أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره🌸)

تحركت من بين الجميع تغادر الجامعة بصمت .. لكن صدمها رؤيتها لوسيم يجلس حيث كان يجلس ريان قبله .. ولا تعلم لماذا ضرب قلبها بعنف في هذه اللحظة ..

لم تدري بقدمها التي توقفت وعينيها التي ترتكز داخل عينيه تمامًا ..

انتبهت أخيرًا حينما رأته يتحرك تجاهها فأخذتها قدماها مباشرة للخروج .. لكنها توقفت وهي تستمع لصوته يناديها ..

التفتت له في جزع وتحولت نظراتها في الحال إلى الجمود .

وسيم بحمحمة :
- سمعت صحابك بينادوكي سندس .. ولا ده اسم دلع ولا إيه ؟

سندس بنبرة خرجت متوترة رغمًا عنها :
- خير حضرتك عايز حاجه ؟

وسيم :
- أبدًا أنا بس كنت جايبلك ده .. بما إني كنت السبب يعني في إن فونك يتكسر .

نظرت سندس ليده الممدودة بحقيبة صغيرة ومن ثم نظرت له بضيق وتحدثت وكأنها تفرغ تلك الشحنة السلبية المكتومة بداخلها :
- بأي صفة أصلًا تجبلي تليفون ؟ وبعدين مين قالك إنه اتكسر ؟ لو سمحت إلزم حدودك في التعامل .

أنهت عبارتها وتركته يقف محله مزهولًا من رد فعلها وقد احتلت تعابيره الضيق من رفضها ولهجتها .. لكنه صبور .. بالطبع صبور .

بينما خرجت سندس من الجامعة وأخذت طريق عودتها للمنزل سيرًا على الأقدام في شبه خطوات راكضة .. ماذا حدث ؟ لما هي بهذه الحالة ؟ لماذا جلس في مكان ريان اليوم ؟ هذا المكان ملك خاص لشخص واحد فقط ولا يحق لسواه أن يجلس فيه ؟ لماذا تشعر أن قلبها يكاد يبكي ؟ روحها منطفئة والحياة معتمة بشكل محزن لفتاة تعشق الحياة مثلها .

لماذا تشعر بالتيه هكذا ؟.. فتاة أخرى عليها أن تكون إلى جانب من أحبت تقويه على مصاعب الحياة وتأخذ بيده كي يكون أقوى ويمر من محنته !.. لكن أين عقلها هي ؟ فيما تفكر ؟

يعود حديث والدتها يضرب جدار عقلها من جديد فيصيبها بالتيه أكثر وأكثر .. هل يحبها ؟.. هل أخفى عليها من حبه لها وعدم قدرته على رؤيتها تتألم بسببه ؟.. هل هي مجرد تعود في حياته ؟ إن كانت كذلك .. فهذه الفتره هي خير دليل على كونه سيعود دون أن يكون لها مكان في حياته .. إن كان قد استطاع أن يحيا ألمه دونها فسيحيا السعادة دونها أيضًا ..

لم تدري بنفسها سوى وهي أمام غرفته مع كل هذا التشوش الذي تحياه ..

طرقت على الباب بهدوء مميت ليأتي صوت والدته من الداخل يأذن لها بالدخول ..

خطت خطواتها الأولى لترى ريان موليًا ظهره لها يجلس ناظرًا للشرفه .. بينما تحركت ديالا سريعًا تجاهها بسعادة عارمة وهي ترحب بها وبقدومها ..

التفت على صوتها نصف التفاتة .. لقد اشتاق لها .. يعترف .. أضناه الشوق لرؤية ابتسامتها وضحكتها المفعمة بالحياة ..

لكن ما ألجمه حقًا أنها لم تنظر له .. لم تلقي عليه كلمه .. لم تتحدث سوى مع والدته تخبرها أن تهاتفها ما إن كانت بحاجة لشيء ما ..

(🌸من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه🌸)

خرج من المحكمة بعدما انتهى من إحدى مرافعاته وزفر بقوة وهو ينظر لكل شيء ..
أخذ شهيقًا عميقًا قبل أن يرفع هاتفه لأذنه مجيبًا عن اتصال من اللواء سامي والذي طالبه بالحضور في الحال ..

استقل سيارته وذهب حيث الجهاز وقام بارتداء نظارته الشمسيه قبل خروجه من السيارة ثم قام برفع غرته بأطراف أنامله وطرقع رقبته في حركة سريعة مع زفير قوي أخرجه تزامنًا مع خروجه من السيارة دالفًا للجهاز بثباته المعهود ..

طرق بخفة على باب مكتب اللواء وولج ما إن أذن له بذلك ..

عمار عاقدًا حاجبيه :
- خير اللهم اجعله خير .

فهد بابتسامة :
- خير يا عم مالك مخضوض كده !

عمار بضحكة خفيفة :
- لما أشوف الفريق متجمع كده في مكتب اللوا لازم أتخض .. خير يا سامي بيه .. الطلعه على فين المرادي

اللواء بهدوء :
- مفيش طلعه ولا حاجه .. بس في تفاصيل هنتكلم فيها .. وصلنا معلومات جديدة .

عمار بتساؤل وهو يجلس إلى جوار فهد :
- زي إيه ؟

أماني وهي إحدى أفراد الفريق الذي يعمل مع عمار :
- زي إن مهمة الجامعه للأسف منتهتش لحد دلوقتي .

صدمه الأمر لكن تعابير وجهه لم تتغير فتابع سعيد بدلًا عنها وهو أحد أفراد الفريق أيضًا :
- عربية التبرعات دي كانت نقطة في بحر اللي بيحصل جوا الجامعه .. ده غير إن غادة أصلا انكشفت قبل ما تتم المهمه بس هما مشوا الدنيا زي ما هي وضحوا بكبش الفدا مقابل مبالغ ماليه سواء بقا اللي كان في عربية التبرعات أو اللي دخل بكارنيه التمريض المضروب .

اللواء متابعًا :
- ولسه لحد دلوقتي الأعمال دي بتتم داخل الجامعه .. ضيف عليهم إن جوا الجامعه في إيد بتحرك الناس دي .. ولحد دلوقتي مجهولة ... لكن اللي لينا في الجامعه بلغ عن كذا حد مشكوك فيهم .. وفي الواقع .. مش قادرين نمسك عليهم حاجه .

عمار بهدوء :
- مين اللي لينا في الجامعه ؟

اللواء بتوتر :
- ده مش موضوعنا يا عمار .. دلوقتي إحنا معانا المعلومات اللي عرفتها دي .. الباقي عليك .

عمار بتنهيدة :
- نخلص من الشحنة اللي جايه قريب ونفوق كلنا للجامعه ..

تابع وهو ينظر بعيني اللواء :
- وأولنا العين اللي لينا في الجامعه .

أشاح اللواء بنظره ليقف عمار مستعدًا للذهاب بعدما ألقى كلماته :
- خليكوا جاهزين عشان قريب هنعرف خطة المداهمه .

نظرت أماني للواء في تساؤل :
- مين اللي لينا في الجامعه حقيقي؟.. وليه خافي هويته عننا ؟

اللواء بهدوء :
- كل حاجه في وقتها حلوه يا أماني .

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الثانية عشر بقلم دنيا الشملول

تحركت من بين الجميع تغادر الجامعة بصمت .. لكن صدمها رؤيتها لوسيم يجلس حيث كان يجلس ريان قبله .. ولا تعلم لماذا ضرب قلبها بعنف في هذه اللحظة ..

لم تدري بقدمها التي توقفت وعينيها التي ترتكز داخل عينيه تمامًا ..

انتبهت أخيرًا حينما رأته يتحرك تجاهها فأخذتها قدماها مباشرة للخروج .. لكنها توقفت وهي تستمع لصوته يناديها ..

التفتت له في جزع وتحولت نظراتها في الحال إلى الجمود .

وسيم بحمحمة :
- سمعت صحابك بينادوكي سندس .. ولا ده اسم دلع ولا إيه ؟

سندس بنبرة خرجت متوترة رغمًا عنها :
- خير حضرتك عايز حاجه ؟

وسيم :
- أبدًا أنا بس كنت جايبلك ده .. بما إني كنت السبب يعني في إن فونك يتكسر .

نظرت سندس ليده الممدودة بحقيبة صغيرة ومن ثم نظرت له بضيق وتحدثت وكأنها تفرغ تلك الشحنة السلبية المكتومة بداخلها :
- بأي صفة أصلًا تجبلي تليفون ؟ وبعدين مين قالك إنه اتكسر ؟ لو سمحت إلزم حدودك في التعامل .

أنهت عبارتها وتركته يقف محله مزهولًا من رد فعلها وقد احتلت تعبيره الضيق من رفضها ولهجتها .. لكنه صبور .. بالطبع صبور .

بينما خرجت سندس من الجامعة وأخذت طريق عودتها للمنزل سيرًا على الأقدام في شبه خطوات راكضة .. ماذا حدث ؟ لما هي بهذه الحالة؟ لماذا جلس في مكان ريان اليوم؟ هذا المكان ملك خاص لشخص واحد فقط ولا يحق لسواه أن يجلس فيه؟ لماذا تشعر أن قلبها يكاد يبكي؟ روحها منطفئة والحياة معتمة بشكل محزن لفتاة تعشق الحياة مثلها .

لماذا تشعر بالتيه هكذا؟.. فتاة أخرى عليها أن تكون إلى جانب من أحبت تقويه على مصاعب الحياة وتأخذ بيده كي يكون أقوى ويمر من محنته !.. لكن أين عقلها هي ؟ فيما تفكر ؟

يعود حديث والدتها يضرب جدار عقلها من جديد فيصيبها بالتيه أكثر وأكثر .. هل يحبها ؟.. هل أخفى عليها من حبه لها وعدم قدرته على رؤيتها تتألم بسببه ؟.. هل هي مجرد تعود في حياته ؟ إن كانت كذلك .. فهذه الفتره هي خير دليل على كونه سيعود دون أن يكون لها مكان في حياته .. إن كان قد استطاع أن يحيا ألمه دونها فسيحيا السعادة دونها أيضًا ..

لم تدري بنفسها سوى وهي أمام غرفته مع كل هذا التشوش الذي تحياه ..

طرقت على الباب بهدوء مميت ليأتي صوت والدته من الداخل يأذن لها بالدخول ..

خطت خطواتها الأولى لترى ريان موليًا ظهره لها يجلس ناظرًا للشرفه .. بينما تحركت ديالا سريعًا تجاهها بسعادة عارمة وهي ترحب بها وبقدومها..

التفت على صوتها نصف التفاتة .. لقد اشتاق لها .. يعترف .. أضناه الشوق لرؤية ابتسامتها وضحكتها المفعمة بالحياة ..

لكن ما ألجمه حقًا أنها لم تنظر له .. لم تلقي عليه كلمه .. لم تتحدث سوى مع والدته تخبرها أن تهاتفها ما إن كانت بحاجة لشيء ما ..

عاد بناظريه للشرفة فأتاه صوتها المتسائل بنبرة لم يفهمها جيدًا ولم يستطع تفسير ما خلفها :
- إزيك يا ريان ؟

ريان بصوت خافت :
- الحمد لله .

سندس وهي تستعد للذهاب :
- ربنا يتم شفاك على خير .. بعد إذنك يا طنط هروح بقا .

ودعتها ديالا وعادت للجلوس إلى الفراش وهي تنظر لريان الذي أظلمت ملامحه ..

الظلام عادة في انقطاع الكهرباء .. لكن في حالته هو .. الظلام نابع من خذلانه ممن أحب واستثنى .. لقد خذله استثناؤه لها .. وهذا كافٍ ليصبح أسوء مما كان عليه .

كلمة .. كلمة منها فقط كانت كفيلة بأن تهون عليه كل تلك الآلام التي يحياها .

نظرة .. نظرة واحدة فقط يملؤها الحب كانت كفيلة بأن تجعله ينسى كل تلك النظرات المشفقة عليه، لكنها كانت كمالة عدد المشفقين .

إن كان عليه أن يقول شيئًا الآن .. فلن يكون سوى كلمة شكر !! سيشكرها لجعله أسوء من أسوء بارد على وجه الأرض .. سيشكرها لجعله يوقن أن الحب ما هو إلا كذبة .. كذبة أقوى بكثير من أن يتحملها طرف أحب بصدق .. كذبة أكبر من أن تُغتفر .. كذبة لن يُسامح نفسه لأنه وقع بها .

لقد آذته حينما شعر بتلك المسافة بين حضورها وغيابها .. آذته حينما كانت تحبه يومًا وتبتعد الآخر .. آذته حينما كان حضورها قضاء واجب .. آذته حينما كان هو الاختيار الأول في التخلي والبُعد لديها .

ألمه منها بحجم ما كان يحمل من مشاعر بقلبه تجاهها .

لقد بدأ يتقبل الأمر برحابة صدر .. تيقن الآن فقط أن لا أحد يبقى للنهاية .. لا أحد صادق فيما يقدم من مشاعر .. لا أحد سيتقبلك بعيوبك التي ستكون على أتم الإستعداد لتغييرها من أجله ..

كل ما عليك فعله أن تكون أنت .. أنت فقط .. لا تتحول لآخر من أجل آخر .. كن أنت حتى لا تخونك اختياراتك .. كن أنت حتى لا تتعقد أمور حياتك .. كن أنت حتى لا تشعر بكم المهانة التي وضعت ذاتك بها كي تحصل على مكانة بقلب أحدهم أو لتكون أحد اختياراته .. كن أنت ولا تكن سواك .

(🌸لَعْنُ المؤمن كقَتْلِه🌸)

بعد وقت لا بأس به .. أدار بشير سيارته منتظرًا خروج وجد وإيلاف التي ما إن ظهرت ووقعت عينيه عليها حتى استدار بوجهه سريعًا في الجهة المعاكسه كي لا يُفضَح ما يحاول هو أن يواريه عن نفسه قبل الجميع .

بينما لمحته إيلاف ليتألم قلبها في الحال ظنًا منها أنه ينفر من ملامحها كغيره ..

كانت على وشك أن ترفض الذهاب معه لكن يد وجد التي فتحت لها الباب الخلفي ومن ثم تبعته بدلوفها في المقدمه جعلتها تذدرد غصتها مع اعتراضها وركبت معهما في صمت تام ..

أرادت وجد أن تقطع هذا الصمت السائد فتحدثت بهدوء موجهه حديثها لإيلاف :
- هتيجي الأسبوع الجاي يا إيلي بأمر الله صح؟

إيلاف بنبرة مهزوزة :
- اا اه انـ ان شاء الله .

وجد :
- هستناكي .. ولو احتجتي أي حاجه كلميني متتردديش أبدًا .

إيلاف بابتسامة متوترة :
- تسلميلي .

وجهت وجد حديثها لبشير بمزاح :
- ما أسكت الله لك حِسًا .. خير يا ضنايا مؤدب ليه ؟.. اا .. قصدي ساكت ليه !

دحجها بشير بغيظ قبل أن يدفع وجهها متحدثًا بضجر :
- عامل احترام لبنت عمي ياسر .. لكن انتي مينفعش معاكي الاحترام أصلًا .

استدارت وجد تناظر إيلاف التي تنظر لها بخجل لتضحك وجد عليها قبل أن تقترح تشغيل المسجل الخاص بالسيارة ..

قام بشير بتشغيل المسجل على إحدى القنوات ليصل لمسامعهم سؤال يختم إحدى الحلقات الدينية " من هم أهل الأحقاف ؟ "
انتهت الحلقة الدينية عن هذا السؤال ليُعلن المذيع كون الإجابة ستكون في الحلقة القادمة ..

إيلاف ببعض التردد :
- اا .. وجد .

ناظرتها وجد باهتمام :
- نعم يا قمر .

إيلاف :
- مين هما أهل الأحقاف ؟

شعرت وجد بيد بشير التي أمسكت بيدها لتبتسم بخفة وهي توجه حديثها لبشير بتساؤل :
- بشير ذكرنا بأهل الأحقاف كده لو سمحت .

بشير بابتسامة واسعة :
عيوني .. أهل الأحقاف دول يا ستي هما أهل " عاد الأولى ".. الأحقاف دي كان إسم مكان في اليمن ..
نسب " عاد الأولى " بيرجع لنبي الله نوح - عليه السلام -..
الناس دي كانوا بيسكنوا في بيوت بأعمدة ضخمه .. وده ذُكر في القرآن الكريم في سورة الفجر لما ربنا قال :
" إرم ذات العماد .. التي لم يُخلق مثلها في البلاد "
وكانوا بيبنوا القصور العالية والحصون المرتفعة وكانوا بيتفاخروا ببنائها .. وده بردو ذُكر في قول الله تعالى في سورة الشعراء :
" أتبنون بكل ريع آية تعبثون .. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون "

كانت عندهم حضارة عظيمة جدًا .. وكانوا بيزرعوا من خيرات الله ما لا يُحصى .. وده لإن عندهم ميه كتير وعذبة .. طبعا كتر الخير وكتر المال .. ده غير أن ربنا خلقهم بخلقة مختلفة عن البشر شوية منحيث القوة والطول .. لدرجة إنهم لو حاربوا فهما الفائزين في أي حرب ..
فكان ربنا بيقول في كتابه :
" وإذا بطشتم بطشتم جبارين .. فاتقوا الله وأطيعون .. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون .. أمدكم بأنعام وبنين .. وجنات عيون "

وتخيلوا بقا .. إن مع النعم دي كلها .. إلا إنهم أشركوا بالله .. وعبدوا الأصنام .. وكانوا هما أول قوم يعبدوا الأصنام بعد الطوفان ..

من رحمة ربنا بعباده .. أرسل ليهم نبي منهم يدعوهم إلى الله وعبادته .. النبي ده هو هود - عليه السلام - ..

قالهم :
" يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون "
سألوه انت مين عشان تقولنا الكلام ده .. فرد عليهم :
" إني لكم رسول أمين .. فاتقوا الله وأطيعون "

رجعوا قومه ردوا عليه باستكبار :
" إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين "

فرجع هود عليه السلام يبررلهم :
" ياقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين .. أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين"

برضو استنكروا وقالوا :
" يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن بمؤمنين "

ورجعوا قالوا إن الآلهة بتاعتهم غضبانة عليه عشان كده ابتلوه بالجنون ..

وهود كباقي الرسل والنبيين كافح وحاول وسعى وفضل يدعي فيهم لطريق ربنا والخير .. وفضل يذكرهم بنعم ربنا عليهم من خيرات في الأرض .. فكان بيقولهم :
" واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون .. أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون "

ورجع قالهم برضو :
" وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يُرسل السماء عليكم مدرارًا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين "

ملقاش منهم بقا غير قلوب حجر وإصرار على الكُفر ونكران النعمة والفضل اللي ربنا مَن عليهم بيه .. ومكنوش بيقابولوه غير بالسخرية منه .. فقال لهم :
" إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون .. من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون .. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم .. فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أُرسلت به إليكم ويستخلف ربي قومًا غيركم ولا تضرونه شيئًا إن ربي على كل شيء حفيظ "

استكبروا تاني وقالوا لهود باستخفاف :
" ومن أشد منا قوة ".. وفضلوا يستهزأوا بيه ويسخروا منه ويستعجلوا العذاب في استهزاء وضحته الآية الكريمة اللي بتقول :
" فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين "

فرد عليهم هود عليه السلام وقال :
" قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين "

بدأ بعدها عذاب ربنا سبحانه وتعالى لقوم عاد بإنه أرسل عليهم الحر الشديد .. وجفت الآبار والأنهار .. وماتت الزروع .. وانقطع المطر لفترة طويلة ..

بعدها جه سحاب عظيم ... أول ما شافوه ظنوا الخير جالهم خلاص وفرحوا جدا إنها هتمطر وترجع لهم الحياة .. فقالوا :
" هذا عارض ممطرنا "
لكنهم اتصدموا بالرياح الشديدة اللي هبت عليهم واستمرت سبع ليالي وتمن أيام بدون انقطاع .. دمرت كل شيء ..
وده ذُكر في قول ربنا سبحانه وتعالى :
" ريح فيها عذاب أليم .. تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين "

منجاش من الريح دي الا هود واللي آمنوا معاه وده بدليل من كتاب الله بيقول :
" فأنجيناه والذين آمنوا معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين " .
بس كده .

ابتسمت إيلاف بإعجاب كبير لطريقته المبسطة والمسنودة بكتاب الله تعالى في كل موقف .. فخرج صوتها مهزوزًا بعض الشيء :
- متشكرة أوي .. و .. وربنا يزيدك .

بشير :
- وإياكي يا رب .. ومفيش شكر ولا حاجه .

وصل بها إلى حيث منزلها فشكرتهما بهدوء قبل أن تغادر .. ولا تعلم ماهية شعورها الجديد هذا .. وفي واقع الأمر هي لا تود معرفته كذلك .. فهي لن تُمني نفسها بما هو مستحيل .. تذكرت كيف أشاح وجهه عنها حينما خرجت من بوابة المنزل .. لكنه كان يتحدث بأريحية كبيرة في السيارة ويمزح مع وجد ..

تنهدت بقوة وهي تستعد لدلوف البوابة لكنها اصطدمت بسندس التي تدخل بشرود ..

إيلاف بتعجب :
- سندس !.. مالك يا حبيبتي انتي تعبانه ولا إيه ؟

سندس بانتباه :
- أهلا يا بنت خالي .. ازيك عامله ايه ؟

إيلاف بحمحمة :
- الحمد لله بخير .. اا .. انتي كويسه ؟

أماءت سندس دون أن تتحدث وتركتها حيث هي ودخلت إلى المنزل لتعقد إيلاف حاجبيها بحزن لهذا التباعد بينها وبين ابنة عمتها .. رغم كونهما تعيشان في منزلين ببوابة كبيرة واحدة ولا يفصل بيتيهما سوى الحديقة .

(🌸عُذبت امرأة في هِرَّة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار🌸)

وقفت أمام المرآة بعد أن أخذت حمامًا دافئًا وارتدت ملابس بيتية مريحة وأخذت تطرقع رقبتها يمينًا ويسارًا ومن ثم جذبت المجفف وبدأت بتجفيف خصلاتها وهي تشرد في اللاشيء
كانت لا تزال على حالتها حينما طُرق باب الغرفة وتلاه دخول توأمها المنهكة ..
نظرت لها ببعض التعجب لكونها بملابس الخروج وكأنها عادت للتو من الخارج !.. كيف ذلك لقد تجاوزت الساعه الثامنة مساءً !

أعربت عن سؤالها بفضول :
- انتي لسه جاية من بره ولا إيه ؟

أماءت بدور وهي تلقي حقيبتها فوق الفراش ولحقت بها وهي تتنهد بتعب .

بدر بتعجب :
- انتي كنتي فين وجايه همدانه كده ؟

بدور وهي تعتدل نصف جلسة :
- ما انتي لا بتسألي عني ولا عن غيري عشان تعرفي حاجه عن أهل البيت .. يعني مثلا روضه ورضوى امتحاناتهم الأسبوع الجاي .. تعرفي ده ؟.. أو عرضتي عليهم المساعدة في حاجه ؟.. أنا مثلا استلمت شغلي في الجريدة .. تعرفي حاجه عن الموضوع ده ؟.. قابلتيني تسأليني عملتي إيه ووقتك كان عامل إيه هناك أو مرتاحة في شغلك ده أو سألتيني حتى عامله إيه وصحتك عامله إيه ؟.. طبعًا لا .. وده لإنك مبتفكريش غير في نفسك ومبتهتميش غير بنفسك .. وعايشة بس عشان نفسك .. لا فارق معاكي مين داخل ولا مين خارج .. مين تعبان ومين مرتاح .. مين حاضر ومين غايب .. طب ده حتى أنا مستعده أحلفلك إنك لو نعسانه كنتي هتدخلي تنامي رغم إني مش معاكي في الأوضة .. وده كان هيبقى شيء مش فارق معاكي من أصله .

انتهت من ضخ مكنون غيظها من بدر في وجهها وتحركت تجاه خزانة الملابس جاذبة ثوب الاستحمام ومتعلقات طقوسها المسائية وخرجت من الغرفة بصمت تام دون أن تلقى نظرة واحدة تجاه بدر التي تقف محلها تنظر في المرآة بدون تعبير ..

ابتسمت بتهكم وهي تفكر فيما تفوهت به توأمها .. حسنًا .. لم تخطئ بدور في شيء مما قالت .. ولكن ماذا عنها ؟.. هل أعطتها بدور شيء من اهتمام مثلما تطالبها به ؟.. هل فكرت في سؤالها عن حالها أو عن عملها بالنادي ؟.. بدور لا تفعل شيء في حياتها سوى أن تنتقدها في كل صغيرة وكبيرة ..
ملابسك ضيقة .. حجابك قصير .. صوتك مرتفع .. حذاؤك يصدر صوتًا .. عِطرك نفاذ ..
كل شيء تفعله مُنتقد من قِبلها ..
روضه ورضوى لا ينتظرون منها أو من غيرها مساعدة .. فهما متفقتان في كل شيء وتفعلان كل شيء معًا ..

واجهت نفسها بالمرآة في تساؤل .. لماذا ليست هي وبدور كرضوى وروضه !!

محت سؤالها سريعًا وهي تلقي المجفف بإهمال ومن ثم اتخذت مكانها فوق الفراش موليه ظهرها للباب وأجبرت عقلها عن التوقف والتفكير كي تذهب في سباتها ..

بينما أنهت بدور حمامها وخرجت إلى الغرفة ملقية نظرة على أختها وهي تحرك رأسها بيأس .. جففت خصلاتها ولحقت بتوأمها .. لكنها غطت في سباتها سريعًا بإرهاق .. رغم كونها لم تعمل بعد وكل ما فعلته هو المراقبة ورؤية ما يمكن فعله والتدرب لوقت بسيط على الكتابة .. إلا أن ذلك قد شكَّل إرهاقًا عليها لكونها لم تعتد العمل بعد .

(🌸قال صلى الله عليه وسلم:
البخيل من ذُكرت عنده فلم يصلي علي🌸)

قطع المسبح ذهابًا وإيابًا لعدد لا يعلمه، رفع جسده عن الماء واستند إلى أحد جوانب حمام السباحة وبإحدى يديه قام برفع خصلاته عن وجهه وباليد الأخرى رفع علبة الكنز التي تحوي الصودا السوداء المفضلة لديه وأخذ يرتشف منها شيئًا فشيئًا ..

رفع ناظريه لذاك القادم من بعيد ليبتسم بخفه وهو يضع الكنز من يده ومن ثم صعد ليجلس فوق الحافة تاركًا قدمه تتحرك في المياه بخفة ..

- ألا هو آخر مره اتقابلنا قلتلي إنك في كلية إيه ؟

كان هذا سؤال بشير المازح والذي بادله إياه عمار بضحكة رجولية مبحوحة بعض الشيء :
- مش فاكر حقيقي .. بس فاكر آخر كلية موجود فيها حاليًا وهي العلوم .

ضم بشير ملامح وجهه بطريقة مضحكة ولوح بيده وهو يتابع مزاحه :
- معامل وروايح وتشريح وآخر حلاوه .

مد عمار يده لبشير الذي صافحه بابتسامه قبل أن يجلس أرضًا إلى جواره :
- إيه الدنيا ؟ عامل إيه ؟

عمار بإماءة خفيفة :
- ماشية الدنيا الحمد لله .. انت إيه أخبارك ؟.. وتيتا مريم عامله إيه ؟ وأبوك والعيلة ؟

بشير بتنهيدة :
- كلهم بخير الحمد لله .. من وقت ما اتوفى جدي وحاسس البيت مفهوش روح خالص .. مبقاش فيه مرح وضحك زي الأول .. كل واحد بيزق يومه يعديه .

عمار وهو ينظر لنقطة ما بالفراغ :
- الإنسان لما بيكون حنين بيتحب بالجوارح يا بشير .. فراقه بيبقى صعب أكيد لإن ليه مكانه خاصه بيه .

بشير بتأكيد :
- فعلًا .. وجدي سايب أثر حلو أوي لنفسه في الحياه .. الشركه كلها بتترحم عليه يوميًا ... موظفين الشركة بيتنافسوا مين هيتصدق على روحه أكتر ومين هيذكره بالخير أكتر .. بيتنافسوا حتى على مين له ذكريات معاه أكتر .. سايب أثر حلو ليه في الدنيا .

عمار وهو يضع علبة الكنز إلى جواره بعدما فرغت :
- ربنا يرحمه ويرحم موتى المسلمين .

بشير :
- اللهم آمين يارب .. إيه انت بقا أخبار دنيتك وأحوالك ؟ مستقر في شغلك ؟

عمار بتأكيد :
- آه الحمد لله .. كله ماشي تمام .

بشير بتساؤل :
- ألا هو انت بتشتغل إيه لمؤاخذة ؟

ضحك عمار بقوة وهو يضرب كتفه بخفة متحدثًا بنفي :
- محامي يا حب .

بشير بابتسامة :
- ربنا يوفقك ديما .. بقولك بالمناسبة .. يوم الجمعه الجاية رايح كام مشوار خير كده .. ما تبقى تشوف دنيتك كده ولو يناسبك نروح سوا .

عمار :
- كلمني هجيلك في أي وقت .

بشير :
- يبقى اتفقنا ..

تابع وهو يقف استعدادًا للذهاب :
- هطير أنا بقى عشان أشوف الشركة .

عمار عاقدًا حاجبيه :
- انت مش جاي تلعب ؟

بشير وهو يرفع كتفيه وينزلهما بحركة سريعه :
- لا .. جيت أشوف جدي مروان بس واتطمن عليه .. وعرفت منه إنك هنا فجيت أشوفك .

عمار بتفهم :
- تسلم يا بشير .. سلام خاص للجميع عندك .

بشير وهو يلوح مغادرًا :
- ابقى خلينا نشوفك .. أخرج من جو الشغل والدراسه شوية .. في أمور تانية في الحياه محتاجه إنك تبص عليها .

غادر بشير ليتنهد عمار بقوه وهو ينظر للمياه بتفكير عميق ..
تسابقت الأحداث أمام عينيه عن ماضٍ لا يحبذ التحدث فيه كثيرًا أو التفكير فيه حتى .. لكن تأتي بعض الأحيان الغريبة والتي تُجبره على أن يتذكره رغمًا عنه ...

والدته ..
تلك التي تتخذ من عملها رقم واحد في حياتها ولا شيء يسبقه .. يعلم أنها رساله ويجب عليها أن تؤديها .. لكن رسالتها في أبنائها أولى بكثير من غيرهم ..

لا يذكر أنها أعطته من اهتمام الأمومة ما يكفيه ليكون رجلًا حنونًا مدركًا لمعنى الحنان الخاص بالأم .. لقد أنجبت والدته أصاله بعد عامين من إنجابها له .. لم يأخذ من حنانها ما يكفيه .. ولن يستطيع أن يحقد على أخته لكونها قد افتقدت الشيء ذاته حينما كانت تتركهما والدتهما بصحبة جدتهما معظم الوقت حتى تنتهي من عملها كدكتورة جامعية ..

حياته وأصاله استمرت لسنوات وهم بين منزل جدتهما ومنزلهما الذي يقطن بنفس البناية ...
جل ما كان يفعله هو ممارسته للسباحة وركوب الخيل .. حتي هذه الهوايات لم يهتم بها والده .. بل جده مروان هو من فعل ذلك ليكون عمار وبشير معًا ..

علاقته ببشير قوية في أصلها .. لكنها ساكنه .. ليست متجددة .. لا يتهاتفان كي يقضيان وقتًا مع بعضهما البعض .. لا يشكو أحدهما شيء للآخر ..
ومع ذلك يشعر أن علاقتهما قوية ..
بشير تلقائي للغاية .. لا يحتاج من يحادثه لأن يتكلف في حديثه .. وهذا أمر يحبه عمار .. يحب أن يكون على طبيعته ... أن يحترم الآخرون صمته دون أن يحاولوا التدخل فيما يخصه ..

هناك علاقات ليس لها أي مسمى .. ليست بالصداقة وليست بالأخوية وليست بالحب .. هي علاقة أجمل ما يميزها هو الارتياح .. فقط الارتياح الذي يتبادله الطرفين .. ولا يريد هذا من ذاك شيئًا .. لا عتاب .. لا حديث .. لا ضغوط .. فقط الارتياح .. وهذا ما يراه في علاقته ببشير .

علاقته بأصالة أشبه بعلاقة صديقين مقربين .. إنها صديقته المقربة .. تقوم بواجباتها كأخت له .. وفي ذات الوقت تعامله بمبدأ الصداقة ..

ضحك بخفة حينما تذكر مبدأ الصداقة لديها .. لقد أخبرته ذات مره أن كل علاقة في هذه الحياة تقوم على مبدأ ..

فمثلًا .. الأخوه مبدؤها :
( حينما أهاتفك وتلاحظ اختلاف نبرتي .. فلا تسألني ما بك ..
ولكن اسألني" أين أنت ".. واتبعها فورًا بـ " أنا قادم إليك " . )

في حين أن مبدأ الصداقة يندرج في عبارة :
" إن كانت رغبتك هي الصمت .. فسأبقى إلى جانبك منصتًا لصمتك "

أما عن مبدأ الحب :
" حينما أتقدم لله بالدعاء .. فسيكون اسمك سابقًا لاسمي"

يحبها كثيرًا ولا يحتمل عليها شيء .. هي له الأم والأخت والابنة والصديقة .

بينما علاقته بفجر تنحصر في جملتين " ملكش دعوه بأصاله ولا تضايقها عشان مزعلكش " ..
" اقفل الزفت يا فجر مش عارف اتخمد في النور واطلع ذاكر بره .. مش حليت المذاكره في أم الأوضه وأنا داخل أنام "

ذاد صوت ضحكته وهو يهز رأسه الجانبين متذكرًا محاولات فجر المستميته في جر شكله .. في حين يتعامل هو بكل برود فينقلب السحر على الساحر .. ويصبح عمار هو المستفز الوحيد في المنزل .

تنهد بقوة وهو يتذكر غادة .. تلك الطائشة المتعجرفة .. لم يرها منذ آخر مره .. ترى هل ماتت وارتاح الكوكب من عجرفتها !

قاطع سيل أفكاره وشروده صوت يعرف صاحبه حق المعرفة :
- قاعد كده ليه ؟ وسرحان في إيه كده ؟

عمار دون أن يلتفت :
- أبدًا .. بشير لسه ماشي .. فكنت هنزل الميه شويه وامشي .

مالك بعدم تصديق :
- بشير ماشي من عندي من ييجي نص ساعه يا بني .

لم يتحدث عمار فتنهد مالك وجلس إلى جوار ابنه في صمت .. ليعود عمار لدائرة شروده وهو يفكر .. لماذا لم يتذكر أو يطرق باب عقله علاقته بوالده ؟!!

(🌸من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شكله ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدِّر له🌸)

خرج من منزله بعدما لاقى العديد من التنبيه على الحضور باكرًا كي يلتقي بضيوف حفل الليلة ..

زفر بحدة وهو يمسك بهاتفه مُجريًا اتصالا هاتفيًا ثم ألقى بالهاتف إلى المقعد واتخذ طريقه للجامعه ..

وصل حيث البوابة .. لكن شيء ما بداخله يجعله يرفض الدخول لها .. وشيء آخر يدعوه لاستكمال ما بدأه ..

مستقبله لا ينحصر على هذه الشهادة التي لا فائدة منها في الواقع ..
كما وضعه الاجتماعي سيسهل له العمل حتى وإن طالب والده في إنشاء شركة ما من أجله .. ليس بحاجة لأن يُمثل الاندماج بين أصدقاء لا يعرفون عن الصداقة شيء سوى الجلوس معظم الوقت سويًا وإطلاق النكات المضحكة والتحدث عن المواقف التي تحدث معهم على مدار اليوم وتناول وجبة غالية سويًا والسفر لقضاء بعض الوقت الممتع والذي أصبح غير ممتع بالمرة .. فما يُصبح فيه يُمسي عليه .. لا جديد في حياته ..

انتبه لدخول سندس من البوابة فارتسمت ابتسامة على وجهه وهو يتحدث إلى نفسه بقلة حيلة :
- وأنا اللي بقول مفيش جديد في حياتي !.. طب إزاي طالما فيها سندس !

تنهد بقوة ثم دخل من البوابة وصف سيارته وخرج بنشاط غريب كأن رؤيته لها يهبه طاقة ونشاط ..

قرر خوض يوم آخر يشبه باقي أيامه علّ وعسى يحدث جديد ..

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الثالثة عشر بقلم دنيا الشملول

أوصلها للمنزل ولم يصف السيارة فاستدارت تواجهه بتساؤل :
- رايح في مكان ولا إيه ؟ 
بشير بتأكيد :
- أها .. هروح أشوف جدي سفيان شوية وآجي .. من زمان مسألتش عليه . 
وجد بابتسامة :
- تمام .. خلي بالك من نفسك .. وسلملي عليه كتير . 
بشير مبادلًا إياها الابتسامة :
- يوصل يا عمتو . 
وجد بعتاب :
- عمتو إيه بقا ؟ ما خلاص دهورت هيبتي . 
بشير بعدم فهم :
- يعني إيه ؟ 
وجد :
- يعني لما قلتلي إنتي مينفعش معاكي الإحترام وكده من شويه  . 
بشير بصدمة :
- وجد !!.. أنا .. أنا كنت بهزر .. إنتي زعلتي بجد ؟ 
وجد بابتسامة هادئة :
- أكيد مكنتش هزعل لو ده هزار بينا وبين بعض بس يا بن أخويا .. لكن .. 
تنهدت بهدوء قبل أن تبتسم من جديد وهي تُغير الموضوع :
- إمشي يا عم بقا مش كفاية مشربتش الهوت شوكلت بتاعي ع الصبح .
استعدت لترك السيارة لكنه جذب يدها بسرعة وهو يتحدث بأسف :
- وجد .. حبيبتي أنا آسف بجد .. مكنتش أقصد أبدًا صدقيني .. هي طلعت مني عفوية كده .. و .. بجد آسف . 
ابتسمت له وجد بحب وهي تمسد وجنته بباطن يدها :
- أنا خلاص حبيبي مش زعلانه .. بس المره الجاية تاخد بالك وإلا هتبرا منك . 
ابتسم بحزن لتقرص وجنته بخفة وهي تتابع :
- بجد مش زعلانه صدقني .. خلاص بقا . 
بشير وهو يقبل يدها بحب :
- حقك عليا .. مش هتتكرر تاني بأمر الله أبدًا .
قامت وجد بالعبث في خصلاته قبل أن تهديه إبتسامة حنونة وتغادر السيارة بعدما ألقت له قبلة في الهواء . 
ولجت من البوابه ليتنهد بشير بقوه وهو يضرب جبينه بباطن يده متحدثًا بندم :
- غبي يا بشير .. مهما وصل بيا الهزار معاها لازم يبقى باحترام .. هي عمتي قبل أي حاجه واحترامها واجب عليا .. غبي يا بشير . 
تنهد بقوة قبل أن يدير محرك السيارة ويغادر المكان على وعد صادق بينه وبين نفسه بعدم تكرار الأمر مجددًا . 
(🌸لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر🌸) 
تنهد بقوة وهو يتذكر غادة .. تلك الطائشة المتعجرفة .. لم يرها منذ آخر مره .. ترى هل ماتت وارتاح الكوكب من عجرفتها ! 
قاطع سيل أفكاره وشروده صوت يعرف صاحبه حق المعرفة :
- قاعد كده ليه ؟ وسرحان في إيه كده ؟ 
عمار دون أن يلتفت :
- أبدًا .. بشير لسه ماشي .. فكنت هنزل الميه شويه وأمشي . 
مالك بعدم تصديق :
- بشير ماشي من عندي من ييجي نص ساعه . 
لم يتحدث عمار فتنهد مالك وجلس إلى جوار ابنه في صمت .. ليعود عمار لدائرة شروده وهو يفكر .. لماذا لم يتذكر أو يطرق باب عقله علاقته بوالده ؟!!
قبل أن يجد إجابة داخل تجاويف عقله وصله صوت والده الحاني :
- تعرف يا عمار .. أنا كنت قاعد في مكتبي النهارده بفتكر الأيام الخوالي . 
التفت عمار إليه عاقدًا حاجبيه .. هل يقصد والدته وأيامه معها ؟! 
تابع مالك بهدوء :
- يوم ولادتك كان يوم ملوش مثيل .. حاجه كده منتهى الـ " ينهار أبيض إيه السحله دي " ..
ضحك بخفه ليشاركه عمار ضحكته دون أن يتحدث .. فتابع مالك بتنهيده هادئة :
- كانت ليلة عادية من بدايتها .. سبأ كانت في أواخر حملها بيك تعبانه جدا وكانت بتتحرك بالعافية .. روحت بدري في الليلة دي وقررت أجهز أنا العشا .. هي كانت بتعملك تيشرت وهي قاعده مع نفسها كده .. خلصت العشا وخرجت لقيتها بتضغط على سنانها ومكمله خياطه في التيشيرت .. سألتها تعبانه ولا حاجه قالت لا كويسه .. بس شكلها مكنش كويس أبدًا .. 
عاد بذاكرته لتلك الليلة حينما سحب التيشيرت من يدها ووضع يده فوق جبينها المتعرق .. 
مالك بقلق :
- في إيه يا سبأ ؟.. حاسه بإيه طيب ؟ 
سبأ وهي تلتقط أنفاسها المتسارعه :
- مش عارفه يا مالك بس ... اااااه . 
خرجت صرختها فجأه فانتفض مالك راكضًا إلى الغرفة وأحضر عباءتها وحجابها وألبسها إياهم سريعًا .. 
قام بمهاتفة والده الذي صعد له ركضًا وأخذاها إلى المستشفى حيث طبيبتها ... 
كانت سبأ تحاول قدر الإمكان أن تكتم صرخاتها من الألم الذي تشعر به .. لكن فاق تحملها حينما وصلوا جميعًا إلى المستشفى فخرجت عربة الترولي التي نقلتها إلى الداخل .. 
كان مالك ووالده مروان يركضان خلفها وهي تصرخ من الألم متفوهه بتعب :
- منكو لله .. مكنتش عايزه اتجوز .. حسبي الله ونعم الوكيل .. حب اييييه وزفت اييييه وجواز اييييه .. بدايته نحنحة ونهايته بهدلة .. اعاااااااا . 
رغم قلق الموقف وصعوبة ما يحدث على الجميع إلا أن مالك لم يستطع كبح ضحكته مما تفوهت .. 
ألقى بنفسه فوق المقعد ونظر حيث دخلوا بها وانغلق الباب من بعدهم لتختفي ضحكته في الحال وهو يقف بسرعة ويتحرك في المكان بقلق حاول والده جاهدًا أن يُطمئنه .. 
لم يمر الكثير من الوقت حتى صدحت صرخة عمار التي جعلت الدماء تجف في عروق مالك الناظر تجاه الباب بحلق جاف ... 
خرجت الطبيبة تزف بابتسامة هادئة :
- حمد الله على سلامتها .. ربنا رزقكم بصبي جميل .. يتربى في عزكم . 
مالك بتيه :
- سبأ .. سبأ عامله إيه ؟ 
الطبيبة بابتسامة هادئة :
- متقلقش أبدًا .. كله خير .. هي كويسة وشوية بسيطة وهتبقى في غرفة عادية . 
عاد مالك من شروده بهذه الليله وهو يتابع حديثه بضحكة غريبة .. جعلت عمار ينظر له ليكتشف تلك العبرة التي يجاهد والده في إخفائها .. لكنه لم يتحدث .. بل تابع استماعه لوالده الذي أفصح عن مكنون قلبه من مشاعر تخص هذه الليله :
- أول ما شفتك كنت خايف .. أو ده الشعور اللي قدرت أفهمه من بين كل المشاعر اللي تزاحمت في قلبي وقتها .. أحاسيس متتوصفش أبدًا .. حته مني قصادي .. جزء مني بين إيديا .. سندي اللي هيشيلني في أزماتي ويبقى عكازي في سقطاتي نايم في سلام تام قدامي .. كنت شبه العيل الصغير التايه اللي مش قادر يحدد اتجاه لنفسه .. مر قدام عيني شريط حياتي من صغرتي لحد ما كبرت .. أنا لما كنت صغير كانت فيا صفه وحشه أوي يا عمار .. عارف إيه هي ؟ 
نفى عمار برأسه ليتابع مالك بعد أن أخذ شهيقًا عميقًا أخرجه ببطء مع كلماته :
- كنت طفل حقود . 
اتسعت عينا عمار وهو يناظر والده الذي ابتسم بضيق من نفسه وهو ينظر للأرضية يهز رأسه للجانبين ثم تابع بصوت غريب :
- الإنسان مننا بيبقى ممتلك لحاجات ونِعم كتير أوي .. بس بردو مبيحلاش ليه غير اللي مع غيره .. واللي معاك بيحلي لغيرك كمان .. محدش بيكون راضي عن نفسه او حياته بشكل كلي .. أنا كان عندي أسره دافية يا عمار .. أب وأم حنينين أوي .. ملهمش غيري أنا وخالتك ملك .. ملك بنت وبطبيعة الحال البنت ليها حنية زيادة ودلع زيادة .. والولد آه ليه حنيه واهتمام بس مينفعش دلع أبدًا .. الولد اللي بيتربى على الدلع والاستجابه لكل طلباته بيطلع طري وغير مسئول .. أنا مفهمتش ده .. من وأنا عندي تلت سنين وأنا بحقد على أي طفل أشوف في إيده حاجه مملكهاش .. وأكتر حد كنت حاقد عليه ومنه .. كان وليد أبو بشير .. وليد ابن عمي والمفروض إننا نكون اخوات وميكونش بينا لا حقد ولا كره .. لكن للأسف محصلش غير الحقد من ناحيتي على وليد .. عشان كنت بشوفه بياخد من اهتمام أبويا ومن حنيته اللي المفروض انهم حقي لوحدي .. مكنش بيجيبلي لعبة غير لما يجيب أختها لوليد .. مكنش بينام غير لما يسمع صوت وليد .. مكنش ييجي النادي الصبح غير وفي إيده وليد .. كان بيسأل ديما عن درجات وليد الدراسيه .. ويجري ياخده المستشفى لو عرف إنه تعبان ... كان يلعب مع وليد لو متجمعين .. وليد كان واخد حاجه أنا شايفها مش حقه .. مكنتش قادر أشوف الحاجه اللي خسرها وليد في الوقت ده .. أو الحاجه اللي أنا أملكها ووليد ميملكهاش واللي هي الأب .. عمي جود ابو وليد قعد خمس سنين فاقد الذاكره وعايش في اسكندرية بعد حادثه حصلتله .. ومكنش حد فينا يعرف عنه حاجه طول المده دي واللي نعرفه إنه مات .. بس بعد ما عمي جود رجعلنا تاني .. المفروض خلاص أنا أبويا مبقاش هيدي وليد الاهتمام اللي كان بيديهوله الأول عشان يعوضه عن أبوه .. فخلاص أنا المفروض كده أرتاح .. لكن لا .. لقيت نفسي بحقد على وليد أكتر لإني ظنيت إن الأشخاص اللي مهتمه بوليد زادو واحد .. 
تنهيدة قوية خرجت عنه قبل أن يرفع رأسه للسماء وعاد يتابع حديثه المؤلم لقلبه :
- حتى لما وليد حب بنت .. قررت أخدها منه .. وليد مش هياخد كل حاجه هو عايزها .. سعيت بكل جهدي عشان آخد أريج وأخلي وليد يتحسر عليها .. وصل بيا الحال إني كنت ههد بيت عمي جود .. وده لإني كشفت سر يخص أبويا فضل مستخبي ومدفون سنين كتييير أوي .. أبويا وعمي جود كانوا بيحبوا مرات عمي مريم .. وابويا لما عرف إن أخوه بيحبها دفن سر حبه ليها وسعى عشان يجمع أخوه بحبيبته .. وفعلا جوزهم لبعض ومحدش يعرف السر ده غير أمي .. فجرت السر ده في وقت غضب لوليد .. بس للحظ السيء إن مش وليد بس اللي سمع السر ده .. أبوه كمان سمعه وقتها بدون ما آخد بالي إنه موجود .. عمي جود أخد الخبر من هنا واختفى عن الدنيا كلها يوم بحاله .. شوفت الحياه عماله تتهد وابويا قلقه وصل ذروته لما فضل يدور على أخوه ومش لاقيه .. ومرات عمي جود كانت هتروح مننا عشان خافت جوزها يختفي تاني بعد ما رجع من حادثته .. 
في الليلة دي .. سبأ أمك جت وقفت في وشي وقالت كلمتين فوقوني .. بس بردو معترفتش لنفسي بإني غلطان وسيء ..  فأول حاجه عملتها هي إني طلعت غضبي عليها .. ومن بين كلامي زقيتها من ع الرصيف رجليها اتلوت تحتها في اللحظة اللي عدت فيه عربية بسرعه وفي اقل من ثانية كانت شالتها رمتها بعيد .. اتشليت وقتها .. حسيت الزمن وقف بيا .. أنا عملت إيه !!.. هديت بيت عمي .. كسرت قلب أبويا .. كنت هقتل واحده في لحظة غضب .. 
اتنقلت سبأ المستشفى وأنا دخلت السجن ليلة .. تخيل بعتوا رسالة لعمي جود عرفوه باللي حصلي .. واتخلى عن عزلته وجه جري عليا وعشاني .. لقيت الكل حواليا وبيجروا هنا وهنا عشان يخرجوني .. عمي جود أخدني في حضنه وطلب مني أوعده إني مقولش لحد إنه عرف حاجه .. بعدها عرفت ان سبأ قالت إني مجتش جنبها وان رجليها اتلوت ع الرصيف فوقعت وخبطتها العربيه وبرأتني .. رغم إنها كانت هتموت بسببي . 
وقتها حسيت إني أقذر بني آدم في الدنيا .. وليد اللي كنت مليان حقد من ناحيته كان أول واحد ياخدني في حضنه أول ما خرجت من القسم .. عمي اللي كنت ههد بيته احتواني وقواني .. أبويا كان شبه التايه .. كأن هيخسر ابنه بسبب ميعرفوش .. وبرغم كل ده إلا إن علاقة أبويا وعمي فضلت بقوتها .. مفيش حاجه هزتها أبدًا .. 
تنهيدة قوية خرجت عنه ليتابع بعدها :
- بعدها أمك بعتتلي رساله مع ملك .. الرساله دي كانت بداية اكتشاف قلبي انه لقي اخيرا الشخصية اللي تناسبه .. حروفها لسه حافظها لحد النهاردة ...
 " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. رد السلام كامل الأول عشان تاخد تلاتين حسنه زيي .. اسفه علي كل حاجه .. علي كل مره اتقابلنا وقلبت بمشاكل وخناقه .. اينعم انت مكنتش بتقصر وآخر مره كنت هتجيب اجلي بس يلا المسامح كريم والزعلان فازلين ..." 
ضحك عمار وشاركه مالك الضحكة وهو يتابع :
" عمو مروان كبر أوي في نظري يا مالك .. حبه لأخوه فريد ونادر وملوش وجود في الزمن ده .. وانا واثقه ان الاب اللي معدنه اصيل مبيجيبش غير ابناء معدنهم قوي واصيل .. انا متعاملتش معاك عشان احكم عليك .. بس انا واثقه انك تشبه ابوك اوي .. انا سامحتك علي اللي حصل اخر مره .. ياريت تسامحني علي كل مره تطاولت عليك فيها .. بتمنالك التوفيق وراحة البال .. كفايه كده انا رغيت كتير .. ومعرفش السبب اللي خلاني اكتب الرساله دي بالظبط .. بس حسيت اني محتاجه اقول كل حرف فيها .. يلا في أمان الله . "
أنا وسبأ كنا بنكره بعض بشكل مش طبيعي .. مكنتش بقبل أسمع صوتها .. كان بيبقى هاين عليا أقوم أخنقها في كل مره نتقابل .. كانت مستفزه أوي .. بس مكنتش أعرف إن كل ده هيقلب بحب كبير أوي كده .. 
اكتشفت فيها قد إيه هي جدعه وطيبه .. كنت بستنكر طريقتها الرجوليه في نفسها بس لما عرفت إن والدها متوفي وانها عايشه مع والدتها لوحدها وبعيد عن عيلتها عذرتها .. عذرتها واستجدعتها كمان .. اتجوزنا وعيشنا حياه سعيده جدا وكملت سعادتنا بيك .. اللي كانت بتصرخ وتقول حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا جوزتوني ليه .. بقت تقول كلابالا حلوه يا جميله ليك وهي بتلاعبك . 
ضحك عمار بقوه ومعه مالك الذي مسد ظهر عمار بحب وهو ينظر في ساعته :
- شغلها كدكتوره جامعية حلم كبير أوي وصلته بعد تعب .. كان تاني أكبر طموحاتها بعد .. بعد .. 
تنهد بقوة قبل آن يتابع بسرعة كي لا يتطرق لأمر قد يخرب عليه عائلته :
- كان هدفها الأعظم في الحياه .. وعمري ما كنت هقبل إني أقف قدام هدفها وطموحها يا عمار .. ده كده مش هيبقى حب قد ما هيبقى تملك وفرض رأي واسترجال .. عشان علاقتك تنجح يا بني .. لازم تعرف إنك لازم تقدم تنازلات زيها .. لازم توصل معاها لحل وسط يرضي الطرفين عشان المركب متغرقش .. الحياة يا بني بسيطة .. بس إحنا اللي بنعقدها بالخلافات وسوء الظن . 
تنهد بقوه قبل أن يتحرك واقفا وهو يتابع :
- حاليا عندي شغل مهم .. أكيد هشوفك على العشا بقا .. إحنا عندنا عزومه النهارده عند بابا إحنا وعمتك ملك .. حاول متتأخرش بره . 
أنهى حديثه وغادر المكان لينظر عمار أمامه بتفكير فيما تحدث فيه والده .. ما الرساله التي يود والده أن يوصلها له مما تحدث به الآن ؟!! 
أنهى وصلة أفكاره حينما قفز في المياه وأخذ يقطع حمام السباحه ذهابًا وإيابًا حتى انتهى أخيرًا وخرج إلى عمله .. 
(🌸سلُوا اللهَ علمًا نافعًا، وتَعَوَّذُوا باللهِ منْ علمٍ لا ينفعُ🌸) 
تجلس إلى مكتبها الجديد والذي سيصبح رفيقها طوال فترة عملها هنا .. تكتب إحدى المقالات المهمة عن آخر الأحداث التي قام علي بتكلفتها بها كي تتمرس على الكتابه وتكتسب المزيد من الشجاعه .. 
مر بعض الوقت عليها حينما أتاها علي حاملًا بيده كوبًا من النسكافيه ووضعه أمامها لتنظر له بامتنان .
علي بهدوء :
- طول ما أعصابك مشدودة هتقعي في أخطاء كتير .. استرخي . 
بدور بتنهيدة :
- أنا فعلا أعصابي مشدودة .. مش عارفة بس قلقانه أوي .. ده هيبقى مقالي الأول .. ويا يصيب يا يخيب .. متخيل !
علي بابتسامة :
- استرخي .. وخلي عندك ثقة في نفسك .. كل الصحفيين اللي أقلامهم معروفة هنا ومتميزين في مجالهم بدءوا من الصفر .. متولدوش صحفيين كبار .. الثقة في النفس هي اللي هتميزك عن غيرك .. اتحدي نفسك وحددي هدفك وانطلقي . 
بدور بابتسامة :
- متشكره أوي بجد يا أستاذ علي .. مش هنسى وقفتك جنبي أبدًا . 
علي بابتسامة :
- عيب إحنا زمايل خلاص .. وأي حاجه تحتاجيها متتردديش . 
تركها وغادر لتتنهد بابتسامة وهي ترتشف من كوب النسكافيه خاصتها ومن ثم عادت لعملها بثقة أكبر .. يبدو أن هذا الـ علي سيكون مصدرًا لقوتها هنا ..
(🌸فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إلَّا الصَّائِمُونَ🌸) 
تأهبت لمغادرة النادي باكرًا لشعورها بالخمول قليلًا .. خرجت من غرفة تبديل الملابس حاملة حقيبتها في يدها ومن ثم اتجهت فورًا إلى البوابة الرئيسية للنادي .. وقبل أن تخطوها وصل لمسامعها صوت صديقتها التي أتت توًا :
- إيه ده ؟ انتي ماشيه ولا إيه ؟
بدر بتأكيد :
- أيوه هروح ..
استفاضت حينما رأت نظرة رحاب الاستفهامية :
- مش مجمعه النهارده يا رحاب ولا هقدر أدرب البنات بشكل كويس .. حاسه إني دايخة غير الصداع اللي ماسكني من وقت ما صحيت .
رحاب وهي تحتضن ذراع بدر بسرعه :
- يبقى خلينا نروح مكان هادي نشرب شوية قهوه كده يظبطوكي .
أرادت بدر أن ترفض الأمر لكن يد رحاب التي جذبتها لاستقلال السيارة كانت أسرع .. فاستسلمت للأمر برمته .
توقفت رحاب أمام أحد الكافيهات الهادئة والمطله على كورنيش النيل وجلست بصحبة بدر في مكان نائي بعض الشيء حتى تمنح بدر الهدوء اللازم ..
رفعت هاتفها الخلوي وقامت بكتابة رسالة ما لأحدهم ومن ثم وضعت الهاتف بهدوء فوق الطاولة وبدأت حديثها مع بدر بمزاح :
- مش كان زماننا مخطوبين ولا متجوزين دلوقتي يا بت يا بدر وقاعدين توينز توينز كده .
بدر بحاجب مرفوع بمزاح مماثل :
- وانتي فكرك لو اتجوزت هقعدك معايا أصلا ولا إيه .
رحاب بضحكة :
- معفنه أوي .. طب بقولك إيه .. ما تيجي نطلع سفرية يومين ولا حاجه .
بدر عاقدة حاجبيها بعدم فهم :
- نطلع سفريه يومين إزاي يعني ؟
رحاب ببساطة :
- زي الناس .. عربيتي موجودة .. ونسافر سوا إسكندرية ولا شرم ولا أي مكان نغير جو شوية . 
بدر باستخفاف :
- انتي أوريدي ( أكيد ) بتهزري يا روبي .. سفر إيه اللي نسافره إحنا الاتنين لوحدنا بنات ؟.. هي سايبه يا بنتي ؟! 
رحاب بحاجب مرفوع :
- إيه المشكله يا بدر .. ما أنا غالبا بسافر لوحدي يعني .. عادي يا بنتي تغيير جو .. وكمان إحنا مبقيناش صغيرين يا بدر عشان نستنى سفرية مع الأسرة يعني . 
بدر بذهول :
- يا بنتي انتي مدركة معنى كلامك ؟.. سفر إيه اللي تسافره بنت لوحدها ؟! 
صوت من خلفهم أجفل بدر التي ابتلعت باقي عبارتها :
- وإيه المشكله لو البنت دي كانت بمية راجل وتقدر تحافظ على نفسها وفي نفس الوقت تغير جو .. وبعدين اللي بتسافر في رحلة مع صاحباتها والجو ده بيبقى أهلها واثقين فيها يعني وعارفين بنتهم على إيه . 
توترت ملامح بدر وهي ترى هشام الذي تعرفه جيدًا، صديق رحاب والذي لا تعلم إلى أين ستنتهي صداقتهما .. تعلم بدر جيدًا كون رحاب قد وقعت في حبه .. أو لتكون صادقة أكثر .. فقد وقعت في حب ما يقدمه لها دون كلل أو ملل . 
برفقته شاب أسمر البشرة .. لكنه سمارجذاب بملامح وسيمة للغاية .. تعتلي شفتيه ابتسامة غير مطمئنة على الإطلاق .. 
قاطع نظراتها لهما صوت رحاب التي رحبت بقدومهما ودعتهما للجلوس .. 
التفتت لها بدر في حده وهي تفتح عينيها بوسعهما في ذهول من دعوة رحاب لهما هكذا .. 
لم تعرها رحاب اهتمامًا ولم ينتظر الشباب رأيها وجلسا بكل هدوء .. 
هشام بابتسامة :
- إزيك يا قمر ؟!.. مش قمر بردو ؟ 
بدر بغيظ :
- كل مره تسأل نفس السؤال والموضوع بقا سخيف جدًا على فكره . 
هشام بضحكة رجولية عالية :
- بهزر معاكي يا دودو . 
بدر بضيق :
- لا متهزرش معايا .. هزر مع اللي تخصك بس .. واسمي بدر . 
تعجب هيثم من رد فعلها العنيف مع صديقه فقرر التدخل كي يفض مشاجرة على وشك الاندلاع :
- سوري يا بدر .. إتش طول عمره يحب الألش والهزار .. هو ميقصدش يضايقك . 
بدر بجانب عينها :
- حضرتك المحامي ؟ 
هيثم بعدم فهم :
- محامي إيه ؟
بدر بحاجب مرفوع :
- يعني إنك بتدافع عنه وكده .. المحامي بتاعه حضرتك ؟ 
هيثم بغيظ 
- هو في إيه يا آنسة !!.. حضرتك متضايقة من حاجه ؟.. في حاجه معصباكي مثلا فبتطلعي خنقتك فينا ؟ 
بدر باستفزاز :
- الحقيقة إني مخنوقة .. أصل كان فيه هوا جاي من اليمه دي وحضرتك قعدت قفلتها ... وكان فيه هوا بردو جاي من اليمه دي وحضرته قعد قفله ... فالجو بقا خنيق .. علاوه على ذلك بقا إن أنا مأذنتش لكم بالقعدة .. فبالتالي حضراتكم مكنش مرحب بيكم .. وانتوا فرضتوا نفسكوا .. ده كل ما في الأمر . 
ثلاثة أزواج من العيون يناظرنها بصدمة من عنف لهجتها .. ليقاطع هذه الصدمة صوت النادل الذي تحدث بروتينية :
- حضراتكم تطلبوا إيه يا فندم ؟ 
بدر بسرعة :
- لا هما مش هيطلبوا .. هما هيغيروا قعدتهم وبعدين يطلبوا . 
هشام بغيظ وهو يضرب الطاوله أمامه :
- كده أوڨر أوي على فكره .. انتي فاكره نفسك بتعملي إيه بالصلاه ع النبي ؟! 
بدر بثقة :
- بقولك تقوم من على ترابيزتي بس بالذوق . 
كانت هذه المره الكلمه من هيثم الذي تحدث وهو يمسك بيد صديقه :
- خلينا نمشي يا هشام .. هي عندها حق .. إحنا قعدنا بدون إذن منها .
رحاب بضيق :
- بس أنا اللي  اا .. 
هيثم مقاطعًا :
- إحنا هننقل قعدتنا .. بعد اذنكوا . 
رحاب بصدمة :
- إيه اللي عملتيه ده ؟؟.. إزاي تعملي كده ؟! 
بدر وهي تكز أسنانها بغيظ :
- والله مش عاجبك تقدري تروحي تقعدي معاهم .. وتاني مره يا رحاب لو أنا معاكي يا ريت هشام حتى ميقفش معانا .. عيزاه يبقى روحيله بعيد عني . 
رحاب بضيق :
- أنا مش فاهمه انتي قفل كده ليه ؟.. اووف . 
تابعت بدر ارتشاف قهوتها وهي تنظر للنهر بجانبها دون أن تتفوه بكلمة .. 
بينما على الجانب الآخر وبعد أن جلس كل من هشام وهيثم على طاولة أخرى تحدث هشام بنبرة مغتاظة :
- مش عارف أنا شايفه نفسها على إيه دي ؟!.. دي .. دي ..
هيثم بضحكة :
- إيه مش لاقي وصف توصفها بيه عشان مش لاقي فيها عيوب ولا إيه ؟! 
هشام بغيظ :
- عيوب إيه يا عم بس .. دي كلها على بعضها كده متركبه غلط . 
هيثم بنظرة متفحصة لبدر التي توليه ظهرها :
- اممم .. مش عارف يا إتش .. بس هي حاجه من اتنين .. يا هي قفل وده إحتمال ضعيف  .. يا هي بتستتقل وده الاحتمال الأقوى . 
هشام :
- وهتعرف إزاي بقا هي إيه في الاتنين ؟! 
هيثم بنظرة غامضة :
- هتعرف يا كوتش . 
(🌸المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنْه🌸) 
خرجت من غرفتها وهي تصفق بمرح بعدما أغلقت هاتفها واقتربت من والدتها التي تناظرها بتساؤل :
- إيه يا حبيبتي فرحينا معاكي . 
وجد بابتسامة :
- إيلاف جايلها عريس .. وأخيرًا بقا فتحت الباب . 
انتبه بشير لما تفوهت به .. وقد حاول جاهدًا أن يُبقي تركيزه على هاتفه لكنه لم يستطع فتابع حديثهما ليستمع لجدته تتحدث بحب :
- ربنا يسعدها ويكتبلها الخير ويجعل نصيبها خير ليها ولأهلها .. هي بنوتة جميلة الطبع والسيرة وتستاهل كل خير . 
وجد بتنهيدة :
- حقيقي يا ماما ربنا يسعدها يارب .. بالمناسبة بقا  .. هي كلمتني وقالتلي إنها هتحتاجني جنبها في اليوم ده يعني وكده . 
مريم بتأكيد :
- أكيد يا حبيبتي ومن غير ما تطلبك كمان .. مينفعش أبدًا تتأخري عنها . 
قبلت وجد وجنة والدتها واستأذنت لتذهب وتخبر إيلاف كونها ستذهب إليها في ذلك اليوم .. 
بينما تعلقت نظرات مريم على بشير الذي يضم وجهه بضيق ومن ثم يزفر بحنق ليعود ويكز أسنانه بغيظ .. 
مريم بمكر :
- حبيبي في حاجه في الشغل معصلجة معاك ولا إيه ؟ 
بشير بانتباه :
- لـ .. لا لا يا تيتا كله تمام . 
مريم بابتسامة هادئة :
- شيفاك متضايق كده ومخنوق .. فقولت أكيد الشغل . 
بشير بانسحاب :
- آه آه .. هو الشغل فعلا .. شوية ضغوط بس ... ا .. أنا هطلع بقا أريح شوية أوك ؟
مريم بابتسامة محبة :
- إطلع يا حبيب جدتك يلا ارتاح شوية ومتشلش هم حاجه .. كل حاجه بتحصل ما هي إلا خير .. بس بلاش تتجاهل رسايل ربنا حبيبي .
لم يستوعب بشير ما ترمي إليه .. لكنه آثر ألا يتحدث .. على الأقل الآن  .. 
أماء برأسه في هدوء ومن ثم قبل جبينها بحب وغادر للأعلى لتخرج وجد ركضًا من غرفتها وهي تتحدث بحماس :
- ها يا ماما .. زي ما أنا قولت ولا ... 
                🌸 لسه الأمل موجود  🌸
                          🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الرابعة عشر بقلم دنيا الشملول

قبلت وجد وجنة والدتها واستأذنت لتذهب وتخبر إيلاف كونها ستذهب إليها في ذلك اليوم .. 
بينما تعلقت نظرات مريم على بشير الذي يضم وجهه بضيق ومن ثم يزفر بحنق ليعود ويكز أسنانه بغيظ .. 
مريم بمكر :
- حبيبي في حاجه في الشغل معصلجة معاك ولا إيه؟ 
بشير بانتباه :
- لـ .. لا لا يا تيتا كله تمام . 
مريم بابتسامة هادئة :
- شيفاك متضايق كده ومخنوق .. فقولت أكيد الشغل . 
بشير بانسحاب :
- آه آه .. هو الشغل فعلا .. شوية ضغوط بس ... ا .. أنا هطلع بقا أريح شوية أوك ؟ 
مريم بابتسامة محبة :
- اطلع يا حبيب جدتك يلا ارتاح شوية ومتشلش هم حاجه .. كل حاجه بتحصل ما هي إلا خير .. بس بلاش تتجاهل رسايل ربنا حبيبي .
لم يستوعب بشير ما ترمي إليه .. لكنه آثر ألا يتحدث .. على الأقل الآن .. 
أومأ برأسه في هدوء ومن ثم قبل جبينها بحب وغادر للأعلى لتخرج وجد ركضًا من غرفتها وهي تتحدث بحماس :
- ها يا ماما .. زي ما أنا قولت ولا إيه نظرتك ؟ 
مريم بابتسامة :
- تقريبا كده يا وجد .. بس إحنا هنعمل إيه دلوقتي ؟.. يعني كدبنا لمجرد نعرف هل هو فعلا ميال للبنت ولا لأ .. طب وبعد كده ؟ 
وجد وهي تفرك يديها معا في حماس :
- بعد كده دي عليا أنا بقا .. يلا أسيبك دلوقتي يا ست الكل .. عندي واحد روميو محتاج يتظبط . 
أنهت جملتها وهي تطبع قبلة سريعة فوق وجنتها ومن ثم ركضت للخارج .. 
وقفت أسفل شرفة غرفته وأخذت بعض الحصوات وبدأت تلقيها في النافذة حتى خرج من البلكون وناظرها بغيظ وهو يتكئ إلى الحائط ناظرًا لها بحاجب مرفوع .. 
وجد بضحكة :
- ما تنزل يا عم إنت هتفضل واقفلي كده . 
بشير :
- عايز أنام أنا .. روحي رخمي بعيد . 
وجد وهي تضم شفتيها للأمام بعدم رضى :
- تعالى يا بيشو عايزة أقعد معاك شوية وآخد رأيك في كام حاجة كده ع الماشي . 
بشير باستسلام :
- نازل يا ستي نازل . 
جلست إلى العشب وأطفأت أضواء الحديقة وانتظرته حتى أتاها حاملًا كوبين من الشوكولا الساخنة .
التقطت من يده خاصتها في سعادة وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة جعلته يضحك عليها . 
وجد بغيظ :
- بتضحك على إيه إنت ! 
بشير :
- بتكلمي الشوكولاته !.. واخده بالك انتي ؟ 
وجد بجدية :
- بشير .. كنت عايزة أسألك إيه الحاجه اللي ممكن تشد الراجل ناحية البنت .
بشير بتعجب :
- إيه السؤال الغريب ده ؟! 
وجد :
- مش إنت راجل يا عم إنت .. قولي بقا .. إيه هي مواصفات البنت اللي ممكن تتشد ليها ؟.. تجذبك ليها .. كده يعني . 
بشير بتفكير :
- والله يا وجد هو مش كل الرجاله بتتشد لنفس نوعية البنات .. يعني مثلا مثلا يعني .. في راجل ينجذب للبنت لمجرد إنه شايفها حلوه وملامحها جميلة وجسمها معرفش إيه .. راجل تاني ينجذب للبنت من أخلاقها وأدبها .. راجل تالت بينجذب للبنت من شخصيتها القوية مثلا وواحد غيره بينجذب للبنت الضعيفة .. بتختلف يا وجد . 
وجد بحماس :
- ما تكلمني كده عن الرجاله يا بشير .. الرجاله اللي بجد يعني .. مواصفات البنت اللي يتمنوها إيه ؟ 
بشير وهو يضرب كفيه معا :
- يا حبيبتي ما أنا بقولك بتختلف .. وعلى فكره في راجل ينجذب للبنت من جمالها بس ده مش معناه إنه مش راجل يعني .. عادي ممكن يكون راجل جدًا في نفسه لكنه بيحب الجمال .. فده شيء ميعيبوش .. وممكن اللي بينجذب للضعيفة ميكونش سيء بردو .. ويكون بيفضل الضعيفة عشان يحس ديما إنه أمانها وحمايتها وكده يعني .. فمش معنى إن فيه راجل بيفضل نوعية معينة من البنات إنه وحش أو إن تفكيره فيهم منحصر في زاوية بعينها .. لا عادي .. دي كلها طبيعة في البشر .. وكل واحد وله طبيعته . 
وجد بنفاذ صبر :
- كلمني عن نفسك .. كده ارتحت !.. كلمني عن نفسك إنت .. نوعية البنت اللي تفضلها إيه ؟
أرادت أن تمازحه فتابعت بخفة :
- واحد في شقاوتك ورخامتك ووسامتك وكتاوتك دي يا ترى بيحلم بواحده شكلها إيه ؟ 
انفجر بشير ضاحكًا من أسلوبها وكلماتها ..  لكنه عاد لتقطيب حاجبيه وهو يستفسر بعدم فهم :
- إيه كتاوتك دي يا وجد ؟ 
وجد بثقة :
- عشان إنت كيوت يعني . 
نظر لها قليلًا يحاول تجميع الكلمتين معًا لكنه عاد للضحك من جديد وقد شاركته ذلك .. 
صمت بعد وقت بسيط ليتنهد بقوة وهو يجيبها ببساطة :
- أنا يوم ما أتمنى بنت في حياتي .. فهتمناها هادية .. رقيقة .. قلبها لله .. على الفطرة .. تساعدني أبقى أفضل وأتعمق في ديني .. تشاركني أدق التفاصيل اللي في حياتي .. بنت تبقى فاهمه إن الزواج مش قائم على تنضيف البيت وغسيل الهدوم والطبخ والمسيح .. تبقى عارفة إنها لما تكويلي قميص فده مش فرض عليها بتأديه .. تعمل الحاجة دي بحب .. تعملها عشان تريحني .. تاخد الحياة ببساطة خالص .. تكون مرتبة ومنظمة .. تكون مدركة إن العِند بيولد الكفر .. تكون واثقة إن اللي بينا أكبر من إنه ينتهي عشان غلطة .. تكون شبهي عشان نبقى متفاهمين .. تقفل أي باب ييجي منه الريح عشان نبقى في أمان ومنضطرش للمناهدة .. 
تفضل ماسكة إيدي مهما كانت الظروف أقوى مني .. لو وقعت تفضل جنبي لحد ما أقف على رجلي .. مش عارف بالظبط .. بس بتمنى حاجات كتير أوي مش عارف هل هي صح ولا غلط .. بس أكيد المسئولية هتخليني أحدد الصح من الغلط بعد كده .
صمتا لوقت لا بأس به قبل أن تقطع وجد الصمت السائد بهدوء :
- هقولك على كام حاجه كده إوعى تنساهم في حياتك يا بشير ..
علمونا نقول  " الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح ".. بس ده غلط يا بشير .. مسمهاش كده .. إسمها حاول تعرف أسباب الريح ده وتوقفها بحكمة وحِنكة وتريُّث .. عشان ممكن لو سديت عليه ييجي بشكل أقوى يهد الباب .. فمتلاقيش بعد كده اللي يحميك من شدته ..
سمعنا إن الحب الكبير اللي بين اتنين مينفعش ينتهي عشان غلطه .. وده غلط يا بشير ..
إحنا لو بنحب بعض هنتعاتب ونتصافى عشان الغلطة دي متشوهش الحب اللي بينا لو فضلنا كاتمين عليها .. 
لكن الحب مهما كِبر في وجود أخطاء مبيتكلمش فيها الطرفين ويتعاتبوا عليها .. فهييجي يوم والتراكمات دي هتبني سور عالي من الأخطاء والغلطات اللي اتشافت صغيرة قصاد الحب .. وساعتها أتفه غلطه فوق جبل التراكمات ده هتنهي الحب ده .. واحنا للأسف شايفين الحب انتهى عشان غلطه .. لكن مشوفناش جبل التراكمات اللي اتهد لما زاد عليه غلطه .
مينفعش تبقى منتظر من اللي بتحبها تقف جنبك لو وقعت ولحد ما تقف على رجلك .. لازم تاخد واحده تبقى واثق إنها مؤمنة بيك ..  واللي تآمن بيك يا بشير هترجعلك ثقتك في نفسك وهتخليك تقف على رجليك من غير ما تحس أصلًا بأي مجهود .. غير إنها مش هييجي اليوم اللي تحسسك فيه إن ليها الفضل الكامل في اللي انت فيه .. رغم إن دي ممكن تكون الحقيقة اللي انت شايفها .. لكن في فرق بين إنك تشوف الحقيقة دي وإنها تحسسك هي بيها لأي سبب .
العِند مبيولدش الكفر يا بشير .. اسمها العند بيوصلنا لطريق مسدود وسكك أسوارها عالية .. ولو فضلنا نعاند هنقع على جدور رقابينا ..
ومينفعش تتمناها شبهك عشان تبقوا متفاهمين .. المفروض تدور على اللي تكملك عشان توصلوا لمرحلة الروح الواحدة فتهَوِّنوا على بعض كل حاجة ..
ومينفعش تقول الظروف أقوى مني .. لا .. انت تقول مليش نصيب لما توصل لحيطة سد فعلا بعد معافرة كاملة وتكون راضي عن معافرتك ونفسك .. وواثق إنك فعلا حاولت لغاية ما النهاية رسمت نفسها قدامك .
حقك تتمناها هادية ورقيقة ومسئولة .. لكن إوعى تكون السبب في إنها تتحول من الشخصية الهادية دي لشخصية عصبية طول الوقت وترجع تقول اتغيرت .. واوعى تكون السبب في إن الشخصية الرقيقة دي تتحول لشخصية عنيفة وتقول اتغيرت ..
الستات مفيش أبسط منهم يا بشير .. 
شوهونا لما أخدوا كلام ربنا سبحانه في أية " إن كيدكن عظيم ".. على كيفهم ومزاجهم وفسروها في كل المواقف اللي تظهر إننا المذنبين .. 
لا إحنا كستات هنكيد ليه لو عايشين حياة هادية مستقرة مبنية على أساس سليم ؟.. 
هنزن على خراب عِشِّنا ليه ؟
مينفعش الست تنضرب لمجرد إن جوزها متعصب ولقى مكان مش مترتب وييجي آخر اليوم عايزها تصالحه !!.. ده مش منطق أبدًا ... الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال " رفقًا بالقوارير  " .. ولما كان بيعاقب إحدى زوجاته .. كان بيضربها بالسواك .. متخيل شكل العقاب أصلًا !!.. 
دلوقتي الإيد أسهل وسيلة .. والإهانة مفيش أيسر منها .. والألفاظ النابية أسرع حل ..
زماننا وحش أوي يا بشير .. كل واحد عايز ياخد ميديش ..
 لازم نقف وقفة كده مع أنفسنا ونصلح منها .. لازم زي ما بنفكر ناخد .. ندي .. وزي ما بندور على حقوقنا .. نأدي واجباتنا .. وزي ما بنقول عايزين .. نقدم اللي علينا .
تنهدت بقوه قبل أن تتابع بنفس الهدوء :
- دخلنا في أمور كتير أوي وكل ده عشان سألتك سؤال بريء .
بشير بضحكة :
- مش عارف لو كان سؤال غير بريء كنتي عملتي إيه .. تقريبًا كنتي هتسلخيني .
ضحكت معه قبل أن تناظره بابتسامة محبة ليضم حاجبيه وشفتيه للأمام بطريقة مضحكة وهو يتابع :
- لا بقولك إيه .. النظرة دي مبتجبش معايا .. أنا راجل متماسك أوي على فكرة ومبتهزش بالنظرات والابتسامات هاا .. أنا بيشو آه .. لكن راجل أوي . 
ضحكت عليه قبل أن تجذب رأسه وجعلته يسترخي فوق العشب ويضع رأسه فوق فخذها براحة وبدأت تعبث في خصلاته وهي تتحدث بهدوء :
 - بشير .
بشير بمزاح :
- اتفضلي أدخلي في الموضوع اللي عملنا عليه المقدمة الطويلة العريضة دي .. من وقت ما ناديتني وأنا عارف إن فيه حوار أصلًا وكل اللي قلناه ده مقدمه .. اتفضلي سامعك .
وجد وهي تضرب جبينه بخفة :
- بطل لماضة بقا .
بشير وهو يقبل يدها بحب :
- هسكت أهو .. يلا قولي عايزة تقولي إيه ؟
وجد بابتسامة :
- انت كبرت حبيبي .. ودلوقتي مفيش أي مانع إنك ترتبط وتكون بيت وأسرة وتشوف مستقبلك .. انتظرتك كتير تتكلم معايا في الموضوع ده لكن محصلش .
اعتدل بشير بتيه .. لقد ظن أن عمته وقعت في حب أحدهم أو أن أحدهم طالبها بأن يتقدم لخطبتها .. لم يكن يتوقع أن يكون الأمر برمته يتعلق به هو .
وجد وهي تجذبه من شروده :
- وصلت لحد فين ؟
بشير بحمحمة :
- أبدًا .. بس .. بس أنا مفكرتش في الموضوع كله بصراحة .. فعشان كده متكلمتش فيه .. وبعدين مكبرتش أوي يعني يا دودو .. دول كلهم بتاع أربعه وعشرين سنه .
وجد بجانب عينها :
- خلاص نستنى لما يبقوا أربعه وأربعين يا خويا .
ابتسم وهو يأخذ شهيقًا قويًا أخرجه ببطء مع كلماته :
- مش عارف يا وجد .. بجد مفكرتش في الموضوع .
اقتربت وجد وأمسكت بذراعه وهي تدخل في حديثها بشكل مباشر :
- بس أنا فكرت وبصراحة حسيت كمان .
بشير بعدم فهم :
- حسيتي بإيه وفكرتي في إيه مش فاهم ؟
وجد ببساطة :
- فكرت في البنت اللي هتناسبك .. وحسيت بتوترك من بنت معينة .
توترت ملامح بشير بقلق من تلميحات وجد فرمش سريعًا وهو يلتقط كوب الشوكولا الخاص به ويرتشف منه عدة رشفات متتالية .
وجد بهدوء :
- بشير .. إيلاف مش متقدملها عريس ولا حاجه .. أنا قلت كده عشان أتأكد من إحساسي بس .
بشير بنظرة مغتاظة :
- وإيه هو إحساسك بقا يا ست المشاعر إنتي .
وجد بتنهيدة :
- الحب مبيجيش خبط لزق يا بشير .. لو حسيت بالارتياح لشخص متترددش تكون قريب منه .. اخطف من العمر لحظات سعادة .. متعرفش بكرة مخبي إيه . 
ربتت على ذراعه بحب قبل أن تتحرك للداخل تاركه له مساحة للتفكير واسترجاع ما دار بينهما .. تعلم أنها أصابت الهدف تمامًا .. والآن عليها أن تترك له مساحة لاستيعاب هذا الكم من التجريد الذي فاجأته به . 
كانت على وشك الدخول لغرفتها لكن أوقفها صوت والدتها التي تحدثت بحب :
- اللي خلف ماماتش يا وجد . 
وجد بعينين دامعتين :
- واللي اتجوز واحدة زيك مخابش يا أمي . 
ركضت إلى أحضانها لتنتشلها مريم سريعًا وهي تقربها إلى قلبها .. 
مريم بتساؤل :
- ليه ديما بحس إنك متكتفه يا وجد ؟.. كأنك بتواجهي حاجة مش عايزة تتكلمي عنها ! 
وجد بتنهيدة :
- انتي وبابا ربتوني على حاجات مبقتش موجوده غير فيكوا انتوا .. مبقتش موجودة في حد .. عشان كده كلهم شايفيني معقدة .. هو أنا معقدة يا ماما ؟ 
احتضنت مريم وجنتها بحب وهي تتحدث بابتسامة تخصها وحدها :
- انتي مميزة يا وجد .. 
فكري نفسك ديما بالجملة دي .. التربية والأخلاق الكويسة بتتشاف تعقيد .. المحبه الزايدة بتتشاف قلة حياء .. سمعتك بتقولي لبشير زماننا بقا وحش يا بشير .. 
هرد عليكي بحاجة بسيطة أوي يا بنتي .. 
" نُعيب زماننا والعيب فينا .. وما لزماننا عيبٌ سوانا 
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب .. ولو نطق الزمان لنا هِجانا " . 
مش الزمن اللي وحش يا حته مني .. الناس هي اللي بقت وحشة .. النفوس مبقتش صافية .. القلوب مبقتش نقية .. الضمير مبقاش صاحي .. الأدب مبقاش بيمشي .. الأخلاق مبقتش ميزة .. 
الناس هي اللي وحشة .. وهي اللي شوهت الحلو اللي في الزمن .. عشان كده .. إوعي تكوني ماشية في طريق كويس يرضي ربنا ويرضي قلبك وضميرك وتتوتري أو تقلقي .. أول ما تقلقي أو تخافي أو تتضايقي .. فكري نفسك بإنك مميزة . 
ألقت وجد بنفسها بين أحضان والدتها وشددت من احتوائها لها .. تشكر الله ألف مرة على نعمة أم كهذه . 
بينما تنهد بشير بقوة وهو ينظر لصفحة السماء الصافية تمامًا حتى من النجوم .. 
حاول الانشغال عن التفكير بالأمر أو بها بتدقيق النظر في السماء لاستخراج النجوم الباهتة في إضاءتها .. 
لكن أجبره عقله على التفكير في كل ما قالته وجد .. 
خاصة حينما ألقت كلماتها بهدوء تام " الحب مبيجيش خبط لزق يا بشير .. لو حسيت بالارتياح لشخص متترددش تكون قريب منه .. اخطف من العمر لحظات سعادة .. متعلمش بكره مخبي إيه " 
َتذكر عبارة جدته له منذ قليل  " كل حاجه بتحصل ما هي إلا خير .. بس بلاش تتجاهل رسايل ربنا حبيبي ." 
أخذ يتذكر تفاصيل المواقف التي جمعته بإيلاف .. أبرزها حينما تحدث صديقيه عنها .. وأخرى حينما قص عليها قصة هود .. يذكر أيضًا ابتسامتها الصافية حينما خرجت من غرفة وجد رغم كونها كانت قد دلفتها بوجه عابس حزين .. 
يشعر أنها فتاة حزينة ولا يعلم سبب حزنها هذا .. ضعيفة كذلك .. ويكره هذا بها حقًا .. وربما هذا أكبر دافع لكونه انجذب لها تحديدًا .. يود أن يغير هذا بها .. يجب أن تكون قوية بالقدر الكافي لمواجهة هذا العالم البائس .. 
تنهد بقوة وهو يعيد النظر بتدقيق في السماء .. هل هي اختياره حقًا .. أم أن للقدر رأي آخر ؟ 
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
اجتمع الجميع على سفرة العشاء في جو بهيج تضفيه رضوى وروضة وسلسبيل اللاتي لا يصمتن إن اجتمعن .. 
مروان بهدوء :
- ربنا يديم جمعتنا في الخير يارب يا أحباب .. نبدأ باسم الله . 
بدأ الجميع في تناول الطعام ليقطع صمت الكبار سؤال مروان :
- عامله إيه في شغلك الجديد يا بدور ؟ 
بدور بحمحمة :
- الحمد لله يا جدو .. كويسه .. لسه في البداية وبقول يا هادي أهو . 
مروان بابتسامة :
- ربنا يوفقك يا حبيبتي .. طبعا يا بدر انتي مش محتاجة أسألك شغلك عامل إيه .. نتايج المسابقات اللي بتطلع من النادي عندنا في السباحة تشرف حقيقي . 
بدر بابتسامة :
- كله بفضلك يا جدو إنت وخالو طبعًا . 
بدور بتصحيح :
- قدمي فضل ربنا يا بدر . 
زفرت بدر بغيظ وضيق لاحظه عمار الجالس مقابلها مباشرة ليعقد حاجبيه وهو ينظر لها بتمعن ثم إلى بدور التي تتابع تناول طعامها وحديثها مع أصالة .. 
عمار بتلقائية :
- بدور غمازتها يمين وبدر غمازتها شمال .. بدور ملتزمه فهي من أهل اليمين فغمازتها يمين ... بدر ااا .. 
قطع حديثه حينما وجد أنه سيخطئ فيما سيقول لينظر له مالك بحده فرفع عمار كتفيه بقلة حيلة مبررًا :
- بتلخبط بينهم .. وكل مره أقابل بدور أناديها بدر وهي بتزعل .. بحاول أفرق بينهم بس . 
سبأ بعفوية :
- نقي كلامك يا عمار قبل ما تقوله . 
ضربت العبارة في عقلة بطريقة أخرى في مواقف مشابهة لهذا حينما استفسر منها عن سبب عدم صلاة أصالة حينما كانت في عمرها الثالث عشر .. وقد غضبت عليه حينها وهي تهدر بضيق :
- نقي الأسئلة اللي هتسألها قبل ما تسأل . 
كما يذكر كونه قد أخبر جدته كون والديه متشجاران وهو في عمر العاشرة تقريبًا .. بعدها قامت بضربه على يده وهدرت في غضب :
- نقي الكلام اللي هتقوله قبل ما تقوله . 
ولن ينسى بالطبع كونها هدرت بعصبية مفرطة في وجهه حينما طالبها بأن تبتاع له كلبًا فكان ردها :
- إختار الحاجة اللي هتنفعك واشتريها يا متشتريش . 
ألا تزال تعامله بالطريقة ذاتها حتى وهو في هذا العمر وأمام الجميع هكذا !!.. إنها لا تملك اللون الرمادي في حياتها ... إما أبيض أو أسود .. إفعل أو لا تفعل .. كُن أو با تكُن .. لا وسطية أبدًا .. 
ترك الطعام من يده وهو يأخذ شهيقًا قويًا أخرجه دفعة واحدة مع كلمته :
- الحمد لله . 
تحرك تجاه دورة المياه تزامنًا مع تساؤل جدته :
- انت مكلتش كويس يا عمار .. رايح فين ؟! 
عمار بإيجاز :
- الحمد لله . 
نظرت شهد لسبأ بعتاب لترفع سبأ كتفيها بتساؤل عن خطئها وأشارت على بدر برأسها لتراها شهد منكسة الرأس تأكل في صمت . 
تنهدت شهد بيأس من تعامل سبأ الخاطئ مع عمار تحديدًا .. 
قُضي بعض الوقت واستأذن سفيان بالمغادرة لكونه مستيقظ من البكور ولديه عمل في الصباح .. ومن بعده تحرك مالك وبصحبته فجر وأصالة وسلسبيل .. في حين تحدث عمار بهدوء :
- أنا هبات معاكوا النهارده يا جدو .. لو .. 
مروان مقاطعًا :
- مفهاش لو يا عمار .. أدخل ارتاح ولو مش عايز تنام عرفني هننزل نتمشى شوية . 
عمار بابتسامة :
- لا يا حبيبي هنام عشان عندي مرافعة بكره بأمر الله .. يلا تصبحوا على خير . 
تحرك مغادرًا ومن بعده مروان الذي غمزته شهد فذهب لغرفته تاركًا المساحة لشهد كي تتحدث إلى سبأ . 
شهد بتنهيدة :
- تقدري بقا تقوليلي كان إيه لزومه ردك على عمار النهارده ؟
سبأ :
- ياماما مش سمعتيه بيقول إيه !!.. إزاي يتكلم كده عن بنت عمته ؟! 
شهد بهدوء :
- كانت بدر كفيلة ترد .. أو بلاش بدر خالص .. كان سفيان كفيل يرد عليه .. مالك .. مروان .. حتى فجر .. لكن مش انتي يا سبأ . 
سبأ بضيق :
- وليه بقا مش أنا يا ماما ؟!.. مش أمه أنا ؟! 
شهد بتنهيدة :
- أقل حاجه عشان علاقتكم يا سبأ .. عمار المفروض إنك تحاولي تكسبيه .. مش تبعديه عنك أكتر . 
سبأ بتنهيدة :
- عمار لو طايل يتبرا من أمومتي هيعملها يا ماما . 
شهد بجدية :
- بسبب طريقتك يا سبأ .. طريقتك معاه غلط .. من صغره وانتي تعاملك معاه غلط .. يغلط ينضرب .. يزن تزعقيله .. يغلط في واجباته تشكيه لأبوه أو تعاقبيه .. حتى بعد ما كبر وبقا راجل ملو هدومه .. بتغلطيه في قعده فيها أخوه واخواته البنات وبنات عمته .. ده غلط يا سبأ .
سبأ بتنهيدة متعبة :
- ماما الله يكرمك أنا تعبانه ومحتاجة أنام دلوقتي .. نتكلم بعدين بأمر الله .. يلا تصبحي على خير . 
غادرت سبأ لتتنهد شهد بيأس من انصلاح هذه العلاقة بين سبأ وابنها والتي لا تعلم كيف تدهورت إلى هذا الشكل .. لقد أخذت منحنى غريب للغاية يصعب الرجوع عنه .. لكنها ستحاول . 
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
مر يوم والثاني وتبعهما الثالث .. جالسًا في مكانه الذي يحتوي صمته وحزنه .. يحتوي هروبه من العالم أجمع .. يناظر الأشجار بأعين متذبذبة .. تناشده البكاء ويرفض بقسوة .. بقلب منفطر .. يناشده الصراخ ويكتمه بغلِظة .. 
لم تأتهِ منذ آخر مره .. لقد استيقظ في اليوم التالي مُعلنًا التمرد على تفكيره بخذلانها له .. لقد استثناها من جديد .. وخذلته من جديد .. 
لقد أصبح الأمر فوق احتماله ..
قاطع سيل أفكاره وشروده طرقات الباب وتبعه دخول الممرضة .. 
ناظرها ريان باستفهام لترد استفهامه بابتسامة هادئة تبعتها بحديثها الهادئ :
- أنا أمنية .. الممرضة الجديدة .. لإن صحبتي هتتجوز بقى وكده .. فأنا هنا معاك مكانها .. وأي حاجه تحتاجها  اا .. 
قطعت استرسالها في الحديث حينما وجدته ينظر أمامه بدون اهتمام أو تعبير .. 
تحمحمت بحرج من ثرثرتها وأنهت ما أتت لأجله ثم غادرت الغرفة بصمت تام .
تقابلت في الممر مع والدته التي ابتسمت بوجهها في بشاشة وهي تتساءل بهدوء :
- حضرتك مدام ديالا مامة ريان مش كده ؟
ديالا بابتسامة بدت باهته رغم صفائها :
- آه يا حبيبتي ... انتي الممرضة الجديدة صح ؟
أماءت أمنية بهدوء وهي تسترسل بإيجاز حتى لا تضع ذاتها في نفس المأزق من جديد :
- إسمي أمنية .. لو في أي حاجه حضرتك بس ابعتيلي .
ديالا وهي تمسد ذراعها بهدوء :
- متشكره لتعبك يا بنتي .
أمنية ببساطة :
- ولا تعب ولا حاجه يا ست الكل .. ده شغلي .. ربنا يقويه ويتم شفاه على خير .
ديالا بابتسامة :
- آمين آمين يارب .
غادرت أمنية لتجلس ديالا أمام الغرفة لبعض الوقت محاوله استجماع بعض القوة كعادتها حتى تدخل له بابتسامة مشرقة صافية كي تزيل عنه قليلًا من توتره مما هو فيه .. وحتى تبدو على قدر من القوة التي يحتاج إليها في هذا الوقت الراهن ..
لا تدري سببًا واضحًا لإختفاء سندس هذه الأيام .. لكنها أدركت لوهلة أنها أخطأت حينما هاتفتها ..
لقد زاد الأمر من انعزالية ريان واعتكافه عن السابق ..
تنهدت بضعف وتحركت من مجلسها وهي تشهق أنفاسًا سريعة أخرجتهم بشكل أسرع  ودلفت لغرفته لتجده قد افترش فراشه وأغمض عينيه كي ينام مُعلنًا عن رفضه لأي حديث من أي نوع كعادته منذ آخر محادثة بينهما .. كأنه يهرب مما قاله ... وربما منها هي .
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
وصل لمكتبه وقام بطلب أحد العساكر الذي أتاه على الفور ..
أدى التحية ليعرض عمار سؤاله مباشرة :
- غادة خالد .. مظهرتش من آخر عملية ليها .. هي في عملية جديدة ولا إيه ؟
العسكري بتعجب :
- لا يا فندم .. كانت في عملية من قريب واتصابت .. تقريبا خرجت من المستشفى امبارح .
انتفض عمار لما سمعه وناظره ببعض التردد .. لكنه حزم الأمر وعرض سؤاله سريعًا :
- متعرفش هترجع النهارده ولا أجازه فترة قد إيه ؟
العسكري ببساطة :
- هتنزل الشغل بكره يا فندم .. كانت إصابة في صدرها وسامي بيه رفض إنها ترجع قبل الوقت اللي تحدده المستشفى .
عمار بتنهيده :
- تمام .. روح إنت .
خرج ليُلقي عمار بالقلم فوق المكتب وهو يزفر بضجر .. تلك المتعجرفة .. يعلم أنها لن تجلب سوى المشاكل في كل مكان تخطوه قدماها .. متعجرفة غبية .
سيصبر حتى الغد كي يطمئن عليها .. ولكن الآن سيعلم ماهية العملية التي خرجت فيها وأُصيبت .
أخذ طريقه لمكتب سامي ودلف بعد أن أذن سامي بذلك ..
تحدث عمار عن كثير من القضايا ونتائجها .. وبدأ يبحث عن طريقة كي يسأل عن غادة وسبب إصابتها ..
لكن أتته الإجابة دون سؤال حينما تحدث سامي بهدوء :
- القضية اللي إنت ماسكها وبتدور في ثغراتها .. حطينا غادة وجهه ليهم .. وفي مداهمة اتصابت عن عمد ففتحنا تحقيق جديد ..
 ده ملف بكل المعلومات اللي وصلتلها غادة .. إدرسها كويس لحد بكره وأي استفسار غادة هتجاوبك عليه .
التقط عمار الملف من يد سامي وهو يتحدث بذهول :
- مش لاقي غير غادة وتحطها طعم ؟! 
سامي بهدوء :
- غادة كويسة في شغلها يا عمار . 
عمار بضيق :
- ولسانها تلاته متر ودماغها قِفل مصدي . 
سامي بضحكة :
- عمار .. خليك خفيف ها .. غاده طايشة بس بتيجي بالمسايسة .
عمار وهو يضم شفتيه للأمام بعدم رضى :
- هي بنت أختي أم خمس سنين عشان أسايسها .. ده شغل .
سامي ببساطة :
- خليك خفيف بردو .
أنهى كلمته وهو يغمز عمار الذي ناظره بغيظ وخرج من المكتب ..
شبح ابتسامه اعتلى ثغره وهو ينظر للملف في يده .. سيعملان  معًا .. هل هذا يوم سعده !!
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
أنهت بعض التقارير المطلوبة منها لهذا اليوم وتحركت كي تُسلمهم لأحد المسئولين ..
تقابلت وعلي الذي ابتسم بهدوء وهو يتساءل :
- إيه خلصتي ؟
بدور بتعب بادي على وجهها :
- قصدك خِلصت .. القضية اللي اتصابت فيها ظابط دي مكلكعة ولا أجدعها صينية مكرونه بشاميل .
ناظرها علي لبعض الوقت في عدم فهم أو استيعاب لما تفوهت به ..
ما دخل القضية بكلمة " مكلكعة " بصينية المعكرونه بالبشاميل !!
نظرت له بدور ترى سبب صمته المفاجئ لترى علامات الحيرة على وجهه لتتحدث ببساطة وهي ترفع كتفيها للأعلى :
- أقصد يعني عشان المكرونه بالبشاميل بتاخد مجهود ووقت وبتتكلكع كده في الصينية وصعب تفكك محتواياتها يعني .. فهي شبهها .
لم تتم جملتها حتى انفجر علي في الضحك وهو يهز رأسه للجانبين بقلة حيلة من هذه الفتاة الغريبة .. هي بالنسبة له مختلفة .. مختلفة في كل شيء .
بدور بإحراج :
- بعد إذنك .. أنا هسلم اللي معايا عشان اتأخرت .
علي بحمحمة :
- بعتذر على الضحك ده بس ..
ضحك ضحكة خفيفة وهو يستطرد :
- بس تشبيهاتك غريبة .
بدور بهدوء :
- لا عادي .. بعد إذنك .
غادرت بدور ليتنهد علي بقوة وهو ينظر في أثرها بنظرة متأرجحة ما بين الإعجاب بشخصيتها المستقلة .. وبين .. بين ماذا ؟.. لا لا بالتأكيد ليس كما يظن قلبه .. هذا هراء .
نفض رأسه سريعًا وهو يتحرك خارج الجريدة كي يغادر إلى منزله .. وكلما ظهرت بدور في أفكاره استغفر ونفض الأفكار بعيدًا ..
بينما ابتلعت بدور ريقها ما إن تخطته وهي تضع يدها على وجهها الذي تشعر كونه يضخ حرارة وتوهج .. كيف سمحت لنفسها بالوقوف معه هكذا ؟.. كيف تحدثت بمزاح أمامه وأعطته فرصة الضحك معها حتى ؟!!.. يجب أن تستفيق وألا تجعل وظيفتها التي تحتم عليها الاختلاط بأن تتحكم في تصرفاتها وتغير من مبادئها ..
من الغد سيكون كل شيء مختلف .... 
(🌸ما يُصِيبُ المسلِمَ من نصَبٍ، ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ، ولا حَزَنٍ، ولا أذًى، ولا غَمٍّ، حتى الشوْكةَ يُشاكُها، إلَّا كفَّرَ اللهُ بِها من خطاياهُ🌸) 
جلست إلى جوار والدها الذي طلب منها القدوم إليه وهي على علم تام بما يود التحدث عنه .. فهذه هي العادة .. كلما تقدم خاطب لخطبتها يطلبها والدها في المساء كي يتحدث إليها بمفردها .. 
جلست أصالة بعدما وضعت كوبي الشاي أمامهما وتحدثت بمزاح :
- الكلام على إيه يا بو عمار المرادي ؟ 
مالك بضحكة خفيفة :
- قفشاني ديما كده يا صولا ! 
أصالة بتبرير :
- غير طريقتك يا حاج .. كل مره تقولي أصالة اعمليلنا شاي وتعالي يا بابا في البلكونه عايزك شوية .. غير يا أبو عمار .. تعالى مثلا في مره كده قوم متصل بيا وقولي أصالة اجهزي يا حبيبتي هنخرج .. وأجهز بقا وتاخدني تعشيني عشوة حلوة كده وتقوم داخل في الموضوع دوغري . 
عمار بمزاح :
- أنا أعرف إن أقرب طريق لقلب الراجل معدته .. تقريبًا نسيوا يكملوا المقولة بإنه أقرب طريق لعقل البنت كمان معدتها . 
أصالة بضحك :
- لا إحنا طرقنا بتختلف يا حاج .. واحدة بمعدتها وواحده بهدية وواحده بكلمتين حلوين .. وسلَّك أمورك بقا . 
مالك وهو يجذب أذنها :
- في واحدة محترمه تقول لابوها سلَّك أمورك بقا ؟! 
أصالة وهي تتألم بمزاح :
- آه آه .. إيه يا حاج براحه عليا مش كده . 
مالك بابتسامة :
- كبرتي يا أصالة . 
أصالة بمرح :
- لا بقولك إيه .. مش هندخل في شويتين الدراما الهندي من أولها كده .. عياط بقا وشحتفة . 
مالك وهو يرفع يديه للسماء :
- يا رب .. 
نظر لها  ثم تابع من جديد :
- انت عالم يا رب . 
أصالة بشهقة :
- انت بتدعي عليا يا أبو عمار ؟!
مالك وهو يجذبها من أذنها :
- يا بت افصلي بقا خليني أعرف أقول الكلمتين . 
أصالة بهدوء واهتمام  :
- قول يا حبيبي سمعاك . 
مالك :
- إبن صديقي شافك ... 
شهقت أصالة وهي تسأل :
- شافني فيين ؟ 
مالك وهو يضرب يديه معًا :
- يا رب الصبر يا رب . 
أصالة بضحكة خفيفة :
- سوري يا حاج اندمجت شوية .. مش هقاطعك تاني خلاص . 
مالك بتنهيدة :
- إبن صديقي شافك من فترة قريبة .. كان جاي يجيبلي أوراق بخصوص شغل كده بيني وبين والده .. وانتي كنتي يدوب خارجة من بوابة العماره وهو كان تحت وقتها منتظرني .. اا .. لما أنا نزلت كنتي يدوب ركبتي التاكسي وشاورتيلي منه وأنا شاورتلك .. فهو سألني إذا أعرفك وقلتله إنك بنتي .. متكلمش أكتر من إنه قال ربنا يحفظهالك .. 
مرت الأيام وامبارح لقيت والده عندي في المكتب وفاتحني في الموضوع وطلب معاد يعني وكده .. فأنا قلتله أشورك الأول وبعدها الخير ربنا يقدمه .. ده كل ما في الأمر يا ستي . 
أصالة بتفكير :
- إبن صاحبك شافني مره واحده وأنا معديه من قدامه رايحه أركب تاكسي .. وبعدها طلب يتقدملي !!.. على طول كده !
مالك بهدوء :
- والمفروض يحصل حاجه غير كده ولا إيه ؟ 
أصالة بتوضيح :
- لأ أنا أقصد إنه مبيغضش بصره يا بابا . 
مالك وهو يرمش سريعًا :
- حبيبتي أكيد هو ميقصدش كده .. خصوصا كمان إن كِنان شخص محترم جدا ما شاء الله عليه .. الأمر كله ممكن يكون ارتياح للعيلة مثلا .. أو إعجاب من لبسك .. بتيجي كده يا حبيبتي .. فهماني ؟ 
أصالة بتنهيدة :
- فهماك يا بابا .. سلمها لله وربنا يقدم الخير . 
مالك بتساؤل :
- يعني أديله معاد ؟ 
أصالة بخجل :
- اللي حضرتك تشوفه يا بابا . 
مالك بضحكة :
- الاحترام بينقط ما شاء الله ... فين أم لسانين اللي كانت بتكلمني من شوية . 
أصالة بمزاح :
- عايزها أخرجهالك . 
مالك بمرح :
- لا لا .. خليها جوه نايمه زي ما هي .. خلينا في الحلو الكسوف اللي قاعد ده أبو خدود حمره . 
أصالة بخجل :
- يا بابا بقا .. بطل تكسفني . 
بقيا يتضاحكان معًا لوقت لا بأس به حتى ولجت أصالة للنوم .. والغريب أنها حقًا تشعر براحة غريبة لا تعلم مصدرها أو إلام تعود !!! 
                🌸 لسه الأمل موجود  🌸
                🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الخامسة عشر بقلم دنيا الشملول

استيقظت بنشاط رغم ما يعانيه جسدها من خمول .. لكنها ستعود للعمل .. وهذا كافٍ لأن يجعلها تتنشط مع صباح مفعم بالحيوية ..
قفزت من فراشها مُنهية طقوسها الصباحية ومن ثم خرجت لتُلقي بتحية الصباح على والدتها التي اختفت ابتسامتها ما إن رأتها تستعد للذهاب ..
نرمين :
- غادة .. انتي بتفكري حتى تنزلي الجهاز ؟
غادة بتأكيد وهي تطبع قبلة رقيقة فوق وجنة والدتها :
- طبعا يا ماما .. بقالي معاكي كام يوم أهو .. حلوين أوي .. إيه مزهقتيش مني !
نرمين بحزن :
- يا حبيبتي جرحك ..
قاطعتها غادة بمزاح :
- لا لا يا ماما انشفي كده .. ده مجرد خربوش مش جرح .. ما تقوليلها يا عمتو .
رحيق بضحكة خفيفة :
- والله يا نرمين أبغي أقولك إن شغل المخابرات الرصاصة فيه زي شكة الدبوس بالنسبالنا بس أستحي . 
ضحكت غادة لما تفوهت به عمتها في حين ضمت نرمين ملامحها بضيق وهي تتحدث برجاء :
- خليكي النهارده كمان وانزلي بكره .. أكون اتطمنت عليكي أكتر .
غادة وهي تطبع قبلة أخيرة فوق جبين والدتها :
- أقدر أوعدك إني هخلي بالي من نفسي .. لكن مقدرش أقعد دقيقة واحده تانيه .. يلا أشوفكم بليل بقا .
لوحت بيدها وخرجت من المنزل لتتنهد نرمين بقلة حيلة ..
وصلت حيث الجهاز وغادرت سيارتها وهي تقوم بوضع سلاحها في موضعه وولجت لتلقي بالتحية على كل من يقابلها ..
توقفت حينما تناهى إلى مسامعها صوت تعلم صاحبه جيدًا ..
غادة بمزاح :
- إوعى تقولي إني فشلت في المهمه بعد الإصابة الخطيرة اللي اتعرضتلها دي .. لا بجد هزعل . 
ضحك اللواء سامي وهو يقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة وتحدث بجدية :
- مبارك نجاحك في مهمتك يا غاده .. وعشان أكون صريح معاكي .. متوقعتش إنك تخاطري بنفسك عشان تنقذي المهمه .
غادة وهي ترفع كتفيها للأعلى ببساطة :
- ده شغلنا يا سامي بيه .
سامي بتنهيدة :
- ربنا يفاديكي يا بنتي .. على كل حال دلوقتي القضية هتشتغلي عليها مع عمار ومعاكم فريق مجهز طبعًا .. والملف حاليا مع عمار بيدرسه .
غادة وهي تزفر بحنق :
- ظباط الجهاز خلصوا مش لاقي غير عمار اللي تحطني معاه يا سامي باشا !
ضحك سامي بملء فمه ومن ثم تحرك مغادرًا بعدما ألقى عبارته :
- ما محبه إلا من بعد عداوة .. يلا شدو حيلكم .
غادر سامي تاركًا غادة تفرك جبينها بغيظ وهي تأخذ أنفاسًا سريعة استعدادًا لمقابلة سبع الليل ..
ضحكت ضحكة خفيفة وهي تستمع لصوت ذاتها من هذا اللقب الذي أطلقته عليه .. يستحق .
طرقت بخفة على باب مكتبه لتدلف بتباطؤ بعدما أتاها صوته يأذن لها بالدخول ..
تركت الباب مفتوحًا وجلست أمامه بصمت ليرفع ناظريه لها وابتسامة بلهاء ارتسمت فوق ثغره أخفاها سريعًا وهو يتحمحم ليتحدث بجدية :
- لما اللوا سامي قالي إنك اتصابتي ظنيت إنك أخفقتي في المهمه .. مكنتش أعرف إن إصابتك من ضمن خطتك !
غادة ببساطة :
- يوضع سره في أضعف خلقه .
عمار بتأكيد :
- صحيح .. المهم .. الفريق اللي هيكون معانا زمانهم على وصول .. المداهمه الجاية محتاجة تخطيط من حديد وشغل جامد .. مستعدة ؟
تعجبت غادة من طريقته معها .. أين ذاك المغرور المتعجرف !
تعجب عمار من صمتها الذي طال فتابع بتساؤل :
- في حاجه ولا إيه ؟!
غادة وهي تضع إصبعها أسفل ذقنها وقامت بضم حاجبيها وهي تتساءل بجدية :
- ألا هو عمار فين ؟!
ناظرها ببلاهه غير مدرك مقصدها من السؤال .. لكنه تراجع بظهره للخلف وهو يرفع إحدى حاجبيه باستفزاز :
- عمار ده مش واحد صاحبك .. الشغل شغل .
غادة وهي ترفع جانب شفتها بسخرية :
- ايوه كده .. متبقاش تغيب عننا تاني .. عشان بنقلق عليك .
كز عمار أسنانه بغيظ منها .. هل الجميع يعرف عنه الاستفزاز ؟!.. إذا ماذا تكون هي الآن !
قطع نظراتهما المستفزة لبعضهما دخول باقي الفريق والذي يتكون من ثلاثة آخرين .. 
بدأ التعارف فيما بينهم ليتحدث عمار بهدوء :
- فهد وأماني وسعيد .. دي مش أول مهمه لينا مع بعض .. لكن أول مهمه في وجود فرد جديد ضمن الفريق .. يلا عشان نشوف شغلنا . 
جلس الجميع لوضع خطة المداهمة الجديدة والتي ستكون على تهريب سلاح في مناطق جبلية تم الاستعلام عنها مسبقًا .. 
تم وضع الخطة على أكمل وجه واستعد الجميع لخوض المداهمه عند بزوغ الفجر .. 
(🌸أثنين تذهب ضياعاً: عقل بلا دين، ومال بلا بذل.🌸) 
انتهت من خوض اختبارها الأول وخرجت من المبنى بعدما هاتفت صديقاتها وتقابلن أمام الكافتيريا .. 
هند بتساؤل :
- إيه الأخبار ؟.. عملتوا إيه ؟ 
تولين بهدوء :
- كان كويس جدًا .. وانتي يا سندس ؟ 
سندس بتنهيدة :
- كويس يا بنات .. يلا خلونا نمشي . 
جذبتها تولين من يدها أوقفتها أمامها وتحدثت بجدية :
- انتي فيكي إيه يا سندس ؟.. بقالك فتره مش مظبوطة . 
سندس بتنهيدة وهي على وشك البكاء :
- مفيش حاجه يا تولي .. يلا خلونا نمشي . 
تولين بإصرار :
- مفيش حاجه إزاي ؟.. انتي هتعيطي وتقولي مفيش حاجه ؟.. سندس .. اتكلمي مالك ؟؟ 
كأن عينيها كانتا بانتظار سؤال كهذا حتى تسمح للعبرات بأن تتسابق على وجنتيها فانتشلتها تولين إلى أحضانها على الفور وبدأت تغمغم بكلمات غير مفهومة لتهدئ من حالة سندس .. في حين ذهبت هند لتجلب بعض المياه .. 
عادت لهما لتجدهما على حالهما .. أعطت تولين زجاجة المياه والتي قامت بدورها بجذب سندس إلى السور وجلست بها ومن ثم أعطتها المياه كي ترتشف القليل منها .. 
بعد وقت لا بأس به استطاعت سندس أن تُحجم من مياه عيونها وتتماسك قليلًا فأعادت تولين بهدوء :
- قوليلي مالك يا سندس ؟.. إيه حصل معاكي لكل ده ؟ 
سندس ببحة خفيفة :
- ريان . 
هند بتساؤل :
- ماله ريان ؟!.. هو بقاله زمن مبيجيش صحيح ولا بيظهر .. في حاجه ولا إيه ؟! 
سندس بعدما إزدردت ريقها :
- عنده .. عنده كانسر . 
شهقت الفتاتان وتراجعت هند خطوه للخلف وهي تضع يدها على فمها تكتم شهقتها قبل أن تنفي بذهول :
- لا لا مستحيل .. إيه اللي بتقوليه ده .. مش ممكن أبدًا لا . 
سندس وهي تستنشق ما بأنفها :
- للأسف حقيقي .. وبيتعالج دلوقتي . 
تولين بأسف :
- لا إله إلا الله .. ربنا يشفيه ويعافيه بجد .. أحزنني والله يا سندس الخبر .. طب هو حالته إيه دلوقتي ؟ 
سندس وهي تهرب بعينيها :
- مش عارفه . 
تولين بعدم فهم :
- يعني إيه متعرفيش ؟! 
سندس بتهتهه :
- مرحتلوش بقالي .. بقالي فترة . 
هند باستنكار :
- بتهزري صح !.. لا قولي إنك بتهزري !.. يعني إيه مرحتيش بقالك فترة ؟.. المفروض تبقي جنبه .. إنتي عبيطه ؟! 
سندس باندفاع :
- أروحله بصفتي إيه ؟.. أفضل هناك بناءً على إيه ؟.. مين أنا عشان أكون جنبه ؟! 
تولين بتعجب :
- يعني إيه بصفتك إيه ؟!.. انتي عارفه وأنا عارفه وكلنا عارفين إنه بيحبك .. وانتي كمان بتحبيه !... يبقى إزاي بتطلبي لنفسك صفه عشان تبقي جنبه في ظرف زي ده ؟! 
سندس بحده وصوت مرتفع بعض الشيء :
- أعرف منين إنه بيحبني ها ؟.. عشان بيقف قدام كليتي لحد ما أخرج ويتطمن إني كويسه ويمشي ؟.. هو ده دليل حبه ليا بالنسبالكم ؟.. طب ليه مفترضتوش إنه بيأدي واجب مثلًا !.. أو إني أخت بالنسباله وهو بيحاول يقوم بدور الأخ ليا .. أو إنه حاسس بالمسئولية ناحيتي مش أكتر .. أو إنه اتعود على إنه يكون جنبي في كل كبيره وصغيره .. كل دي افتراضات أهي .. ليه مفترضتوهاش بدل الحب ؟! 
هند باستنكار :
- وليه ميكونش حب ؟.. فرحته اللي بتبان في عينيه لما بيشوفك تضحكي .. انتظاره ليكي لو لساعات .. ومتنسيش إنه أصلا شخصية بعيده كل البعد عن البشر .. ومع ذلك محتفظ بجزء يخصك لوحدك .. خمس سنين لا كل ولا مل من انتظاره ليكي .. ليه ميكونش حب .. بلاش كل ده أصلًا .. حتى لو كان بيعمل اللي بيعمله ده من إحساسه بالمسئولية تجاهك ولا بافتراض أخوه بينكم أو حتى تعود منه على وجوده جنبك في كل كبيره وصغيره زي ما بتقولي .. وهو دلوقتي محتاجك .. تحت أي مسمى من المسميات محتاجك .. محتاج الاستثناء عن البشر اللي خصك بيه .. محتاج يشوف ضحكتك اللي كانت بتخليه يبتسم على الأقل وده شيء تقريبا ميحصلش من ريان من أصله .. محتاج يتقاوى بيكي ويحس إنك حواليه زي ما كان بيعمل عشانك حتى من غير ما يقدم حاجه .. إلا إن وجوده نفسه كان كافي .. تقدري تقوليلي إيه لازمته الحب أصلا لو مش هتبقي جنبه في وقت زي ده ؟!.. إيه لازمته حالك ده طالما مش هتبقي جنبه أو مش واثقه في حبه ليكي ؟.. انتي محتاجه تفوقي لنفسك يا سندس .. محتاجه تراجعي أمورك .. وأتمنى .. حقيقي بتمنى يا صحبتي إنك متكونيش بتتخلي عنه في أزمته دي .. عشان وقتها اللي انتي حساه ناحية ريان هيبقى أي حاجه في الدنيا إلا إنه يكون حب .. الحب اللي ميقويش يبقى بالناقص منه . 
أنهت جملتها وغادرت المكان تاركه خلفها سندس التي انهارت جالسه فوق السور تعيد حديث صديقتها داخل عقلها الذي تشتت كليًا .. لتجلس تولين بجانبها وهي تُهدئ من حالتها بقلة حيلة :
- هند متقصدش تزعلك ... إنتي عرفاها غبيه ومندفعه شوية . 
سندس بخفوت :
- هي ما قالتش غير الحقيقه .. الحقيقه اللي أنا عميت عيني عنها بنفسي . 
تولين بتنهيدة :
- مهما كان إحساسك يا سندس تجاهه أو إحساسه هو تجاهك .. حطيهم على جنب خالص وأقفي جنبه .. هو محتاجك وده شيء مينفعش تتجاهليه لمجرد إنك متعرفيش إنتي بتمثلي إيه في حياته .. بعد الأزمه دي ما تعدي على خير بأمر الله هتعرفي . 
أماءت سندس وهي تمسح وجهها بباطن يدها وتحركت مع تولين خارج الجامعه وقد اتخذت قرارها .. ستذهب إليه وتهبه القوه وما يحتاج إليه .
لكن ترى هل سيتقبل هو ما ستهبه له ؟.. أم سيرفضه لكونها قد تأخرت ! 
(🌸أقوى الناس من قوي على غضبه🌸) 
قُضي يومها في الجامعه لتستعد للمغادرة .. ولكن أوقفها صوت ساره التي أتت مسرعة إليها وهي تتحدث بلهاث :
- آسفة يا دكتور بس .. بس كنت عايزة أسألك عن حاجة بسرعة .. الموضوع مهم شوية .
وجد عاقدة حاجبيها :
- طبعا يا ساره اتفضلي .. انتي بتستأذني ؟!
ساره بتنهيدة قوية :
- دلوقتي أنا اتسألت سؤال كده بس جاوبته إجابة سطحية .. لكن اكتشفت إني معرفش عن إجابته حاجه تقريبًا .
وجد بابتسامة :
- طب يلا نتحرك ونشوف إجابة سؤالك وإحنا في الطريق .
تحركت ساره معها وهي تعرض سؤالها بهدوء :
- دلوقتي أنا عايزة أعرف محرمات الزواج كلهم .. واحدة سألتني إذا ينفع تتجوز من ابن عم والدها .. لإنها بتحبه .. بس محدش طبعا يعرف حاجه زي كده .. بس هي بتسألني على أساس مشاعرها اللي حركتها دي .. فهماني ؟
وجد بتأكيد :
- فهماكي يا ست البنات .. شوفي يا سو .. محرمات النكاح يا حبيبتي بيتقسموا لقسمين ..
#القسم_الأول
محرمات للأبد .
#والقسم_التاني
محرمات إلى أمد .
ده يعني ببساطة كده في زواج مينفعش أبدًا ومحرم تمامًا إنه يتم .. وفي زواج محرم لكن ممكن يتم بس بشروط ..
 المحرمات للأبد دول تلت أقسام .. 
القسم الأول إسمه ( محرمات بالنسب ) .. 
ودول ياستي السبعه اللي ربنا قال عنهم في كتابه الكريم :
" حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم و أخواتكم وعماتكم وخالاتكم و بنات الأخ وبنات الأخت " 
(النساء : ٢٣) 
تيجي نمسك السبعه دول واحده واحده كده ... 
الأمهات في الآيه المقصود بيهم :
 الأم و الجدات سواء كانوا من جهة الأب أو من جهة الأم .
أما البنات فالمقصود بيهم :
 بنات الصلب .. يعني بنت الراجل .. بتبسيط يعني أنا بالنسبة لبابايا وإنتي بالنسبة لباباكي .. وكمان بنات الأبناء وبنات الأبناء .. و بنات البنات كمان .
أما بالنسبة للأخوات فيقصد بيهم : 
الأخوات الشقيقات و الأخوات من الأب و الأخوات من الأم .
طيب العمات بقا فهما :
عمات الراجل وعمات أبوه و عمات أجداده و عمات أمه و عمات جداته .
بعد كده نيجي للخالات .. ودول المقصود منهم :
خالات الرجل و خالات أبوه وخالات أجداده و خالات أمه و خالات جداته كمان .
بعد كده قال بنات الأخ ... ودول اللي هما :
بنات الأخ الشقيق و بنات الأخ من الأب و بنات الأخ من الأم و بنات عيالهم و بنات بناتهم وهكذا . 
آخر حاجه اللي هي بنات الأخت .. ودول :
بنات الأخت الشقيقة و بنات الأخت من الأب و بنات الأخت من الأم و بنات عيالهم و بنات بناتهم وهكذا . 
لحد هنا تمام ؟ 
أماءت ساره وهي تُعيد كلمات وجد في عقلها سريعًا للتابع وجد بهدوء :
 - القسم التاني بقا في المحرمات للأبد إسمه ( محرمات بالرضاعه ).. 
ودول بقا اللي قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف :
 " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " 
                                          رواه البخاري ومسلم 
طب أيه هي الشروط اللي تخلي في حرمة في الجواز من الرضاع ؟.. 
ببساطة كده هما شرطين ... 
الشرط الأول :
إنها تكون خمس رضعات فأكثر .. 
يعني لو الطفل رضع من المرأة أربع رضعات متكونش أمه .. 
وده طبعًا بإثبات حديث رواه مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- لما قالت : 
" كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- و هي فيما يقرأ من القرآن" 
الشرط التاني بقا .. إن يكون الرضاع قبل الفطام :
يعني شرط إن الخمس رضعات دول كلهم يكونوا قبل الفطام .. 
فلو كانت بعد الفطام أو كذا واحدة قبل الفطام والباقي بعد الفطام وقتها متكونش المرأة اللي رضعته دي أمه . 
لكن لو تمت شروط الرضاع .. الطفل وقتها بيكون إبن المرأه اللي رضعته .. زائد إن أولادها بيكونوا إخواته سواء كانوا أكبر منه أو أصغر منه بقا . 
 ده كله كده يخص القسم التاني من المحرمات للأبد اللي هو محرمات الرضاع .. نيجي بقا للقسم التالت اللي هو ( محرمات المصاهره ) :
دول المقصود بيهم يا ست البنات خمس حاجات .. 
أول حاجه :
زوجات الآباء و الأجداد .. وده ذُكر في القرآن الكريم في قوله تعالى :
" ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء" 
                                             (النساء- ٢٢)
يعني مجرد ما الراجل يعقد على امرأه .. فورًا بتبقى مُحرمه على عياله .. وعيال عياله .. وعيال بناته سواء دخل بيها أو لا . 
تاني حاجه :
زوجات الأبناء .. وبردو ورد ذِكره في القرآن الكريم في قوله تعالى :
" وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم " 
                                             (النساء-٢٣) 
يعني مجرد ما الراجل يعقد على امرأه .. فورًا بتبقى مُحرمة على أبوه وأجداده سواء أجداده من ناحية الأم أو من ناحية الأب .. وبردو سواء دخل بيها أو لا .. فهي خلاص محرمه عليهم .
تالت حاجه :
 أم الزوجة وجداتها .. وده في كلام الله اللي بيقول :
 " و أمهات نسائكم " 
                                              (النساء- ٢٣)
 وده بردو معناه إن بمجرد ما الراجل يعقد على المرأه تصبح أمها وجداتها سواء من ناحية الأم أو الأب محرمات عليه .. سواء دخل بيها أو لا .
رابع حاجه :
بنات الزوجة .. و بنات عيالها .. وبنات بناتها .. والربائب وفروعهن ..  
والربائب هنا معاناها بنت الزوجة سواء كانت بقا من زوج قبله أو من زوج بعده .. 
بس هنا بقا في شرط .. لو الراجل مدخلش على المرأة وحصل طلاق .. وقتها الربائب وفروعهن ميبقوش محرمات .. وده ذُكر في قول الله تعالى :
" وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم "         
                                                 (النساء-٢٣) 
كل اللي قلتهم دول محرمات للأبد .. 
نيجي بقا للقسم التاني اللي هو ( محرمات إلى أمد )..
أولهم :
أخت الزوجة و عمتها و خالتها .. 
وطبعا ده لغاية ما يحصل فراق بين الزوجة والزوج سواء بالموت أو الطلاق .. وده في قوله تعالى :
" و أن تجمعوا بين الأختين "
                                             (النساء- ٢٣) 
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : 
" لا يجمع بين المرأة و عمتها و لا بين المرأة و خالتها " 
                                                           متفق عليه
تاني حاجه :
- متعددة الغير : 
يعني لو كانت المرأه في عده لشخص آخر سواء بقا عدة وفاته أو عدة طلاقها .. مينفعش هنا الزواج منها إلا بعد إنقضاء عدتها .
تالت حاجه :
المحرمة بحج أو عمرة : 
مينفعش يتم النكاح إلا بعد إحلال المرأه من الإحرام .
وبس كده يا ستي .. ده تقريبًا كل اللي أقدر أفيدك فيه في الموضوع ده .
ساره باهتمام :
- وجد .. هو انتي بتجيبي المعلومات دي منين ؟! 
وجد بهدوء :
- ده كان كتاب بابا الله يرحمه أهداه ليا في عيد ميلادي لما تميت اتنين وعشرين سنه .. إسمه ( الزواج ) لابن عثيمين . 
ساره بتنهيدة :
- أنا سجلتلك صوت بصراحه عشان لما أروح أكتب كل اللي قلتيه ومنساش حاجه .. عادي ولا أحذفه ؟ 
وجد بابتسامة :
- لا يا حبيبتي مفيش مشكله .. أهم حاجه ميسمعوش رجال .. تمام ؟ 
أماءت ساره وقامت باحتضان وجد مودعه إياها بعد أن شكرتها على هذا الكم من المعلومات القيمة والتي ستضاف لقاموس معرفتها بدءًا من الآن . 
(🌸التائب من الذنب كمن لاذنب له.🌸) 
اتجهت إلى مقعدها بعدما عادت بآخر الأخبار التي تخص إحدى قضايا البحث الجنائي ..
جلست في إنهاك ليأتيها علي بكوب نسكافيه واضعًا إياه أمامها بهدوء وهو يتحدث بابتسامة هادئة :
- منتيش وش بهدلة والله .
بدور وقد تذكرت قرارها في أن تحافظ على الحدود بينهما أكثر من قبل :
- ده شغل .. وربنا بيدي كل واحد على قد سعيه .
علي مستشعرًا بعض الغرابة في نبرتها :
- عندك حق .. ربنا يوفقك ديما .. محتاجه حاجه ؟
بدور بتحفظ :
- متشكرة أوي .
أومأ علي وعاد إلى مكتبه ينظر لظهرها الذي توليه إياه بحيرة من أمرها :
- ما دهاها لتحادثه بهذا التحفظ ؟!.. هل تطاول في الحديث معها ؟.. لم يحدث !!.. إنه شديد الحرص في التعامل مع السيدات هنا .. ولكن هل هي كبقيتهن ؟!.. أو هل يعاملها حقًا كما يُعامل الباقيات ؟!
أتته الإجابه بصوت خفيض من جانبه :
- يعني أكيد مميزه شويتين طالما بيروحلها النسكافيه لحد عندها وده مش من عوايدك إنك تهتم بحد كده .
رمش عدة مرات وهو ينظر لحازم وشدا الواقفين فوق رأسه عاقدي الأزرع يناظرانه بمكر ..
علي مزدردًا ريقه بتوتر :
- بتتكلمي عن إيه ؟ مش فاهم !
حازم وهو يضرب كتفه بخفة قبل أن يجلس فوق مكتبه :
- قول كلام غير ده يا عم علي .
علي بتأتأه :
- مـ مفيش كلـ كلام أقوله أصلًا ..
أراد أن ينهي الحوار فتحدث بجدية نوعًا ما :
- إيه أخبار القضية بتاعة فراس وأبوه ؟
شدا بتنهيدة :
- خلصت خلاص .
علي بدهشة :
- طب والمقالات اللي اتفقنا هنكتبها ؟
شدا وهي تجلس فوق المقعد المقابل له :
- مش هنجيب سيرتهم .. أخت فراس فرحها بعد كام يوم .. مش حلوه أبدًا تبقى سيرة أبوها صاحب أكبر مستشفى لتجارة الأعضاء مسمعه في كل حته وأبوها مقبوض عليه وتعمل فرح .
علي بتعجب :
- يا شدا ده خبر هيكسر الدنيا .. وانتي بتقولي لغيتي النشر عشان خاطر فرح بنته ؟!!
شدا بتأكيد :
- متنساش يا علي إن ابنه هيمسك المستشفى دي .. ومتنساش إنه ساعدنا كتير أوي في توقيع أبوه واللي معاه .. ملوش داعي نشوشر عليه هو واخته .. المستشفى سمعتها هتبقى في الباي باي والبنت محدش هيرحمها من الكلام .. بص للجانب الايجابي .. اعتبره جبر خواطر يعني .
علي بتأييد :
- طب ورئيس التحرير ؟!
حازم :
- قدرنا نقنعه الحمد لله . 
علي :
- انتوا مبقاش فيه منكوا في البلد على فكره .. تضحوا بخبر كان هيرفعكوا لفوق أوي عشان خاطر شخصين ملكمش أي علاقه بيهم ! 
شدا بتنهيدة :
- أعتقد إن العلاقات هتكتر قريب . 
علي بعدم فهم :
- إزاي ؟ 
حازم منهيًا الحوار :
- هو مفيش أكل في أم اليوم ده يا جماعه ولا إيه !.. فضونا بقا م القضية دي وسيرتها .. خدت مننا وقت كتير أوي . 
شدا بتأكيد :
- فعلا .. ما توصيلنا يا حازم على بيتزا .. 
حولت نظرها لعلي ثم إلى بدور المنكبة على عملها ومن ثم تابعت :
- إعمل حساب أربع أشخاص . 
علي بتساؤل :
- مين الأربعه ؟.. أنا مش جعان أولًا .. 
شدا مقاطعه :
- بس أنا قررت إنك هتاكل معانا .. وبعدين عشان يبقى عجين وزيتون . 
أنهت جملتها وهي تؤشر على بدور برأسها لينفي علي برأسه في قلة حيله من هذه المشاكسة التي لا يفوتها أمرًا .  
(🌸القناعة: الاكتفاء بالموجود، وترك التشوق إلى المفقود🌸) 
يعبث بهاتفه النقال وهو في طريقه لخارج الشركة حينما اصطدم به أحدهم عن غير عمد ليقف بشير ناويًا الاعتذار .. لكنه ابتسم باتساع وهو يصافح الطبيب ياسر الماثل أمامه ليبادله ياسر المصافحة بود مقدمًا الاعتذار .. 
بشير :
- ولا يهمك يا عمي .. اتفضل طيب هنطلع المكتب . 
ياسر وهو يمسك بيده :
- لا لا .. أنا بس كنت جاي لوليد أستفسر عن حاجه كده .. بس بما إني قابلتك فهو سؤال ع السريع بس وهتوكل على الله . 
بشير بانتباه :
- أكيد يا عمي اتفضل . 
ياسر بتساؤل :
- أنا مش عارف نظام التعيين عندكم في الشركة .. ومش عارف إمته بيتطلب يعني موظفين جدد وكده .. فكنت حابب أسأل عن التفاصيل دي بس مش أكتر . 
بشير عاقدًا حاجبيه :
- بعيدا عن نظام التعيين والمتطلبات .. حضرتك عايز تقول إيه ؟ 
ياسر بهدوء :
- انت مش غريب يا بشير يا بني .. وإيلاف بنتي في مقام بنت عمتك تقريبًا .. وحاليًا أنا بحاول أديها جرعة ثقه في النفس .. هي تعرضت لحاجات كتير من صُغرها مأثرة على سلوك حياتها .. وأنا بحاول أقومها من تاني .. هي مخلصة تجارة عربي شعبة إدارة أعمال .. فلو في فرصة ليها هنا أنا بصراحة طمعان فيها لمصلحة بنتي .. بس عارف إنها هتفيد فيما بعد وهتبقى قد المسئولية وهتشرفني .. لكن لو مفيش في الوقت الحالي فأنا بردو هكون طمعان فيك أو في وليد يكلم حد من معارفه في شركات تانيه .. وبردو يتعملها مقابلة والحاجات المطلوبه دي .. وان شاء الله هتكون كويسه في مجالها . 
كانت ضربات قلبه أقوى من أن ينتبه لأي شيء قيل بعد اسمها الذي نطقه .. هل ستعمل معه في شركة واحده ويراها كلما أصبح وأمسى !!! 
(🌸لو كان الإنسان يستغفر أكثر مما يشتكي، لوجد راحته قبل أن يشتكي🌸) 
كان يجلس فوق سور البلكون كعادته ينفس دخان سيجارته بشرود تام حينما قفزت أصالة إلى جواره وهي تتحدث بابتسامة :
- الحلو سرحان في إيه ؟ 
عمار بابتسامة وهو يمسد يدها المتعلقة بذراعه :
- مش سرحان ولا حاجه .. بس بخلص السيجارة عشان أدخل أنام . 
أصالة بتنهيدة وهي تفرك يديها معًا :
- عـ عمار .. كنت عايزة أكلمك في حاجه كده . 
عمار بانتباه واهتمام :
- طبعًا يا صولا .. اتكلمي على طول . 
أصالة بعدما استنشقت شهيقًا قويًا أخرجته دفعة واحدة :
- في .. اا .. في شخص متقدملي و .. وأنا يعني قولت لبابا يشرفوا وكده . 
عمار بابتسامة هادئة :
- طب وإيه المشكلة ؟.. انتي مش عايزة ؟.. محدش يقدر يجبرك على حاجه . 
أصالة بهدوء :
- لا لا .. أنا .. مش كده يعني .. بس .. هو أنا يعني .. اا .. مـ مش عارفة حاسة إني .. يعني حاسة يعني اا 
ألقى عمار بسيجارته وزفر بقوة كأنه ينفض صدره من دخانها .. ثم اقترب من أصالة واحتضن وجهها بكفيه وابتسامة حنونة ارتسمت فوق ثغره وهو يحادثها بهدوء :
- حبيبتي مفيش حاجه في الدنيا دي كلها تقدر تجبرك على حاجه انتي مش عيزاها .. واتأكدي إني ديما في ضهرك وجنبك .. كل ما في الأمر إنك هتقعدي معاه وتبقي واثقة من نفسك كده .. التوتر أمر طبيعي .. لكن اللي مش طبيعي هو الخوف .. إوعي تخافي من حاجه وأنا موجود يا قلب أخوكي .. خدي وقتك خالص لحد ما تحسي إنك هتعرفي تتكلمي بثبات وثقة .. أسئلتك تبقى بالأولوية .. تتعرفي عليه وعلى شخصيته وأخلاقه وشغله وطبيعة علاقته بأهله والمجتمع .. تكتشفي تفكيره وميوله .. تعرفي خططه المستقبلية .. ولو هي دي العقلية اللي تناسبك فأنا قبل الدنيا كلها هكون جنبك .. ولو لأ .. فأنا بردو قبل الدنيا كلها هدعمك وأكون جنبك . 
ابتسمت بحب له وهي تخبره :
- انت كل دنيتي يا عمار .. ربنا يحميك لقلبي ويديمك سند ليا . 
ابتسم بحب قبل أن يطبع قبلة رقيقة فوق جبينها تبعها بضربة خفيفة على كتفها متحدثًا بأمر مازح :
- كوباية شاي بقا تقيلة عما آخد شاور .. يلا متتأخريش . 
أصالة بغيظ وهي تضرب الأرض بقدمها :
- كل شوية شاي شاي شاي .. أنا تخصص شاي في أم البيت ده ! 
ضحك عمار على تذمرها ثم تنهد بقوة بعد مغادرتها وهو يدعو لها بالخير ثم تنهد بقلق مما هو مقبل عليه .. عليه أن يكون متأهبًا لخوض المداهمه التي ستتم مع فجر هذا اليوم .. 
                🌸 لسه الأمل موجود  🌸
                          🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة السادسة عشر بقلم دنيا الشملول

يعبث بهاتفه النقال وهو في طريقه لخارج الشركة حينما اصطدم به أحدهم عن غير عمد ليقف بشير ناويًا الاعتذار .. لكنه ابتسم باتساع وهو يصافح الطبيب ياسر الماثل أمامه ليبادله ياسر المصافحة بود مقدمًا الاعتذار .. 
بشير :
- ولا يهمك يا عمي .. اتفضل طيب هنطلع المكتب . 
ياسر وهو يمسك بيده :
- لا لا .. أنا بس كنت جاي لوليد أستفسر عن حاجه كده .. بس بما إني قابلتك فهو سؤال ع السريع بس وهتوكل على الله . 
بشير بانتباه :
- أكيد يا عمي اتفضل . 
ياسر بتساؤل :
- أنا مش عارف نظام التعيين عندكم في الشركة .. ومش عارف إمته بيتطلب يعني موظفين جدد وكده .. فكنت حابب أسأل عن التفاصيل دي بس مش أكتر . 
بشير عاقدًا حاجبيه :
- بعيدا عن نظام التعيين والمتطلبات .. حضرتك عايز تقول إيه ؟ 
ياسر بهدوء :
- انت مش غريب يا بشير يا بني .. وإيلاف بنتي في مقام بنت عمتك تقريبًا .. وحاليًا أنا بحاول أديها جرعة ثقه في النفس .. هي تعرضت لحاجات كتير من صُغرها مأثرة على سلوك حياتها .. وأنا بحاول أقومها من تاني .. هي مخلصة تجارة عربي شعبة إدارة أعمال .. فلو في فرصة ليها هنا أنا بصراحة طمعان فيها لمصلحة بنتي .. بس عارف إنها هتفيد فيما بعد وهتبقى قد المسئولية وهتشرفني .. لكن لو مفيش في الوقت الحالي فأنا بردو هكون طمعان فيك أو في وليد يكلم حد من معارفه في شركات تانيه .. وبردو يتعملها مقابلة والحاجات المطلوبه دي .. وان شاء الله هتكون كويسه في مجالها . 
كانت ضربات قلبه أقوى من أن ينتبه لأي شيء قيل بعد اسمها الذي نطقه .. هل ستعمل معه في شركة واحده ويراها كلما أصبح وأمسى !!! 
أفاق من شروده سريعًا وهو يتحمحم منظفًا حلقه :
- ده اسمه كلام بردو يا عمي .. حضرتك جاي لوحدك ليه؟ 
ياسر بعدم فهم :
- يعني إيه ؟ 
بشير ببساطة :
- بصراحة يا عمي حضرتك جتلي نجدة .. أنا بقالي فترة عايز مساعد ليا في الشئون المالية وحضرتك عارف الموضوع مش بسيط ومش هقدر أسلم أمانه زي كده ببساطة .. فـ .. 
ياسر مقاطعًا :
- بس يا بني أنا بردو محتاج إنها تعمل المقابلة عشان هي ديما تقول إنها عايزة تثبت نفسها بنفسها وتشتغل بشهاداتها .. فاهمني ؟ 
بشير بابتسامة :
- ولا يكون عندك فكرة خالص يا غالي .. بكره بأمر الله هنعمل إعلان .. وبأمر الله اللي فيه الخير ربنا هيقدمه . 
ياسر بابتسامة :
- متشكر يا بشير يا بني .. بس دي أمانه يا بني .. لو المواصفات بتاعتها مش زي اللي مطلوبة يبقى كل واحد ياخد حقه يا بني . 
بشير بتأكيد :
- متقلقش يا عمي . 
ياسر بهدوء :
- استأذن أنا بقى .
بشير :
- طب هنشرب فنجان قهوه سوا .. الكافيه أهو مش بعيد . 
ياسر بابتسامة وهو يربت على ذراعه :
- مره تانيه بأمر الله .. يلا في رعاية الله .. وسلامي لوالدك أمانه . 
غادر ياسر تاركًا خلفه ذاك الذي تتردد في عقله جملة واحدة فقط خرجت عن لسان جدته  " متتجاهلش رسايل ربنا ليك يا حبيبي ".. ربما سيجمعهما القدر في المكان ذاته ليتحقق من شعوره وكذلك يرى أفعالها عن قُرب .. 
تذكر حديث والدها بأنها تعرضت لأشياء تؤثر على سلوك حياتها .. تُرى ما هي هذه الأشياء وما تأثيرها عليها ؟! 
حسنًا ليترك كل شيء للوقت .. ما يجهله اليوم سيعرفه في الغد .. وإن غدًا لناظره قريب . 
(🌸ما تجده المحتشمة في قلبها من لذة طاعة الله والبعد عن الزلل وسلامة القلب .. لغة لا يفهمها الا العفيفات الحيِّيات فقط🌸) 
تنهدت بتعب وهي تقوم بطرقعة رقبتها بخفة تعجبتها شدا التي اقتربت للتو منها وجلست فوق مكتبها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بضحكة خفيفة :
- انتي بتطرقعي رقبتك عادي كده ؟!
بدور بحرج وهي تتحمحم بخفوت :
- خالي عودني عليها من صغري .. بعملها بشكل تلقائي لما بفضل على وضعية فترة طويله بس .. مببقاش قصداها .
شدا بابتسامة وبساطة :
- مفهاش حاجه يا جميل عادي .. المهم يا ستي يلا تعالش شاركينا الغدا .. عزماكي النهاردة .
بدور باعتراض :
- لا لا متشكره أوي .. أنا مش جعانه بجد .
شدا وهي ترفع كتفيها للأعلى :
- بصراحة أنا مبعزمش عليكي خالص .. أنا فعلا عزماكي ع الغدا .
عقدت بدور حاجبيها من عبارة شدا المتناقضة لتضحك شدا بملء فمها وهي تضرب يديها معا متابعه :
- سوري بجد .. أنا مش عارفه إزاي طلعت مبعزمش بس عزماكي .. قومي يا ستي يلا البيتزا هتبرد وأنا بحبها سخنه .
أنهت جملتها وهي تجذب يد بدور التي حاولت الاعتراض لكن شدا لم تُعطها الفرصة .. جلس الأربعه حول مكتب علي .. بدور وشدا متجاورتان في جهه .. بينما حازم وعلي متجاوران في الجهة الأخرى ..
قامت شدا بفتح العلب بشغف وبدأت في تقطيعها وتوزيعها ..
بدور بحرج :
- صدقيني أنا مش جعانه أبدا .
شدا بتنهيدة :
- انتي مبتاكليش البيتزا صح ؟.. أبعت أجيب حاجه تانيه؟
بدور بتلقائية :
- أبدًا والله بالعكس أنا بحبها جدًا بس ..
شدا ببساطة :
- مبسش بقا خلاص .. شوفي يا بدور .. أنا كل اللي في الجريدة هنا من أكبرهم لأصغرهم سواء شباب او بنات بالنسبالي اخواتي .. بحبهم جدا لأن غالبية وقتي معاهم .. آه حازم أقربهم ليا بس ده ميمنعش إني اختار بنوته في جمالك كده وتكون قريبة مني كمان في الشغل .. خاصة بقا لو أنا ارتحتلك من وقت ما شوفتك أول مره .
حازم بمزاح :
- هبلغ عنك شلة البنوتات بتاعتك .
ضربته شدا على ذراعه بغيظ وهي تتحدث بثقة :
- أصلا بدور لو اتعرفت عليهم هيحبوها أوي وهتحبهم هي كمان أنا واثقه من ده .
بدور بعدم فهم :
- بتتكلموا عن مين؟
حازم :
- شوفي ياستي .. شدا ليها أختها اسمها بدور على إسمك .. وليها صحبة اسمها فاتن وصحبة اسمها دالين .. وعاصم كمان جوز فاتن .. إحنا السته كده عصبة مترابطة .. أصحاب واخوات وبنعمل كل حاجه مع بعض .. سرنا سوا وحياتنا سوا .. فرحتنا واحده وزعلنا واحد .. إنضم لينا في الفتره الأخيره فراس وغرام .. ودول توأم .. فراس ده بيحب دالين .. وليهم أخ كمان اسمه لؤي ..  هو عميد في المباحث .. والتلاته دول عرفناهم في الفضية بتاعة تجارة الأعضاء اللي قررنا منكتبش عنها ونكتفي بالعواقب اللي حصلت .. بس في النهاية بردو إحنا السته العصبة المتماسكة .. فهمتي حاجه ؟
بدور بأسف :
فهمت .. بس مستغربة شوية .
حازم بتساؤل :
- مستغربة إيه ؟
بدور بحذر :
- مش هتزعلوا مني ؟
شدا بانتباه :
- نزعل !.. نزعل من إيه ؟!
بدور بعدما أخذت شهيقًا قويًا :
- علاقتكم كأصدقاء واخوات وإيد واحدة جميلة جدًا .. وحقكم تتفاخروا بيها كمان وسط المجتمع اللي عايشينه ده .. لكن قدام ربنا هنخجل مش هنتفاخر بيها .. وهنحزن مش هنفرح بيها .
حازم بتنهيدة لعلمه أن ما هو قادم سيكون أمرًا دينيًا تعرض له من قبل مع علي حينما نصحه مرارًا أن يحافظ على المسافة بينه وبين شدا سواء في المكان أو الكلام .. وحتى عارضه في الخلوة معها لأي سبب حتى وإن كان العمل :
- عارف عايزة تقولي إيه بالظبط يا آنسة بدور .. بس صعب .. صعب بعد كل اللي مرينا بيه سوا وبعد ما كانت طفولتنا كلها مع بعض من وإحنا عيال ودراسه ولعب وسفر وحتى شغل .. حاجات كتير بتجمعنا .. الاختلاط بينا مش لدرجة الهزار بالإيد أو التعدي على الخصوصيات .. أو الخلوة بمعنى الخلوة يعني .. هو بس وقت بنقضية سوا .. نسافر .. نلعب .. ناكل .. حاجات بتمشي يومنا وبنخلدها كذكرى .. كل واحد مننا له حبيبة وكل واحدة منهم ليها حبيب وقريب أوي هنتجوز بأمر الله .. فالموضوع مش ماشي في الحُرمانية العظمى .
بدور بابتسامة هادئة :
- " وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم ".. 
بنستصغر بعض الأعمال المُحرمة وللأسف بننجرف وراها لحد ما تبقى كبيره غصب عننا .. ووقتها مبيبقاش ليها علاج أبدًا .
علي بهدوء :
- " ولا مُتخذات أخدان ".. 
حياتكم العملية ممكن تجمعكم مفيش مشكلة .. حياتكم العائلية تجمعكم عادي .. لكن الخلوة نفسها غلط .. والكلام له حدود .. الهزار له حدود .. النظره ليها حدود .. دينا بسيط على فكره مش معقد .. يعني مثلا أدينا قاعدين إحنا الأربعه أهو بناكل مع بعض .. لا دي فيها خلوه غير شرعيه .. ولا إحنا بنتكلم في نطاق خارج العمل أو الدين .. بس بردو قد تكون محرمه .. وفي الواقع أنا مش مُدرك يقينا إذا محرمه أو لا .. بس اللي أعرفه إن الاختلاط حرام بسبب توابعه .. الخلوة حرام حتى لو بتحفظها قرآن . 
بدور ببساطة :
- على حسب النوايا .. إحنا في مكان شغل .. شدا شافتني مندمجة في شغلي وتوقعت إني مكلتش وإني بسبب تركيزي الزايد ممكن أتعب فقررت تفصلني عن شغلي بإنها تخليني أشاركها الأكل بحيث أرجع بنشاط من تاني لشغلي .. ودلوقتي إحنا في قلب الشغل .. وبين كل زمايلنا .. كلامنا في حدود حاجة معينه واضحة .. ممكن الحاجه دي نتكلم فيها بصوت عالي يسمعه الجميع ... أنا مثلا لما هرجع بيتي وأحكي لبابا عن تفاصيل يومي زي ما أنا بحب أعمل واشاركه يومي من بدايته هقوله بدون خوف ع الجزئية دي .. مش هخجل مثلا إن حد يشوفني باكل دلوقتي مع زمايلي .. الخوف الوحيد قد يكون من عاقبة النظرة الغير شرعية بقا .
تحمحمت شدا وهي تبتلع ما بفمها في ندم حقيقي .. لم تكن هذه نيتها تجاه بدور في الواقع .. لقد أرادت ان تجمع بينها وبين علي وليس لما ظنته بدور بحسن نيتها هذه .. وهذا يعني أنها أخطأت في حق فتاة ملائكية كبدور .
حازم بمزاح :
- كان نفسي نكمل حقيقي بس بابا لما بيحس إني اتزنقت بيرنلي فورًا .. فأنا هستأذن بقا كفاية قذف جبهات لحد كده .
علي بابتسامة :
- أنت على الرحب والسعة يا صديقي .
ضرب حازم يديه معًا وهو يغمغم بكلمات غير مفهومه وغادر المكان ليضحك عليه علي وكذلك شدا .. في حين استأذنت بدور كي تعود إلى عملها بهدوء تام ..
شدا بتنهيدة :
-سوري يا علي بجد .. أنا ..
علي مقاطعًا :
- مفيش أسف يا شدا .. الموضوع بسيط .. بالعكس انتي ساعدتيني أشوف الجانب اللي مكنتش عارف هقدر أشوفه إزاي .
شدا بابتسامة :
- لو عايز رأيي .. بلاش تفضل مكانك كتير ..  الجمال ده لما يكون في الروح والشكل والأخلاق صعب يستنى كتير .. لإن في مجتمعنا ده بقت الشخصية اللي زي بدور دي نادرة .. بلاش تفضل محلك سر وخد خطوة صح للمكان الصح في الوقت الصح .
أعارها علي ابتسامة لطيفة لتبادله إياها برحابة صدر وهي تستعد للمغادرة بعدما أفصحت بصدق :
- ربنا يسعدك يا علي .. انت تستاهل الخير كله بجد .
غادرت المكان تاركه خلفها علي الذي ينظر للمقعد الذي تجلس فوقه بدور موليه إياه ظهرها .. شدا على حق .. عليه بأخذ خطوة صحيحه للمكان الصحيح وفي الوقت الصحيح .
(🌸قفي مع نفسك أتكشفين الحجاب وتتناسين سوء الحساب؟🌸) 
وصلت حيث باب الغرفة الذي يقبع خلفه من دق قلبها له .. من تملك من كيانها رغما عنها وعن الظروف .. من لا تدري حقيقة ما يشعر به تجاهها ... ولا تعلم لحياتها معه مرسى ..
عليها أن تقويه ليمر من هذه المحنة ثم ليحدث ما يحدث ..
لا يهم ما سمعته من والدتها .. حتى لو لم يحببها يومًا أو لم ينظر لها أكثر من فتاة اعتاد على التواجد معها دائمًا .. ستبقى إلى جانبه وتقويه وتدعمه ..
طرقت بخفه عدة طرقات حتى خرجت لها ديالا بأعين شبه ناعسة .. 
سندس بحرج :
- آسفة أوي .. أنا بس جيت أشوف لو حضرتك محتاجة حاجه . 
خرجت ديالا بهدوء تام وأغلقت الباب دون أن يُصدر صوتًا وجذبت سندس لتجلسان معًا إلى أقرب مقعد .. 
ديالا بتنهيدة متعبة :
- إزيك يا بنتي عامله إيه ؟ 
سندس بقلق :
- أنا كويسة الحمد لله .. هو ريان فيه حاجه ؟.. بيتحسن على العلاج ؟
ديالا بهدوء وابتسامة مرهقة :
- الحمد لله يا بنتي .. كله بفضل الله .. انتي أخبار دراستك إيه ؟ 
شعرت سندس من حديثها أن هناك شيء ما غير طبيعي .. وغالبًا استطاعت أن تستنتج كونها قد استشعرت هذا الغياب الذي أحلته سندس .. يبدو أن هند وتولين كانتا على حق .. لم يكن عليها أن تغيب كل هذا . 
استشعرت ديالا شرود سندس الغير مفهوم بالنسبة لها لتمسك بيدها في حنو متسائلة بهدوء :
- في حاجه يا بنتي في دراستك ؟.. في حاجه حصلت معاكي منعتك تيجي ؟ 
الآن تأكدت سندس من حدسها .. أغمضت عينيها بقوة آخذه شهيقًا عميقًا أخرجته ببطء وهي تنظر بعيني ديالا مُفصحة بإيجاز :
- أنا بس في فترة امتحانات مش أكتر .. كل حاجه بخير الحمد لله .
أومأت ديالا وهي تربت فوق قدمها بحنو متمتمة :
- ربنا يوفقك يا بنتي ويعملك الصالح .. مامتك كانت عندي النهاردة الصبح .. قعدت معايا شوية ومشيت قبل ما نيجي . 
سندس بتأكيد لمعرفتها :
- قالتلي الصبح فعلًا .
ديالا بتنهيدة وهي تلتفت بجسدها للأمام فأصبح جانبها الأيمن هو الموجه لسندس :
- الحمد لله على كل حال . 
ناظرتها سندس بتفحص .. لقد ظهرت عليها آثار تقدم العمر .. تلك التجاعيد التي خطت على وجهها بوضوح .. من المفترض أنها دالة على تقدم العمر .. لكن في حالتها الآن فهي دالة على حجم العبء الذي تحمله .. حجم الألم الذي تحياه .. حجم المعاناة التي تُجاهد كي لا تصرخ من فيض مشاعرها الحزينة .. لماذا يُكتب علينا أن نتألم فيمن هم لنا مصدر الحياة ؟!.. لماذا يختار الموت من هم أجملنا قلبًا وقالبًا .. ولماذا يختار المرض من نحن على آلامه غير قادرين !!.. ولماذا يُكتب علينا المعاناة في رؤيتهم يتألمون دون أن نستطيع تقديم يد المساعدة .. هذا أمر مُرهق . مُرهق للغاية . 
تنهدت بضعف حينما تناهى إلى سمعها صوت الممرضة التي تحدثت بصوت هادئ :
- السلام عليكم .. مدام ديالا حضرتك كويسه ؟ 
نظرت سندس تجاه ديالا ترى سببًا لسؤال الممرضة فوجدتها تبكي في صمت .. تقدمت منها في جزع وهي تسألها باهتمام :
- مالك يا طنط ؟.. انتي تعبانه ؟.. في إيه ؟!! 
ديالا وهي تستنشق ما بأنفها :
- أنا كويسة يا حبيبتي مفيش حاجه ..
وجهت حديثها للمرضة بابتسامة بعدما أزالت عبراتها بأناملها :
- أمنية .. دخلتي لريان يا حبيبتي ؟ 
أمنية بنفي :
- لا لسه .. هدخل دلوقتي .. الدكتور جاي ورايا . 
أومأت ديالا بهدوء وأزالت أثار الدموع عنها وتحركت بخفة كي تدخل مع الممرضة .. لكنها استدارت لسندس وتحدثت بنبرة هادئة وطريقة غير مباشرة :
- مش عارفه أشكرك إزاي يا بنتي إنك بتخصصي من وقتك عشان تسألي عني .. بجد متشكره أوي .. أنا هدخل مع الممرضة بس عشان نجهز ريان للجرعه الجديدة . 
سندس بتفهم :
- متقوليش كده يا طنط .. شفاه الله وعافاه . 
اقتربت ديالا واحتضنتها بود قبل أن تهديها إحدى ابتساماتها ومن ثم دلفت إلى غرفة ريان بهدوء . 
تنهدت سندس بقوة لهذا القدر .. لم تره .. أتت لرؤيته وإخباره أنها بجانبه .. لكنها حتى لم تلمحه .. 
تنهيدة أخرى خرجت عنها قبل أن تقودها قدماها للخارج في صمت تام .. متناسية جميع ما أُلقي في أذنها من صديقاتها .. 
وفي النهاية تُسمي إتيانها هذا حبًا !!.. 
إن لم يكن الحب هو المحاربة والمعافرة مع الحبيب فلا داعي للحب من الأساس .. إن لم يكن إصرارًا فلا فائدة منه .. 
بينما في غرفة ريان وكعادة كل جرعة تدخل عبر أوردته فتجعل عينيه تلقائيًا تُغلق بشكل قوي لا إرادي .. وعروق جسده تنتفض بقوة كأن نيرانًا تندلع داخل أودرته فينتفض جسده وتبرز عروقه كأنها تستنجد لما هي عليه في هذه الأثناء .. 
انتهت جرعته لهذا اليوم ليتحرك مستندًا على أحد الحوامل حتى وصل إلى فراشه رافضًا المساعدة من أيهم .. 
ارتفعت أنامله يتحسس رأسه الذي تساقطت شُعيراته .. هذه الخصلات التي لطالما كانت حبه الأول .. لا يمكنه النوم دون العبث بأصابعه داخلها .. لا يتمكن من الاستيقاظ كليا دون أن يفعل بالمثل من عبث بها .. حينما ينتهي من أخذ حمامه يقوم باستمالة رأسه للجانبين والأمام والخلف .. لا يعلم ما المتعة في ذلك .. لكن ما يعلمه أنه لن يشعر بهذه المتعة من جديد .. لقد تساقطت رغمًا عنه .. 
تنهد بقوة تلك التنهيدة التي تسبق استسلام جفونه للموت المؤقت .. وفي كل مره ينتظر أن يكون الموت النهائي .. 
(🌸ليكن حجابك لحجب الأنظار لا لجذبها.🌸) 
كانت القوات تنتشر في أماكنها وبوادر الفجر تعم الأجواء من حولهم .. والصمت هو سيد الموقف ..
تجلس هي في سيارتها في مقعد السائق  .. في حين يجلس سعيد إلى جوارها .. وأماني وفهد يحتلان المقعد الخلفي لهما .. وعيونهم جميعًا ترصد المكان في حذر .. 
دقائق من الصمت التام والترقب قطعه إشارة من عمار الذي كان يحتل أعلى الجبل لينبه ببداية العملية .. وتلاها بإشارة أخرى آمرًا بالمداهمة التي استمرت لوقت لا بأس به من مناورات وضرب بالسلاح والاشتباك بالأيدي كذلك .. حتى استطاع إسقاط عدد لا بأس به هو وفريقه .. واعتقل البقية مع التحفظ على شحنة المخدرات والسلاح التي ذُهل الجميع من مقدارها .. 
ولكن الذهول الأعظم كان من نصيب غادة التي لاحظت شيء ما في محتويات هذه الشحنة .. وقبل أن تفصح عنها .. انتفضت حينما خرجت طلقة طائشة من ذاك الذي حاول الفرار بعدما استطاع جذب السلاح من حافظة فهد الذي يمسك به .. لتستقر تمامًا في كتف عمار الذي نزل للأرض بإحدى قدميه ممسكًا بكتفه بعدما خرجت عنه آهة مكتومة لتركض تجاهه غادة في فزع وكذلك أماني .. بينما ركض سعيد تجاه فهد وقاما بالسيطرة على المجرم الذي معهما ..
غادة بسرعة :
- قوم .. قوم معايا ع المستشفى بسرعة .
عمار :
- مش قبل ما ننهي الوضع ده .
غاده بغضب وقد ارتفع صوتها :
- وضع إيه يا مجنون إنت .. كتفك بينزف بشكل غبي وتقولي وضع .. وبعدين فريقك لازمته إيه هنا .. قوم بدل ما تتصفى وإنت مكانك .
ناظرها عمار بنظرة غريبة لم تفهمها .. حتى ارتعاش جسدها مع نظرته لم تستطع تفسيرها ..
أماني بجدية :
- يلا يا عمار .. الوضع اتسيطر عليه والمجرمين خلاص اتحركوا بيهم والبضايع اتحفظ عليها .. اتحرك ع المستشفى واحنا هنأمن الدنيا هنا أنا وسعيد .
أنهت جملتها وهي تنادي بصوت مرتفع :
- فهد .. فهد
أتى فهد ركضًا وقام بمد كفه لعمار الذي لايزال جالسًا بركبة واحده فوق الأرض بينما باقي جسده مرتفع ..
نظر عمار ليد فهد لبعض الوقت قبل أن يقف بنفسه وتحدث بشيء من الحدة موجهًا حديثه لأماني :
- اللي أعرفه إن أنا القائد اللي بيدي الأوامر هنا .. وانتي بكل بساطة خدتي قرار ونفذتيه .. شوفي شغلك .
انتفضت أماني وهي تناظره باستنكار ممزوج ببعض القلق من تحوله الغريب .. هي تعلم من يكون عمار في الجهاز تحديدًا لكونه قليل الحديث قوي النظرات سريع الغضب نبيه للغاية .. لكنها لم تعرف عنه الغرور والكبرياء الواضح ..
أفاقت من صدمتها من صوته على صوته الذي تساءل بشيء من الاستنكار :
- منتظره إيه حضرتك .. قلت شوفي شغلك .
تحركت أماني من أمامه بغضب من هذا المخلوق غريب الأطوار .. ما الذي اقترفته لينصب بغضبه عليها .. لقد أرادت مساعدته لا أكثر .. هل هو مجنون أم ماذا !
بينما تحدث فهد بعدما غادرت أماني :
- عمار بـ ..
عمار بصرامه :
- شوف شغلك يا فهد عشان نتحرك .
غادر فهد في الحال .. بينما بقيت غادة تنظر له في شيء من الحيرة !.. ما الذي يخفيه عمار خلف صرامته هاته ؟!.. نظرته ليد فهد الممدودة له من أجل المساعدة .. غضبه على أماني التي لم تقصد إلغاء وجوده بل كانت تود المساعده لا أكثر .. نظرته التي .. التي لم تستطع تفسيرها .. ما الذي يخفيه المتعجرف هذا خلف صرامته هذه ؟!
أفاقت من شرودها وتفكيرها على صوت فهد الذي يتحدث بشيء من التعجب :
- غادة !.. غادة مالك انتي كويسه ؟
غاده بانتباه :
- هاه !.. آه آه أنا آه كويسه آه .. في إيه؟
فهد عاقدًا حاجبيه :
- أبدًا بناديكي هنتحرك ؟.. فيكي حاجه ؟.. شكلك مش كويسه ؟
غادة بنفي :
- لا لا أنا كويسه فعلا مفيش حاجه .. يلا .
تحركت معه واستقلت السيارة بجانب سعيد وعمار الذي استقل المقعد الخلفي وألقى برأسه للخلف في إرهاق .. يشعر بالدوار وأن عينيه تغرب .. يشعر بالبروده الشديدة وفجأة تنسحب البرودة ويحل محلها الاختناق مع الدوار ..
حالته أشبه بمن يفيق من أثر التبنيج ..
انتبهت له غاده التي ترى رأسه تميل فوق ظهر المقعد مع حركة السياره دون أن يتمكن من التحكم فيها فعلمت أنه فقد الكثير من الدماء ..
تحدثت إلى فهد بفزع :
- إنجز يا فهد ع المستشفى .. ده بيتصفى .
(🌸الحياة رحلة بدأت بصرخة مدوية وتنتهي بصمت مطبق وبين الصرخة والصمت (الحصاد)🌸) 
أجبرها رنين هاتفها على الاستيقاظ لتزفر بغضب وهي تجيب في حنق تام :
- خير يا رحاب ع الصبح .. بجد أوڨر أوي إنك تتصلي تصحيني من الساعه سبعه كده يعني .
رحاب باكية من الجانب الآخر :
- آسفه إني صحيتك يا بدر .. مع السلامه . 
انتبهت بدر لصوت صديقتها لتنتفض في الحال وهي تتحدث بسرعه وقلق :
- رحاب .. لا لا أنا اللي آسفه في إيه مالك؟؟ 
رحاب ببكاء :
- كملي نومك عادي .. هبقى أكلمك وقت تاني . 
بدر بإصرار :
- مفيش نوم يا رحاب خلاص .. اتكلمي بقا مالك ؟ وبتعيطي ليه كده ؟ 
رحاب وهي تستنشق ما بأنفها :
- هشام . 
بدر وهي تزفر بضيق :
- ماله سي روميو ؟ 
رحاب وقد عادت للبكاء من جديد :
- خطوبته بعد يومين . 
أنهت عبارتها وهي تنخرط في بكاء شديد تتقطع له نياط القلوب . 
بدر وهي تغمض عينيها بقوة تحاول التماسك حتى لا تسبهما معًا :
- اهدي يا رحاب .. ده ولا يسوى أصلا .. وهو الخسران .. متعيطيش وروقي كده .. أقولك .. تعالي ننزل التدريب بدري يلا . 
رحاب بنفي :
- لا لا مش عايزة أنزل النهارده .
بدر :
- بقولك إيه .. مش هتحبسي نفسك عشان جربوع زي ده .. قومي البسي يلا ونتقابل في النادي . 
أغلقت بدر الهاتف دون أن تنتظر منها إجابه لتتنهد بضيق وهي تتحرك من فراشها .. 
بدور بهدوء :
- آسفه إني سمعت المكالمة غصب عني .. بس من رأيي بلاش تدخلي نفسك يا بدر . 
التفتت بدر لأختها وهي تبتسم بتهكم :
- إيه ده .. توأمي المتشددة كانت مركزة مع مكالمتي أنا وصحبتي ؟!.. لأ وكمان بتقولي متقفيش جنب صحبتك اللي محتاجالك دلوقتي ؟!.. إيه ده إيه ده اتغيرنا أوي يا بدور ! 
كزت بدور أسنانها وجذبت وسادة صغيرة وضعتها فوق رأسها بعدما هدرت بضيق من تلك البلهاء :
- إولعي يا بدر . 
                🌸 لسه الأمل موجود  🌸
                          🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة السابعة عشر بقلم دنيا الشملول


وصلت إلى النادي مع هذا البكور الغير معتاد منها وهي تزفر بحنق .. لا تزال ترغب في النوم ..
تثاءبت بكسل وهي تجلس إلى أحد المقاعد الموجوده حول حمام السباحه وتضع ما تحمله فوق الطاولة ..

نظرت في ساعة معصمها تنتظر قدوم رحاب التي أتت بعد فترة وجيزة وعلى وجهها أمارات الحزن والبكاء وتشهق بين كل فنية وأخرى ..

قلبت بدر عينيها بحنق وناظرتها لبعض الوقت قبل أن تُطالبها بهدوء :
- قومي اغسلي وشك وتعالي يلا عشان نفطر .

كانت على وشك أن تجيب لكن قاطعتها بدر بصرامة وهي تتابع :
- ومسمعش ولا كلمة .. قومي اغسلي وشك وتعالي عشان نفطر وبعدها نتكلم .

تحركت رحاب تجاه دورة المياه لبعض الوقت ومن ثم عادت لتجد بدر قد وضعت بعض السندوتشات فوق الطاولة وبجانبها علبتين من عصير الفواكه وكذلك حافظة الشاي مع كوبين ..

جلست رحاب بهدوء وبدآ في تناول الإفطار في جو صامت تمامًا لا يتخلله سوى دخول الفتيات إلى النادي وتلويحهن لبدر من بعيد فتجيبهم بابتسامة هادئة ..

بعد وقت لا بأس به تحدثت بدر بتردد :
- رحاب .. أنا وانتي عارفين إن هشام ..

رحاب مقاطعة :
- لا لا يا بدر .. كل حاجه كان بيعملها كانت بتدل على إنه بيحبني .. مكنش بيستحمل عليا حاجه .. مكنش بيزعلني أبدًا ولو حصل بيراضيني بعدها على طول .. مبينساش أي مناسبة بينا .. وديما يتطمن عليا ويسأل عني .. انتي عارفه كويس إن هشام كان بيحبني .

بدر وهي تزفر بإرهاق :
- وتفسري كلامك من شوية ده بإيه ؟.. واحد رايح يخطب آخر الأسبوع .. أفسره أنا بإيه ؟!

هربت بعينيها وهي تبحث عن كلمات مناسبة :
- صدقيني مبقتش عارفه يا بدر ... مش عارفه .

أنهت عبارتها وانخرطت في البكاء لتزفر بدر بحنق من هذا الوضع واقتربت تربت على كتفها بخفة وهي تتحدث بهدوء تحاول الحفاظ عليه :
- لازم تبقى قوية كده يا رحاب وتوريه إن مش رحاب البنداري اللي تتساب بالشكل ده .. هتقفي على رجلك وترفعي راسك لفوق ومتبينيش قدامه أبدا إنك متأثره .. وتعيشي وتضحكي وتجري هنا وهنا .. خليه يغلي وهو شايفك عايشة من غيره ولا هامك غيابه .. وبكره هو اللي هيجري وراكي عشان ينول الرضا بس .

لا تدري رحاب لما آلمها قلبها لحديث بدر .. ربما هو الضمير الذي لا تعرف عنه شيء ..

قاطع حديثهما صوت رنين هاتف رحاب برقم غير مسجل لتعقد حاجبيها وهي تزدرد ريقها مفصحة ببحة خفيفة :
- رقم غريب !

بدر بلامبالاه :
- ما تردي عادي .

أخذت رحاب شهيقًا قويًا أخرجته على مهل وهي تجيب بهدوء :
- ألو ..

صمتت لثوان قبل أن تتابع :
- أهلا يا هيثم .. أنا كويسه الحمد لله .. خير في حاجه؟

صمتت مجددًا تستمع لحديثه قبل أن تنخرط في نوبة بكاء جديدة وهي تهتف من بين شهقاتها :
- صحبك عمل فيا كده ليه ؟.. أنا مكنتش أستاهل منه ده؟ طول الفترة دي وهو بيعشمني بالجواز .. أنا عملت إيه وذنبي إيه غير إني حبيته !

اغتاظت بدر من لهجة صديقتها المنكسرة .. لا تريد أن تراها بهذا الضعف .. جذبت الهاتف من يدها وأغلقته بوجه هيثم وناظرتها بغيظ وهي تكز أسنانها :
- كنت لسه بقولك إيه وانتي بتعملي إيه ؟!.. مش لاقيه غير هيثم اللي تشكيله أفعال صاحبه !.. ولما يروح يقوله إنك هتموتي من غيره ؟.. ولما يروح يقوله دي دايبة فيك وبتعيط وهتموت ؟.. انتي مش سطحية ولا غبية للدرجادي .. آه أثبتيلي إنك غبية لما حبيتي واحد زي هشام ده .. لكن متصريش إنك تثبتي إنك وصلتي لأعلى ليڨل في الغباء لما توصليله إنك بتموتي من غيره وهو ولا على باله أصلًا وبيجهز لخطوبته السعيدة .

تنهدت بقوة إثر اندفاعها هذا .. وأخذت شهيقًا قويًا أخرجته ببطء مع كلماتها :
- مع الوقت هتكتشفي إنك مبتحبيهوش أصلا يا رحاب .. ده مش حب .. ده كان ارتياح .. تعود .. أي حاجه غير الحب .. ممكن يبقى حب الحاجه اللي كان بيقدمهالك .. لكن انتي مبتحبيش هشام نفسه .. انتي بتحبي اللي بيقدمه ليكي .. اهتمام وهدايا وكلام رومانسي وأُمسيات شاعرية وغيره .. لكن هشام .. هشام مش طموحك يا رحاب .. طموحك أعلى من كده .. فلازم تقفي على رجليكي كده وتتقاوي .. فهماني ؟!

لم تستطع تفسير تلك النظرات التي تلقتها من أعين صديقتها .. لكنها لم تأخذ منها سوى إماءة خفيفة قبل أن تعرض رحاب بهدوء :
- أنا حابه أقعد ع الكورنيش أشم شوية هوا .. تحبي تيجي معايا ؟

بدر بعد تفكير دام لدقيقة :
- معنديش مانع .. بس نحاول منتأخرش .

وافقتها رحاب التي ابتسمت بتذبذب وتحركت بصحبة بدر إلى الكورنيش ..

(🌸اثنان لا تنسهما: ذكر الله والموت، واثنان لا تذكرهما: إحسانك للناس وإساءتهم إليك.🌸)

تخطت الثامنة صباحًا ولم يعد عمار للمنزل مما أثار القلق والخوف في قلب أصاله التي تعلم أنه خرج في إحدى مهماته ..
أخذت تضرب البلكون جيئة وذهابًا .. وأخيرًا قررت مهاتفته .. ربما أصبح هناك خدمه بهاتفه بعدما هاتفته للعديد من المرات دون فائدة ..
وأخيرًا الهاتف يرن ..
وقفت محلها تقضم أظافرها بقلق بيِّن تنتظر الرد حتى أتاها صوت أنثوي متردد :
- اا .. الو .

أصاله عاقدة حاجبيها :
- انتي مين ؟.. وعمار فين ؟

ازدردت غادة ريقها وهي تجيب بهدوء :
- آسفه إني رديت على الفون بس قلت أطمنك .. معاكي غادة خالد .. ظابط مخابرات .

أصاله بقلق :
- عمار كويس ؟.. انتوا فين ؟.. في إيه ؟؟

غادة وقد شعرت بخطأ ردها من البدايه .. فمذا ستقول الآن ؟!..

أصاله بحده :
- انطقي عمار فين ؟.. أخويا فين ؟

انتبهت غادة للقب أخي الذي تفوهت به أصاله .. هل يسجل أخته في هاتفه بـ " الحياة " !.. لقد ظنت أنها حبيبته مثلًا .. لكن متعجرف مثله لن يقع في الحب .. ولن يجد من تحبه بطبعه المتكبر المغرور هذا .. لقد نسيت وصفًا مهما فيه .. المستفز .

أفاقت من شرودها على صوت أصاله التي شعرت بها تبكي :
- ردي عليا أرجوكي .. أخويا فين ؟.. وحصله إيه ؟.. طب هو اتصاب في مهمته ؟.. انتوا رجعتوا أكيد .. طالما فونه اتفتح يبقى رجعتوا .. هو فين ها ؟

غادة وهي تلعن غباءها لجعل أعصاب الفتاة تحترق بهذه الطريقة :
- هو كويس متقلقيش .. اتصاب بس في كتفه وهو دلوقتي جوه مع الدكتور بيخرجله الرصاصه وهيبقى كويس إن شاء الله متقلقيش .

أصاله بسرعه :
- أنا جاية .

لم تنتظر أصالة ردًا منها وأغلقت في الحال وركضت لترتدي ثيابها في عجلة من أمرها وخرجت بعدما أخبرت سلسبيل أنها ستزور إحدى صديقاتها المريضة .. ولم ترد أن تهاتف والدها الذي خرج لعمله منذ وقت وجيز وكذلك والدته التي ذهبت للجامعة بصحبة والدها ..
فضلت أن تطمئن عليه هي أولًا ..

بينما في الجهة الأخرى تقف غادة مستندة برأسها إلى الحائط مردده وهي تبتسم بدون وعي منها :
- أخته .. طلعت أخته .

انتبهت لنفسها مع خروج الطبيب فتحركت تجاهه وسألته بعملية زائفة :
- كله تمام ؟

الطبيب بهدوء :
- تمام .. خرجناله الرصاصه .. والحمد لله موصلتش عضم كتفه وإلا الأمر كان هيبقى صعب جدًا .. ونقلناله الدم اللازم لإنه فقد دم كتير .. محتاج بس شوية راحه كده ع الأقل لحد الليل .. ولو إني عارف إنه مجرد ما هيفوق هيمشي .

تذكرت غادة أمر تلك المكالمة ومجيء تلك الفتاة .. لطالما يُلقبها بالحياة .. فهذا يعني أنها تعني له أكثر من أخت .. ستستخدمها إذًا في الإبقاء على عمار حتى الليل .

قطع شرودها صوت الطبيب المتسائل :
- حضرتك كويسه ؟

غادة بانتباه :
- اا .. ايوه متشكره أوي يا دكتور .. وبالنسبة للراحه بتاعة عمار فمتقلقش .. هحاول أتصرف .

أماء الطبيب بعملية وغادر المكان تزامنًا مع وصول فهد وأماني وسعيد ..

فهد بتساؤل :
- ها .. قال إيه الدكتور ؟

غادة بتنهيدة :
- خرجت الرصاصة الحمد لله ومحتاج راحه ع الأقل لحد الليل .

سعيد بيأس :
- عمار يقعد لبليل هنا ؟!.. ده أول ما هيفوق هتلاقيه في الجهاز .. عنيد .

أماني بغيظ وضيق منه :
- ومستفز .

ضحكت غادة في داخلها .. ليست وحدها من تراه مستفزًا .. هناك إجماع على ذلك .. هذا رائع .

قاطعهم جميعًا وصول أصاله التي تحدثت بتيه :
- عمار ..

تقدمت غاده منها بابتسامة مشرقة وهي ترى تقارب التشابه الكبير بينها وبين عمار ..

قدمت يدها في مصافحة :
- أنا غاده اللي كلمتك من شويه .. أتشرف بيكي ؟

أصاله وهي تدور بعينها على الجميع ومن ثم صافحت غادة بأيد مرتعشة :
- أصالة السيوفي .. عمار كويس؟

غاده بتأكيد :
- زي الفل .. الدكتور خرج الرصاصه ودلوقتي بقا كويس .. بس عندنا Problem ( مشكلة ) صغير أوي .

أصاله بانتباه :
- في إيه قولي على طول .

غادة :
- الدكتور قال لازم يرتاح .. يقعد على الأقل لبليل في المستشفى .

أصاله بفهم :
- ربنا يسهل .. ينفع أدخله ؟

غاده بجهل :
- دلوقتي تخرج ممرضة ونشوف .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

استقبلها علي بابتسامة مشرقة متحدثًا بحماس :
- الأسبوع الجاي محاكمة قضية سلاح ومخدرات كبيرة أوي دخلت البلد ومسكوها قبل ما تتوزع .. اجهزي عشان لازمنا سبق صحفي ودي هتبقى خطوة كويسه أوي ليكي .

بدور بشغف :
- يارب يجعله خييير .

أمن على دعائها وجلس إلى مقعده ليبدأ عمله لهذا اليوم .. قبل أن تأتي شدا التي تحدثت بحماس وهي تصفق بيديها معًا كي ينتبه لها الجميع ..

شدا بسعادة :
- نهاية الأسبوع خطوبة حازم وبدور أختي .. الدعوة عامه أهو عشان اللي هسمعه يقولي مقولتيش هشرب من دمه هااا .. والغايب يعلم الحاضر .

علي بضحكة :
- بوظتي الإعلان يا بنتي .

شدا بعدم فهم :
- ليه قولت حاجه غلط ؟

بدور بضحكة :
- هي اسمها الحاضر يعلم الغايب يا دودو .

عبثت شدا بخصلاتها وهي تضحك ببلاهه :
- معلش بقا .. المهم الكل يبقى موجود ها .

(🌸من عرف الله هانت مصيبته، ومن أنس به زالت غربته ومن رضي بالقضاء سعد.🌸)

وصلت إلى مبنى الشركة ووقفت أمامها بضيق بيِّن .. لقد كانت تكذب بقولها أنها تخرج للبحث عن العمل .. وها هو والدها قد أخبرها أنه اتفق مع بشير وسيقوم بإجراء مقابلة معها من أجل العمل ..
ودت لو ترفض الأمر برمته .. لكن شيء ما داخلها دفعها للموافقة .. ربما هو القدر ..

أخذت شهيقًا قويًا أخرجته بتروي وهي تصعد درجات السلم متخطية الباب الرئيسي للشركة ..

بينما في مكتب وليد ..

يجلس بشير بصحبة والده يحتسيان القهوة بهدوء تام وأمامهما بعض من السير الذاتية الخاصة بالمتقدمين للعمل ..

وليد بتساؤل :
- ياسر قالك بنته هتيجي النهارده أكيد ؟

بشير بتأكيد :
- أيوه .. إن شاء الله .

وليد بهدوء :
- مش عايز أوصيك يا بشير .. هي هتكون المساعد المالي .. فلازم تعلمها وتدربها كويس أوي .. الحياه العلمية مش حاجه قدام العملية والتطبيق .. أنا مش بقلل منها بس دي أول مره هتشتغل فيها .. فمحتاجه دفعه وقوه .

بشير بابتسامة :
- حاضر يا بابا إن شاء الله .. متقلقش .

طرقات على الباب ولج بعدها السكرتير الخاص بوليد مُعلنًا عن وصول إيلاف .

وليد بهدوء :
- خليها تتفضل طبعًا .

خطت إيلاف خطواتها الأولى بتذبذب وتوتر بادٍ على عينيها التي تهرب في كل مكان ويديها التي تفرك بهما حقيبة يدها ..

َوليد بترحيب :
- أهلا يا بنتي اتفضلي .

أهدته ابتسامة متوتره قبل أن تجلس في صمت تام ليتابع وليد بذات الهدوء :
- بابا عامل إيه ؟

إيلاف بتنهيدة خفيفة :
- الحمد لله بخير .

وليد بابتسامة :
- دايم عليه وعليكم الخير يارب .. شوفي يا إيلاف يا بنتي .. دلوقتي انتي تقدري تقولي ربنا بعتك لبشير ابني نجدة .. لإن الفترة الجاية بشير هيسافر ومحتاج مكانه في الشركة مساعد مالي .. وحاليًا مفيش حد موثوق منه بالدرجة الكافية .. فعايزك تثبتي نفسك في مكانك .. بشير هيتابع معاكي بأمر الله لفترة قبل سفره .. ها جاهزه ؟

إيلاف وهي ترمش بذهول من سرعة الأمر :
- اا .. اا انا .. أنا بصراحة بابا .. يعني .. أصل أنا يعني جاية على أساس هعمل مقابلة عمل و ..

وليد مقاطعًا :
- اعتبري نفسك بتقدميلنا خدمة .. بمعنى إنك هتمسكي الشغل مكان بشير الفترة اللي هيسافر فيها .. والله رجع بالسلامه بأمر الله وانتي مرتاحة في شغلك وحابة تكملي يبقى إحنا مع بعض .. حسيتي إنك مش عايزة أو عايزة تغيري المجال أو أيًا يكن الوضع .. فإحنا مع رغبتك ومش هنختلف بأمر الله .

إيلاف بتردد :
- تـ تمام إن شاء الله ربنا يجعلني قد المسئولية .

وليد بابتسامة :
- قدها بأمر الله .. يلا يا بشير تقدروا تبدأوا من دلوقتي .. لو طبعا مستعدة يا إيلاف .

إيلاف بعدما أخذت شهيقًا قويًا تحاول الثبات :
- تمام .. جاهزة بأمر الله .

بشير بابتسامة شغوفة :
- يبقى اتوكلنا على الله .. يلا هوريكي مكتبك ونبدأ .

أومأت إيلاف وتحركت معه بهدوء وتوتر لاحظه بشير فقرر خوض التحدي مع نفسه في أن يكتشف مقصد عمه ياسر من حديثه عنها وكذلك في أن يجعل منها شخصية أقوى ثابتة واثقة النفس .

(🌸في المآزق يكشف لؤم الطباع، وفي الفتن تكشف أصالة الرأي وفي الشدة يكشف صدق الإخاء.🌸)

خرجت الممرضة من غرفة عمار لتتحرك تجاهها أصاله بسرعة متحدثة بلهفة :
- لو سمحتي أقدر أشوفه ؟.. عايزة أتطمن عليه .

الممرضة بابتسامة وهي تربت على يد أصالة التي تُمسك بيدها :
- ينفع طبعًا مفيش مشكلة .. هو كلها شوية وهيفوق بأمر الله .

ابتسمت لها أصاله بامتنان ثم تحركت للداخل سريعًا ..

جلست إلى جواره وأمسكت بيده طابعة قبلة هادئة فوق كفه مع دمعة إنسالت رغمًا عنها وهي تمسد خصلاته بيدها في حنان بالغ غير منتبهه لتلك التي تتابعها من بعيد في تعجب لحالهم .. هل الأخوة بهذا الجمال ؟.. أن تكون على يقين أنك لست وحدك وستجد من يقف إلى جوارك حينما تتأزم أمورك ؟.. أن تجد من يبكي ألمًا لألمك ويسعد لسعادتك ؟.. أن يجافي النوم عينيه لشعوره أنك لست بخير ؟.. أن يأتيك ركضًا ما إن يعلم أنك تعاني أمرًا ما ؟.. يبكي إلى جوارك ويحتضنك بحنانه ؟.. هل هذه هي الأخوة ؟.. يبدو أنه شعور رائع لم تشعر به يومًا .. عمار محظوظ للغاية بامتلاكه أخت كهذه .. كما أنها محظوظة هي الأخرى تلك الأخت التي يسميها أخيها بـ " الحياة " ..

انتبهت من شرودها على صوت أصالة السعيد والتي تتحدث بلهفة :
- ميمو حبيبي .. انت فوقت ؟.. سامعني يا ميمو ؟

عمار بتعب :
- صولا ؟!.. انتي بتعملي إيه هنا ؟.. وأنا فين ؟.. إيه حصل ؟

أزالت أصالة عبراتها سريعًا وهي تقرص وجنته بمزاح :
- هجاوبك من ورا لقدام .. انت اتصابت في مهمه كنت فيها ودلوقتي انت في المستشفى .. وأنا هنا عشان أبقى جنبك .. ها إيه تاني ؟

عمار وهو يضرب يدها التي تقرص وجنته :
- طب بطلي تقرصي خدي .. أنا مضروب رصاصة حتى .

أصالة وهي تعبث بحاجبيها :
- الرصاصة في كتفك مش في خدك يا حبيبي .. ولو سمحت متخليش حاجه تيجي جنب خدودك عشان أعرف أقرصهم على طول .

عمار بحاجب مرفوع :
- يعني عادي أتعور في أي مكان لكن خدودي لا !

أصالة بلهفة :
- بعد الشر عليك من أي حاجه تؤذيك .. لا طبعًا حافظ على نفسك ومتتهورش بأي شكل ولا تخاطر .. العمر مش بعزقه يا عمار .. وأنا قلبي مش حِمل قلق وخوف عليك من كل مهمه تطلعها .. وبعدين في حد يتصاب ويرقد في المستشفى واخته عريسها جاي آخر اليوم كدهو .

عمار باستفزاز :
- طب بس ابعدي كده شوية ووطي صوتك ده لحسن لو ممرضة أموره ولا حاجه دخلت علينا تفكرك حبيبتي وتقطعي عليا .

شهقت أصالة وهي تضرب كتفه بخفة متحدثة بغيظ :
- بقا انت بتشقط بنات يا ميمو !.. يا ميلة بختك في تربيتك يا تيتا شهد .

قاطع وصلة مزاحهم ضحكة خفيفة اختفت سريعًا وهي تتحدث بهدوء لعمار :
- حمد الله على سلامتك يا عمار .

عمار بإيجاز :
- الله يسلمك .

أصالة بابتسامة وهي تتحرك تجاهها :
- أهو لولا القمر دي أنا كان زماني بضرب أخماس في أسداس دلوقتي وبعيط واتشحتف .

عمار بتساؤل :
- اشمعنا ؟.. انتوا تعرفوا بعض إزاي أصلا ؟

أصالة بتوضيح :
- ما هو أنا لما اتصلت بيك هي ردت عليا وعرفتني باللي حصل .

عمار بغيظ :
- حضرتك شغلتي تليفوني وكمان رديتي عليه ؟.. وفوقها كمان قولتي اللي فيا بدون أي وجه حق !

لجمت الصدمه لسان غادة التي تنظر له بأعين متسعه .. لم تكن تنتظر هذا منه ؟.. أهو غبي أم ماذا ؟!.. لقد كاد قلبها يتوقف هلعًا وهي تراه ينزف .. وكادت تُجن وهي لا تعلم ماذا عليها أن تفعل أو مع من تتحدث ليكون إلى جانبه في وقت كهذا .. كل ما جال في خاطرها هو أن تأتي بهاتفه الذي لمحته في سيارته وتقوم بتشغيله ثم تنتظر مهاتفة أحدهم .. وكانت أخته هي أول من هاتفه فأرادت أن تأتي بها كي تقويه .. هل يوبخها الآن !

تحدثت أصالة بعتاب :
- فيها إيه يا عمار .. كنت عايز تسيبني قلقانه عليك كل ده من غير ما تطمني يعني .. دي عملت خير فينا يعني عشان فكرت كده .

أدار عمار وجهه إلى الجهة الأخرى في صمت لتتحدث غادة بصوت مبحوح بعض الشيء :
- حمد الله على سلامته .. أنا هرجع الجهاز عشان أخلص إجاراءت الشحنة اللي مسكناها وإجراءات التحقيق في القضية وهبقى أخلي فهد يبلغك أول بأول باللي يتم .

عمار بغيظ :
- ومين ده اللي هيستنى فهد يبلغه بحاجه ؟.. أنا رايح الجهاز وهتابع بنفسي كل حاجه .

نظرت غادة تجاه أصاله التي تحدثت بضيق مغلف بالبكاء :
- عمار .. الدكتور قال لازمك راحه على الأقل لبليل .. وهنسمع كلامه عشان نتفادى أي تعب ومشاكل .

عمار وهو يعتدل فوق فراشه :
- وأنا ورايا شغل يا أصاله .. مش هينفع أقعد هنا زي المرضى واستنى أخبار شغلي تجيلي .

أصالة وهي على وشك البكاء :
- عشان خاطري يا عمار .. متخاطرش بنفسك عشان مفيش حاجه تستاهل .. طالما حد يقدر يتابع الشغل مكانك لحد ما تفوق وتقوم بالسلامه يبقى بلاش تعاند الله يهديك .. أنا مش هستحمل أروح أقعد على أعصابي كده لحد ما ترجع وأنا عارفه اللي فيك .

عمار وهو يمسد وجنتها بحب :
- حبيبتي أنا كويس ومفيش أي حاجه صدقيني .. وعشان تتطمني أوعدك إني أروح أنهي شوية إجراءات وقبل المغرب هكون في البيت عشان أستقبل سي كنان مع بابا .. اتفقنا ؟

أصالة بصدمة :
- المغرب !!.. هفضل على أعصابي للمغرب !

عمار بتنهيدة وهو يتحرك من فراشه :
- أصالة .

تنهدت هي الأخرى باستسلام .. تعلم أنه لن يستمع لها .. وما عليها الآن سوى الاستسلام .

خرج من المستشفى قاصدًا الجهاز وقد سبقته غادة وهي تشعر بالغضب تجاهه .. ذاك الأحمق المغرور .. ماذا يظن نفسه !

(🌸متى امتلأ قلب العبد إيماناً ويقيناً فإن الله لن يخذله : {قال إن معي ربي سيهدين} 🌸)

في أحد الكافيهات الهادئة المطلة على الكورنيش .. تجلس بصحبة رحاب الشاردة في صمت تام وتحرك إصبعها فوق كوب النسكافيه خاصتها بشكل دائري ..

بدر بتنهيدة :
- رحاب .. احنا جينا هنا عشان نروق ونهدا ونفوق لنفسنا مش عشان نسرح ونفكر في الماضي ونبكي على الأطلال .. كام مره لازم أقولك الكلام ده ؟

قبل أن تحصل على إجابة من رحاب أتاها صوت تعلم صاحبه جيدًا .. بل وتبغضه كذلك :
- هو أنا المفروض أتصل عليكي كام مره عشان تردي عليا ؟!

رحاب بتنهيدة :
- آسفة يا هيثم بس مش عايزة أتكلم .

هيثم بهدوء موجهًا حديثه لبدر :
- ممكن أقعد ولا هتطرديني زي المره اللي فاتت ؟

بدر بحاجب مرفوع :
- والله كلك نظر .

هيثم بتنهيدة مغتاظة :
- أنا مش عايز أكتر من إني أقولها كلمتين ممكن يفوقوها .

أشاحت بدر بوجهها بعيدًا ليجلس هيثم وهو يزفر بغيظ .. تحدث إلى رحاب بغموض :
- اسمعيني يا رحاب .. خطوبة هشام ولا جوازه مش هتكون نهاية الحياه .. لازم تقفي على رجلك وتكملي وتختاري واحد يستاهلك ويكون شبهك في كل حاجه عشان تكونوا متكافئين .. هشام مكنش الشخص ده أبدًا لإن هشام يوم ما هيفكر يرتبط بواحدة هتكون من نفس طبقته .. وده عشان الشكل العام حتى لو على حساب قلبه .. وده مش معايبة في صاحبي .. لكن ده الواقع اللي عايشينه ..

تنهد قليلًا وهو يتابع :
هشام مش أول ولا هيكون آخر واحد يتنازل عن حبه عشان الشكل الاجتماعي .. أنا مش بقلل منك .. بالعكس إنتي إنسانة جميلة ومتعلمه ومثقفة وقوية ومرحه كمان وألف من يتمناكي .. لكن صدقيني اللي هيحميكي ويحافظ عليكي ويحارب الدنيا ويشتريكي هو ده بس اللي يستاهلك .. هشام اتخلى من أول كلمة اتوجهتله من أبوه اللي قرر إنه يعمل شراكة مع شركة تانية كبيرة عشان يوسع من شغله .. وفكرة ارتباط ابنه ببنت صاحب الشركة دي هتقوي العلاقات بينهم أكتر وأكتر .. صدقيني كمان لما أقولك إن هشام ضحية زيك لإنه مكنش بيفكر يسيبك أو يبعد .. لكن والده هدده بإنه يحرمه من كل حاجه لو موافقش على الارتباط ده عشان الشغل .. وافق بدون ما يواجهك أو يحاول يتواصل معاكي عشان مينفعش يعشمك بحاجه مش في إيده .. أو مبقتش في إيده .. وهرجع وأقولك أنا مبدافعش عنه .. أنا لو مكانه وبحب واحدة بالشكل ده هقول لكل فلوس الدنيا غوري قصاد ساعه واحده في قرب البنت اللي بحبها .. لكن هو كان أضعف من إنه يعمل كده .. وجايز ده خير ليكي يا رحاب .. يمكن حياتك مع واحد تاني وفي مكان تاني وفي ظروف تانيه أحسن من دي مية مره .. عشان كده عايزك تقفي تاني وتعدي المرحلة دي باللي فيها .. وترجعي لحياتك وتكوني واثقة إن العوض جاي جاي .. وإوعي في يوم من الأيام تزعلي على حد محاربش عشانك .. انتي تستاهلي يتحارب عشانك وتستاهلي يتنحت في الصخر عشان يتْوِصلك .. إوعي تقللي من نفسك عشان حاجه أبدًا خاصه لو الحب .. فهماني ؟!

كانت عبراتها تنسال في صمت تام وهي تنظر للبعيد شاعره بتلك الغصة التي تقتلع خلايا قلبها المعذب .. إنها تتألم بحق .. إنه محق .. لا يقول سوى الصدق .. هذا ما ستتعرض له ذات يوم ولن تجد من يخبرها بهذا الحديث في صدق .. لأن صاحبة النصيحة ستنفض يدها ما إن تعلم بما فعلته هي بها .. بل وما تزال تتابع في هذه اللعبة الرخيصة ..

بينما تستمع بدور لما يقوله هيثم بإعجاب غريب يتسلل إليها مع كل كلمة ينطق بها .. هل هيثم الذي تبغضه منذ الوهلة الأولى ليس بالشخص السيء كما ظنت ؟!.. هل يخرج هذا الحديث عنه هو الآن !!

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الثامنة عشر بقلم دنيا الشملول


كانت عبراتها تنسال في صمت تام وهي تنظر للبعيد شاعره بتلك الغصة التي تقتلع خلايا قلبها المعذب .. إنها تتألم بحق .. إنه محق .. لا يقول سوى الصدق .. هذا ما ستتعرض له ذات يوم ولن تجد من يخبرها بهذا الحديث في صدق .. لأن صاحبة النصيحة ستنفض يدها ما إن تعلم بما فعلته هي بها .. بل وما تزال تتابع في هذه اللعبة الرخيصة ..

بينما تستمع بدر لما يقوله هيثم بإعجاب غريب يتسلل إليها مع كل كلمة ينطق بها .. هل هيثم الذي تبغضه منذ الوهلة الأولى ليس بالشخص السيء كما ظنت ؟!.. هل يخرج هذا الحديث عنه هو الآن !!
لكن لا .. لن تضعف الآن أبدًا .. ولن تجعله يسيطر على عقلها وقلبها ببعض الكلمات التي لن تجعله يكون محقًا بها .. هذا تحدي .. ولن تخسر ..

التفتت بكامل جسدها تجاهه وهي تناظره من أعلاه لأخمصه في شبه نظرة استفزازية مع حروفها التي خرجت بحدة مقصودة :
- مين حفظك الكلمتين الحلوين دول بقا يا ترى ؟!.. على كل حال اللي حفظهملك فاشل لإنه معلمكش تاخد ريآكشن الكلام وانت بتقوله .. يعني مثلا لما تقولها لازم تقفي على رجلك وتكملي وتختاري واحد يستاهلك ويكون شبهك في كل حاجه عشان تكونوا متكافئين .. ساعتها لازم صوتك يكون هادي مش متسربع وكإنك حافظ مقال وجاي تسمعه .. ثم إني يؤسفني وبشدة كمان إني أقولك إن الجملة دي غلط .. يعني إيه تدور على اللي يشبهها عشان يكونوا متكافئين !.. اسمها دوري على اللي يكملك عشان توصلوا لمرحلة الروح الواحدة فتهَوِّنوا على بعض كل حاجة .. تدور على حد يستاهل اللي هتقدمه وميكونش أناني بياخد وبس .. كلامك على الراس يا استاذ هيثم بس الحقيقة إننا متخليين عن خدماتك الجليلة وتقدر حضرتك دلوقتي تروح تقف مع صاحبك عشان يشتري بدلة الخطوبة .

كان يناظرها بأعين تنطق بالشر .. لن يجعلها تحيى في سلام تلك الغبية .. يقسم .

التفت برأسه لرحاب التي توزع نظراتها بينهما في تيه .. فحمل هاتفه ومفاتيح سيارته وغادر دون أن ينطق بحرف واحد .

أخرجت زفيرًا قويًا وهي تنظر في البعيد تحاول تجميع شتات أمرها قبل أن تتحدث من جديد :
- يلا يا رحاب .. يدوب نرجع النادي .

تحركت رحاب وهي لا تدري كيف لها أن تصلح ما أفسدته هذا !.. بدر بريئة ولا تستحق ما تسعى رحاب لفعله بها .. وهيثم تحدث عن مستقبل تثق تمام الثقة أنه آتٍ لا محالة .. آتٍ لا محالة .

(🌸إن المصائب ما جاءت لتهلكك إنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك، والله مع الصابرين.🌸)

وصل حيث الجهاز وصف سيارته ودخل حيث اللواء سامي الذي ناظره بقلة حيلة متحدثًا بجدية :
- أفهم سيادتك جاي تعمل إيه ؟

عمار وهو يجلس إلى أقرب مقعد :
- شغلي .. أنا مبحبش رقدة المستشفيات .. إيه مشكلتكم !

سامي بقلة حيلة :
- لا مشكلة ولا حل يا عمار .. المهم .. المحاكمة الأسبوع الجاي .. وانت وفريقك قمتوا بعمل فوق الرائع بمراحل .. تكاتفكم وسيطرتك عليه وخططك كانت ممتازة .. بس طبعا ده ميمنعش أبدًا إن في خطر بيحوم حوالينا حاليًا .. أو خليني أكون صريح أكتر .. في خطر بيحوم حواليك إنت تحديدًا .

ولجت غادة مع آخر جملة للواء فناظرته بقلق وهي تجلس مقابل عمار :
- في خطر عليه ليه ؟.. ومن إيه ؟!

سامي بتوضيح :
- عمار اتكشف عندهم .. منظمة مترستقة في كل مكان زي دي مش هتقف على شحنة السلاح والمخدرات اللي مسكناها .. ومش بعيد أصلًا يكون ده فخ عشان يعرفوا اللي ماسك القضية بالظبط وبيدور وراهم .

غادة بسرعة :
- بس القضية دي كانت مع إسماعيل الأول .. وأنا خدتها منه ورجعت سلمتها لعمار .

سامي بتنهيدة وتصريح :
- القضية في الأصل كانت مع عمار مش اسماعيل .. اسماعيل كان تمويه مش أكتر .. وانتي طلعتي بالقوة بتاعتك بناءً على أمر من اسماعيل اللي خد أمر أصلًا من عمار .. ودي كانت طلعة اسماعيل مش انتي بس هو لولا الحادثة اللي حصلتله وهو جاي الجهاز كان تمها .

غادة بعدم تصديق :
- طب وهما معرفوش حاجه من البداية ؟

عمار بتوضيح :
- هما ميعرفوش كل ده .. انتي لما داهمتيهم ع الطريق بالقوة اللي كانت معاكي دي كانت البداية .. والشحنة اللي اتمسكت مكنتش حاجه قصاد الشحنة اللي مسكناها امبارح .. وفكرة إنهم يقوموا بعمليتين ورا بعض وكمان عملية كبيرة زي دي تبقى في الجبل .. في المكان اللي معروف إن عنينا عليه .. ده بيدل على إنه فخ عشان يعرفوا هوية الظابط اللي ماشي وراهم خطوة خطوة .. ومبانش في الصورة غيري امبارح .

صمت لدقيقة قبل أن يتابع :
- واللي ضربني بالنار إمبارح كان قاصدني تحديدًا .

غادة وهي ترمش سريعًا :
- قصدك إيه ؟

سامي :
- ضرب عمار عشان يكشف الظابط اللي ماسك القضية لعينهم اللي في الجبل عشان يوصل لكبيرهم شخصية عمار .

شهقت غادة وهي تنظر لعمار ثم اللواء ومن ثم تحدثت بجدية :
- أنا ليه معرفش أي حاجه عن اللي بتتكلموا فيه ده ..

وجهت حديثها لعمار :
- إنت كنت عارف إنهم هيعملوا كده ؟.. كنت عارف إن ده فخ عشان يعرفوك ؟

صمت عمار لتغمض غادة عينيها بقوة محاوله التماسك قبل أن تنظر للواء بجدية وهي تتحدث بحذر :
- إيه اللي هيتم بعد كده ؟

سامي بهدوء :
- كل حاجه هتمشي في مسارها الطبيعي يا غادة .. في مجرمين وفي قضية مفتوحة وفي محاكمة .. كل حاجه هتاخد مجراها الطبيعي .

غادة بحذر :
- وعمار ؟!

نظر سامي تجاه عمار الشارد في اللاشيء ثم نفى برأسه في قلة حيلة لتزفر غادة بضيق من صمته هذا .. عليها أن تضيف لقاموس صفاته كونه شخص بارد .

تحرك عمار وهو يتحدث بجدية :
- هروح أرتاح شوية .. لو في أي جديد تليفوني شغال .

غادر عمار لتتحدث غادة بغيظ :
- هو بارد كده ليه ؟.. هو مش حاسس بحجم المشكلة اللي هو فيها ؟

سامي بهدوء وثقة :
- عمار عارف كويس هو بيعمل إيه يا غادة .. ما يتخافش عليه .

غادة بقلة حيلة :
- أنا رايحة أشوف شغلي .

غادرت هي الأخرى وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة .. ذاك الـ عمار سيصيبها بالجنون قريبًا من غموضه وبروده هذا .

(🌸لا بد لنا من عزيمة نفطم بها أنفسنا عن اللهو وأن لا نقعد فراغاً والموت يطلبنا🌸)

بقي بشير يتابع إيلاف بعد أن أخبرها بما عليها فعله .. لن ينكر ذكائها واستيعابها السريع للأمور .. لكن التوتر يجعلها تخطئ .. والغريب أن توترها هذا ليس توتر عمل .. بل توتر من أن تُخطئ في إتمام هذا العمل .. بقي يتابعها ويصحح معها أخطائها بصبر تام دون أن يظهر من الضيق ما يجعلها تخشى سؤاله عن شيء .. وهذا ما سيفعله دومًا من أجل أن تتجرأ قليلًا وتتحدث بحرية .. فهو يشعر
بتحفظها الكبير وكذلك لاحظ كونها تخفض وجهها كلما ولج شخص ما إلى المكتب .. ولا تنظر لمن يحادثها ..

بعض الأشياء البسيطة التي لمحها عنها جعلته يُكوِّن بعض الحلقات الخاصة بما هي عليه .. لكنه لم يصل بعد لما يروي فضوله مما عانته كما أخبره والدها ..

(🌸فرغ قلبك لله بما أمرت به، ولا تشغله بما ضمن لك، وسيرزقك ربك من حيث لا تحتسب🌸)

دخل لمنزله بتعب وإرهاق شاعرًا برأسه تدور وشعور بالقيء يكاد يُفقده وعيه .. أكثر ما يكره في حياته أن يشعر بقيء دون أن يستطيع فعلها .. نفخ بضيق من حاله وصعد للمنزل مباشرة كي يستعد للقاء ذاك الـ كِنان مع والده .

دخل من الباب بعدما استقبلته أصاله بوابل من الأسئلة التي تطمئن بها عليه ليهدر بغيظ :
- سيبيني بقا أتنيل آخد شاور وأغير هدومي .. وافصلي يا راديو .. ما انتي شيفاني كويس قدامك أهو .. يوه .

أصالة بغيظ وهي تضربه على كتفه :
- يعني بلاش أتطمن عليك !

صرخ من ضربتها لتضع يدها على فمها وبسرعه تحركها تجاه كتفه تمسد حيث ضربته وهي تعتذر بندم :
- آسفه آسفه والله نسيت .. حقك عليا .. بتوجعك ؟.. حاسس بتعب بعد خبطتي ؟.. ها ؟.. تعبان ؟.. ممكن تكون نزفت تاني ؟.. اقلع قميصك ده عشان أشوف الجرح كده لو فيه حاجه .. انت مبتردش عليا ليه ؟

صرخ عمار في وجهها وهو يجاهد كي يكتم ضحكته :
- افصلي .. افصلي عشان أعرف أرد .. إييييه .. سؤال ورا سؤال ورا سؤال .. وفي الآخر تقوليلي مبتردش ليه !.. هو انتي سيبالي فرصة ؟

ضحكت لتذمره ليشاركها الضحكة بغيظ قبل أن تتحدث بهدوء وهي تمسد كتفه :
- كده أنا اتطمنت إنك بخير .. يلا خد الشاور بتاعك وغير هدومك هكون جهزتلك لقمة كده ع السريع .

عمار بتنهيدة وهو ينظر تجاه غرفة والده :
- أمك مش هنا ولا إيه ؟

نفت أصالة ليزفر عمار بضيق وهو يتحرك للداخل قبل أن تتنهد أصالة بقلة حيلة وتذهب للمطبخ .

مرت الساعات التالية بسرعة وكانت أصالة في غرفتها تحيا في حيرة بسبب ما يمكنها ارتداؤه لاستقبال ضيوف الليلة ..
طرقات خفيفة على الباب تبعها دلوف عمار الذي ينظر للغرفة بتعجب متسائلا :
- هو في حرامي قلب الأوضة وهرب ولا إيه !!

أصالة بغيظ :
- معنديش لبس يا عمار .. مش لاقيه حاجه عدله أخرج بيها للضيوف .

تعجب عمار لحالها .. هل هذه أصالة حقًا !.. إنها لم تهتم مسبقًا بأي قادم لها .. لماذا هذا تحديدًا !!.. كما أنه لم يسبق أن رأى توترها وحيرتها هاته !

أصالة بحماس مفاجيء :
- إيه رأيك في ده يا ميمو ؟

نظر عمار لما انتقته ليبتسم بهدوء وهو يمدحه :
- جميل أوي .. هادي وبسيط وبيبقى شيك عليكي .

أصالة بفرحة :
- حبيبي يا ميمو .

عمار بابتسامة :
- لو احتجتي حاجه ناديني .

خرج من الغرفة وهو يتساءل في نفسه عن حال أخته .. هل فاته شيء يخصها !!

دقائق وصدح جرز المنزل ليخرج عمار كي يستقبل الضيوف لكنه تفاجأ بوالدته ..
ابتسم بتهكم وعاد من جديد للجلوس في صالة الاستقبال يتابع قراءة أحد الكتب ..

دخلت سبأ وهي تتنهد بتعب .. بدلت ثيابها سريعًا وركضت للمطبخ كي ترى إن كانت سلسبيل قد أتمت كل شيء .. وبالفعل وجدتها قامت بما هو مطلوب ويزيد ..

دقائق أخرى وأعلن الباب عن وصول ضيوفهم .. استقبلهم مالك وعمار وفجر .. وجلس كِنان ووالده لبعض الوقت يتحدثون عن العمل وظروفه مما أثار ضجر عمار .. نظر لفجر الذي يحاول كتم ضحكاته ليزداد غيظه ..

وأخيرًا تحدث والد كِنان بابتسامة :
- يشرفنا طبعًا يا مالك إننا نطلب إيد الآنسة أصالة لابني كِنان .

مالك بابتسامة :
- ده شرف لينا إحنا يا أحمد ..

بعد القليل من الحديث طلب مالك من عمار أن يأتي بأخته ..

تحرك عمار ولا يعلم سبب هذا الضيق في نفسه .. لكنه آثر أن يكتم في نفسه حتى تنتهي الليلة على خير ..

طرق الباب ودلف ليجد أصالة تذرع الغرفة جيئة وذهاب .. تحدث بهدوء محاولًا الابتسام :
- يلا يا صولا .. الناس بره .

سبأ بتساؤل :
- سلسبيل ناولتك الجاتوه والساقع ؟

نظر لها عمار لثوان قبل أن يتحدث بهدوء تام :
- آه .. وطلعت الشاي والياميش .. وبعد ما أصالة تخرج هتطلع العصير .

لا يعلم لماذا استفاض في الشرح معها لكنه شعر أنه يود ذلك .. كأنه يريد إيصال رسالة لها أنها لم تقدم على فعل ما هو واجب عليها هي في وقت كهذا ..

كان ليعذرها إن دخل ووجدها تتحدث مع أصالة كي تهدئ من توترها هذا .. لكنه وجدها تعبث بالهاتف .. يا للسعادة التي يحياها !

مد يده لأصالة التي أمسكت به بقوة وهي تتحدث أثناء خروجهم :
- أنا متوترة أوي .

ضغط على يدها كأنه يبثها الثقة والقوة معًا وهو يتحدث بلطافة :
- ده كيوت أوي وشيك .. وشبهك كمان .

أصالة وهي تقف محلها وترمش عدة مرات وتحدثت بمرح :
- بجد !!.. يعني هو شبهك يا ميمو ؟!

عمار بحاجبين معقودين :
- أنا قلت شبهك مش شبهي !

أصالة :
- ما أنا شبهك يا ميمو !

عمار بمزاح :
- لا طبعًا أنا مليش شبيه .. عمار واحد وبس .

ضربته على كتفه بغيظ ليضم وجهه في ألم فمسدت كتفه وهي تعتذر بلطافة ... ليبتسم لها بحب وهو يتقدم بها شاعرًا بعودة توترها من جديد ..

جلس الجميع لبعض الوقت وتحدث والد كنان مع أصالة في العديد من الأشياء قبل أن يستأذن مالك كي يعطي لهما الفرصة في التحدث معًا ..

تحرك مالك ووالد كنان إلى البلكون .. في حين تحرك فجر لغرفة أصالة كي يخبر سلسبيل بما حدث في الخارج كعادته الدائمة في إخبارها بكل شيء يحدث في غيابها .. خاصة إن كان الأمر مضحكًا أو يصلح للمزاح فيه ..

بينما جلس عمار على مقعد يبعد عنهما بقليل فقط وأمسك بهاتفه ..

ابتسمت أصالة في داخلها كونه بقي إلى جوارها .. ليخرجها عن صمتها سؤال كِنان :
- إزيك يا آنسه أصالة؟

أومأت دون حديث ليبتسم لفعلتها وهو يتابع :
- طب الحمد لله .. أنا إسمي كِنان أحمد العيسوي .. متخرج من حاسبات ومعلومات بقالي تلت سنين .. شغال في شركة مشتركة بين والدي وعمي .. شغلتي هي سكرم ماستر .. وده يا ستي تقدري تقولي عليه حلقة وصل بين الشركة والخارج .. بقدم تطوير في البرمجة مع فريق تبعي وحاجات زي كده .. هاوي القراءة جدًا من الناحية الأدبية .. وهاوي النحت من الناحية الفنية .. وهاوي للسباحة وركوب الخيل من الناحية البدنية .. وطبعًا تقنية تبع شغلي في تطوير البرامج وكمان التصميم الجرافيكي .. أنا تقريبا عايش عشان أكون هاوي باين .

ابتسمت بخفة ليتابع بهدوء بعدما استنشق شهيقًا قويًا أخرجه ببطء مع ابتسامة هادئة :
- في الحقيقة أنا مش الشخصية الملتزمة أوي في الصلاه .. مش هقولك بقا أنا راجل مبفارقش السجاده أو كده .. بس كمان مش شخص ضايع يعني .. بحاول بقدر الإمكان وبفضل الله مبتركش فروضي الأساسية لكن النوافل للأسف مش ملتزم بيها .. شخص عصبي بس حنين والله .

ضحكت بخفة ليبادلها ضحكتها وهو يتابع :
- هي كيميا غريبة شوية فيا يعني .. اللي هو أنا وقت ما بكون مركز أوي في حاجه وحاجه تانيه تقاطعني بحس إني عايز أهد الدنيا كلها ودماغي بتقفل جدا يعني .. دي تقريبا الحاله اللي ممكن تعصبني .. امم ايه تاني ؟

أصالة بابتسامة هادئة :
- علاقتك بأهلك يعني .. اا .. جوانبها إيه ؟

كنان بهدوء :
- تقدري تقولي كويسة بشكل كبير .. أنا ليا أخت واحده هي أكبر مني ومتجوزه وعايشة بره .. بس بنتواصل ديما إلكتروني .. علاقتي بوالدي الحمد لله قوية جدًا .. تقدري تقولي إننا أصحاب مش أب وابنه .. والدتي متوفية من سبع سنين .. مليش غير عم واحد وبينا موده الحمد لله كبيرة .. وأولاده بره مصر .. وتواصلنا بيبقى من فتره للتانية كده .. مليش اخوال .. ودي كل عيلتي بقا .

أومأت أصالة وهي تتابع :
- وبالنسبة لعلاقاتك الاجتماعيه .. أصدقاءك ؟

كنان ببساطة :
- علاقاتي كلها خاصه بشغلي .. صحاب .. اممم .. مفيش .

أصالة بتعجب :
- مفيش !

كنان بصدق :
- الصاحب ساحب .. وان مكنش هيسحبني للخير والصح بلاش منه .. وفي الوسط اللي عشت فيه ملقتش الصاحب ده .. الكل بالنسبالي فترات .. زمايل فرق الجامعة .. زمايل دراسة يعني .. لكن صاحب صاحب مفيش .. هو بابا بس .

أومأت أصالة بابتسامة هادئة :
- تمام .

كنان بهدوء :
- طبعا بما إن ربنا بيقول سيماهم على وجوههم .. فأنا الحقيقة معنديش ليكي أي أسئلة .. فلو محتاجه تعرفي حاجه تانيه .. اتفضلي .

أصالة بتساؤل :
- مفيش حاجه معينة عايز تسألني فيها أو تستفسر عنها ؟

نفى كنان ببساطة وهو يجيب :
- شوفي يا أصالة .. البنت اللي بتسعى لرضا ربها وتخاف منه فتغض بصرها وهي ماشيه في الطريق وتلتزم بالزي الشرعي ليها وصوتها ميعلاش في مكان عام أبدًا .. واللي تكون راضية أهلها عنها .. مظنش ينفع تتسئل في أي حاجه ... لأن الأساس السليم قوي .. اللي بعد كده حتى لو غلط يتصلح .

أصالة بذهول :
- هو .. هو حضرتك تعرفني ؟.. يعني تعرف عني الحاجات دي منين ؟

كنان بابتسامة هادئة :
- لو بينا نصيب هتعرفي بأمر الله .

أومأت أصالة بصمت قبل أن تستأذن للدخول ..
َ
عاد الرجال وأخبر والد كنان مالك كونه سينتظر مكالمة هاتفية يخبره برأي ابنته ..

(🌸احذر المعاصي فإنها تمحق بركة الطاعة وتحرم المغفرة في مواسم الرحمة.🌸)

مر اليوم دون أحداث تُذكر ليأتي اليوم التالي والمفضل بالنسبة لوجد والفتيات .. فاليوم سيعودون لدائرتهم الدينية التي ابتدأنها معًا في الأسبوع الماضي لتتابع وجد التحدث عن رحلة الخلود ..

المرة اللي فاتت وقفنا عند جزء من مراحل رحلة الخلود .. قولنا سبع مراحل في الطريق للجنة والنار .. وقلنا إن المراحل بتبدأ بالقبر مرورًا بالنفخ في الصور ثم البعث فالحشر فالشفاعه ثم الحساب ومن بعدها تطاير الصحف .. النهاردة هنكمل المراحل دي من بعد المرحلة السابعة ونقول إن المرحلة التامنة هي " الميزان "..

الميزان الخاص بالحق له كفتين دقيقتين جدًا ربنا بيوزن بيهم أعمال المؤمنين .. طيب إيه اللي ممكن يتقل الميزان ده ؟.. اللي بيتقل الميزان حاجات كتير .. منها :
(لا إله إلا الله .. وحسن الخلق .. والذكر زي الحمد لله وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ..)

بعد الميزان بقا بيبدأ كل واحد ربنا بيقاضيه على حسناته وسيئاته .

وده كده هينقلنا للمرحلة التاسعة واللي هي " الحوض " ..
كل نبي من أنبياء الله له حوض .. وأعظمهم حوض النبي صلى الله عليه وسلم .. حوض النبي ماؤه أبيض من اللبن .. وأحلى من العسل .. وأطيب من المسك .. والإنماء بتاعه أو اللي بيحيط بيه يعني من ذهب وفضة كعدد النجوم .. طوله أبعد من أيلةَ بالأردن إلى عدَن .. والمية بتاعته بتيجي من الكوثر ..

كل واحد بيشرب من حوض نبي من الأنبياء أو من حوض الرسول .. مبيحسش بالعطش أبدًا بعد كده ..

بعد كده ننقل للمرحلة العاشرة واللي هي " امتحان المؤمنين " ..

في آخر يوم من الحشر .. الكفار بيبدأوا يتتبعوا الألهة اللي كانوا بيعبدوها فتاخدهم للنار جماعات جماعات كده وصفهم بإنهم كقطعان الماشية على أرجلهم أو على وجوههم ..

وبكده هيتبقى المؤمنين والمنافقين .. دول بييجي ربنا سبحانه وتعالى ويسألهم " ما تنتظرون؟ " .. فيردوا " ننتظر ربنا " .. فيعرفوه من رجله لما يكشفها فيسجدوله المؤمنين .. لكن المنافقين مش هيسجدوا طبعًا .. وده ذُكر في قوله تعالى " يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون " ..

بعدها يمشوا وراه فينصب الصراط ويدي المؤمنين النور ويطفي نور المنافقين ..

بعد كده ندخل مباشرة في مرحلة " الصراط " ..

الصراط ده أشبه بجسر ممدود على جهنم .. بيعدي المؤمنين عليه للجنة .. وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بإنه ( مدحضة .. مزلة .. عليه خطاطيف وكلاليب كشوك السعدان .. أدق من الشعرة وأحد من السيف ).. وعلى الصراط ده بياخد كل مؤمن النور على قد أعماله .. أعلاهم كالجبال وأدناهم في طرف إبهام رجله .. هينورلهم فهيمشوا عليه .. المؤمن هيمشي زي البرق وزي الريح والطير .. من المؤمنين اللي هيعدي سليم .. ومنهم اللي هيعدي بخدوش .. ومنهم اللي هيقع في جهنم ..

أما المنافقين فملهمش أي نور .. فبيرجعوا وبيتبني بينهم وبين المؤمنين سور .. واللي يعوز يعدي الصراط منهم بيقع في جهنم على طول .

وده هينقلنا للمرحلة رقم اتناشر اللي هي " النار " والعياذ بالله ..

طبعا من صغرنا وإحنا عارفين إن الكافر هو اللي بيدخل النار ..
لكن دلوقتي لازم نعرف إن النار دي بيدخلها الكفار وبعض العصاة من المؤمنين وكمان المنافقين .. يعني من كل ألف(١٠٠٠) هيدخلها تسعمية تسعه وتسعين (٩٩٩) ..

النار ليها سبع أبواب .. وطبعا هي أشد من نار الدنيا سبعين مره ..

شراب أهل النار من حميم ومهلٌ وصديد والعياذ بالله ..
أكلهم اللي ذُكر في القرآن هو الضريع والزق م والغسلين ..
لبسهم من نار وقطران ..

أهون المعذبين في النار بيتحط تحت رجليهم جمرتين دماغه تغلى منها ..
ومن عذابها زي ما عرفونا من صغرنا بردو إن جلود تنصهر وتتجدد وترجع تنصهر وتتجدد .. ومن ضمن العذاب بردو السحب والسلاسل والأغلال ..

قعرها بعيد جدًا لدرجة لو رمينا فيها طفل هيبقى عنده سبعين سنه لحد ما يوصل القاع ده ..
الوقود الخاص بجهنم هما الكفار والحجاره ..
الهواء بتاعها سموم .. والظل بتاعها يحموم ..

بعد عذاب المؤمنين في النار بيبدأ مرحلة جديدة اللي هي المرحله التلتاشر .. ودي إسمها ( القنطرة ) ..

رسولنا صلى الله عليه وسلم بيقول في حديث شريف له " يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذبوا ونقوا أُذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزلة في الجنة منه بمنزلة كان في الدنيا "
(رواه البخاري)

فكده القنطرة دي هي مكان الحساب بين الناس وبعض ..

وبعد كده تيجي المرحلة الأخيرة في رحلة الخلود .. واللي هي " الجنة " ..

الجنة هي مأوى المؤمنين ..
بناها من فضة وذهب .. ليها تمن أبواب .. عرض الجنة مسيرة تلت أيام .. فيها مية درجة .. ما بين الدرجة والتانية مسيرة ما بين السما والأرض ..

الفردوس هي أعلى منازل الجنة .. سقف الفردوس هو عرش الرحمن .. أنهارها عسل ولبن وخمر وماء .. بيجروا فيها بدون أخاديد .. بيجريها المؤمن زي ما هو عاوز ..

فيها خيمة مجوفة عرضها ستين ميل .. في كل زاوية من الخيمة بيكون للمؤمن فيها زوجة ..

مفيش في الجنة لا بول ولا غائط ولا قذارة ..
نساء الجنة جميلات وأبكار .
أول من يدخل الجنة هو نبي الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء .
خدم الجنة ولدين مخلدين كلؤلؤ منثور ..
ومن أعظم نعيم الجنة رؤية ربنا سبحانه وتعالى ورضوانه والخلود ..

وهنا نوصل لختام الكلام عن رحلة الخلود ..

مسموح بالضرب لكن الشتيمة لا .

ضحكن الفتيات لحديثها ومن ثم تنهدن بقوة لتتحدث ميار بابتسامة :
- بارك الله فيكي والله يا وجد .. ربنا يثبتك ويزيدك كمان وكمان .

شكرنها الفتيات لما تقدمه لهن وغادرن على وعد بالقدوم في الجمعة التالية ..

إيلاف بابتسامة هادئة :
- بجد انتي نعمة في حياة أي حد يعرفك .

وجد وهي تتحسس وجنتيها بخجل مصطنع :
- لا لا بقولك إيه أنا مش قد الرومانسيات لحسن بتكسف .

صدحت ضحكة إيلاف التي يسمعها ذاك المار من أمام الغرفة عن طريق الصدفة ليضرب قلبه طبولًا وغادر المكان ركضًا .. ولكن لاحظته مريم التي ابتسمت في أثره وهي تغمغم بهدوء :
- ربنا يعملك الصالح يا حبيب جدتك ويهدي قلبك للخير .

(🌸ليس العيد لمن تجمل باللباس والمركوب، إنما العيد لمن غفرت له الذنوب🌸)

صدح صوت هاتفه الذي أيقظه من سباته ليجيب دون النظر لهاتفه :
- آلو ؟

بشير بخفة :
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. الحمد لله بخير .. إزيك وإزي عيالك ؟

ضحك عمار وهو يمسد بين عينيه متحدثًا بمرح :
-الواحد يصحى من النوم على صوتك كده .. ده باين عليه يوم أبيض وزي العسل ولا إيه ؟

أبعد بشير الهاتف عن أذنه ينظر فيه ثم أعاده من جديد لتصدح ضحكة عالية من عمار الذي دفن رأسه في الوسادة قبل أن يتابع :
- طب انت كنت بتبص في الفون ليه ؟

بشير بسرعه :
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. إيه يا عم انت مخاوي ولا إيه !!

ضحك عمار ضحكة خفيفة قبل أن يضع ذراعه أسفل رأسه وهو يجيب ببساطة :
- لا ياعم .. بس توقعت الحركة يعني .

بشير بغيظ :
- ما هو أصل لازم أشك فيك يعني وانت بتقولي اليوم هيبقى عسل طالما أصطبحت بصوتي .

عمار بتوضيح مازح :
- بجرب الرومانسية فيك بقا .. مش أحسن ما أطلع مبعرفش أقول وأعبر بقا وكده .

بشير بضحكة :
- لا هتنفع يا سيدي ما تقلقش .. المهم بقا يا عم اتصلت بيك عشان أقولك على المشوار اللي كلمتك عنه من كام يوم ده .. فاكر ؟

عمار محاولًا التذكر :
- مشوار من كام يوم !!.. اا .. لا حقيقي مش فاكر .. كان مشوار إيه فكرني؟

بشير :
- لما اتقابلنا ع المسبح يا عم .. قلتلك هنعمل خير كده على يوم الجمعه .

عمار بتذكر :
- آه آه افتكرت .. طب استناني .. هعمل شاور وأجيلك .

بشير :
- خلاص تمام .. مستنيك .. متتأخرش .

عمار :
- على طول بأمر الله .

أغلق معه وأنهى طقوسه سريعًا وخرج مرتديًا بنطال جينز أسود يعلوه قميص أسود وساعة سوداء مع نظارته الشمسية التي لا يتخلى عنها أبدًا ..

خرج من غرفته قاصدًا منزل عمه وليد لكن أوقفه صوت أصالة المتذمر :
- متشيك كده ورايح على فين !

عمار وهو يغمض عينيه بغيظ :
- يا أصالة يا حبيبتي أنا والله لو متجوزك ما هتعملي كده .. رايح فين ؟ جاي منين؟ كلت ولا لا؟ شربت ولا لا ؟ اتنفست كام مره ؟.. وفري يا حبيبتي الأسئلة عشان كنان .

اتسعت عينيها بذهول قبل أن تتدرج وجنتيها بحمرة الخجل وهي تتحدث بتأتأه :
- احـ احترم نفسك يا عم بقا يوه .. قال كنان قال .

اقترب عمار منها وهو يغمض عينيه بمكر :
- ألا قوليلي يا صولا يا حبيبتي .. هو أنا غايب عني حاجه كده ولا كده !

هربت بعينيها وأخذت تفرك يديها معًا وهي تسأل بتوتر :
- حـ حاجة إيه ؟!.. لـ لا طبعًا ولا حاجه .

عمار وهو يضع يديه في جيب بنطاله :
- ولا أي حاجه خالص ؟!

ازدردت ريقها قبل أن تهدر بغيظ :
- إيه هو ده !.. عمال تاخدني في دوكة عشان متقوليش انت رايح فين .. لكن ده بُعدك يا خويا .. يلا قِر واعترف .

عمار وهو يداعب أرنبة أنفه :
- هنروح من بعض فين يا حبيبتي ؟.. كلها شوية وراجعلك .

تحرك خارج المنزل ولكنه تحدث قبل أن يُغلق الباب :
- رايح بيت عمي وليد .. هشوف بشير في مصلحة كده وراجع .

أنهى حديثه وأغلق الباب لتزفر هي بارتياح ولكنها صرخت من الفزع حينما أتاها صوت فجر الذي تحدث بصوت خفيض خلف أذنها :
- كده تثيري الشكوك حواليكي .

وضعت يدها على قلبها بفزع وهي تنطق الشهادة ثم حملت أحد الوسائد وركضت خلفه وهي تصيح بغضب :
- بطل أم حركاتك النيلا دي .. انت عارف إني خفيفه وبردو بتصمم تخضني .. خد تعالى هنا .. تعالي بس مش هضربك .

وقف خلف باب غرفته وهو يصيح متسائلا بضحكة :
- أُمال ماسكة المخده ليه يا حبيبتي ؟.. هتنامي عليها مثلا !

كزت أسنانها بغيظ وهي تصيح بغيظ :
- ماشي يا فجر .. ماشي .

بينما استقل عمار دراجته النارية وأخذ طريقه لمنزل بشير حتى وصل واستقبله بشير بترحاب حار ..

ولج للمنزل لتستقبله مريم بابتسامة مرحبة :
- أهلًا وسهلًا يا عمار .. إزيك يا حبيبي عاش من شافك .

عمار بابتسامة ودودة :
- ربنا يخليكي يا تيتا .. إزيك وأزي صحتك ؟

مريم برضا :
- الحمد لله في زحام من النعم .. انت عامل إيه ؟ واخواتك وسبأ ومالك ؟.. وحشتوني كلكم .

عمار بتنهيدة :
- ربنا يحفظك يا تيتا .. كلهم بخير الحمد لله .

ما إن أنهى حديثه حتى لمح تلك التي خرجت من إحدى الغرف وهي تضحك بمرح ..

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة التاسعة عشر بقلم دنيا الشملول


جلس إلى المقعد موليًا ظهره للفتيات حتى خرج الجميع عدا بدور التي ذهبت تجاه مريم وهي تتحدث بحرية دون أن تنتبه لذاك الجالس موليًا إياها ظهره :
- شوفي بقا يا تيتا .. انتي تشوفيلك حل في بنتك اللي ماشية تخطف في القلوب دي .. أنا مش مسئولة لـ ..

ابتلعت باقي حديثها وهي تلمحه يجلس باسترخاء وابتسامة غريبة ترتسم فوق ملامحه ..

تحدثت وجد بترحيب :
- أهلًا وسهلًا يا عمار .. إزيك ؟

عمار وهو يومئ بابتسامة :
- الحمد لله يا عمتي .. بخير .

وجد وهي تزم شفتيها للأمام :
- عمتي !!.. لا الله يسترك أنا صغيرة متكبرنيش .. أنا وجد وبس يا سيدي .

عمار وهو يفرك ذقنه بتفكير :
- أنا مش عارف حقيقي .. دكتورة جامعية مش كده ؟

وجد بتمني :
- يسمع منك ربنا .. أنا لسه معيدة وهحضر أهو ادعيلي .

عمار :
- إن شاء الله دكتوه قد الدنيا .. ربنا يوفقك .

وجد :
- آمين يارب .. اقعدي يا بدور هعمل حاجه نشربها كلنا وآجي .

بدور وعمار في صوت واحد :
- لا لا .. يدوب همشي .

تحمحم عمار وهو يصحح :
- يعني أقصد إننا رايحين مشوار بس أنا وبشير .. فيدوب يعني نلحق .

مريم بابتسامة :
- هتروحوا سوا ؟

بشير بتأكيد :
- آه يا تيتا .. هنخلص قبل العشا بأمر الله ونرجع .

مريم بابتسامة رضا :
- ربنا معاكم ويوفقكم للخير ديمًا .

عمار وبشير :
- آمين يارب .

غادرت بدور بعد السلام وولجت وجد لغرفتها في حين استعد عمار وبشير للمغادرة لتتحدث مريم سريعًا :
- هتتعشى معانا يا عمار .. هستناك .

عمار بنفي :
- لا لا يا تيتا .. أنا عامل لأصاله مفاجأه النهاردة وهعشيها بره .. مره تانيه بقا .

مريم بابتسامة :
- إن شاء الله يا حبيبي .. يلا ربنا يهنيكم ويحميكم لبعض .

عمار :
- آمين يارب ويباركلك .. يلا في حفظ الله .

غادر كلاهما إلى حيث اعتاد بشير كل جمعة من كل أسبوع .. حيث يقوم بشراء بعض الأكلات المعلبة وكذلك الفواكه والحلوى وينظم الأكياس ويذهب إلى كل منزل بعد صلاة المغرب فيضع الحقيبة التي تخصه عند الباب قبل أن يطرق عليه ويغادر ..
وهذا ما أثار سعادة غريبة في نفس عمار .. شيء جديد عليه وغير اعتيادي لكنه جلب سعادة كبيره وراحة أكبر داخله ..

(🌸أثقل شيء في الميزان الخلق الحسن.🌸)

ارتدت فستانها البنفسجي البسيط مع خمارها الأبيض المنقوش وحملت حقيبتها واستعدت للذهاب مع والدها بعدما صاحبتها دعوات والدتها لها تحت أنظار بدر التي تراقب ملابس بدور الغاية في الأناقة رغم احتشامها .. لكنها نفضت رأسها سريعًا دون أن تعطي لعقلها فرصة التفكير في شيء .

ولجت بدور إلى سيارة والدها الذي سيقلها إلى حفل خطبة شقيقة صديقتها في العمل .

سفيان بابتسامة :
- إيه الجمال ده بس .

بدور بضحكة خفيفة :
- دول عيونك الحلوين يا سوفي .. أنا بقا أخاف أمشي جنبك وانت قمر كده أتحسد عليك .

سفيان بضحكة عالية :
- آه لو تسمعك أمك .. هنتعلق على باب العمارة .

ضحكت بدور بمرح ليذهب بها سفيان حيث الحفلة التي كانت كبيرة للغاية وتضم الكثير من الشخصيات المهمة في المدينة .. وقد علمت بدور مسبقًا أن لشدا وعائلتها علاقات كبيرة ومتفرعة .. فلم تتعجب للأمر ..

أتتها شدا التي رحبت بها وبوالدها كثيرًا واصطحبتهما إلى إحدى الطاولات واستأذنتهما لدقائق .
كانت حفلة لطبقة من الطبقات المخملية بأناسها الكثيرة وكثرة طاولاتها وكذلك البزخ الواضح في المكان من أضواء وورود وبوفيه خاص بالطعام وآخر بالمشروبات .. كما أنها تشك أنه لا محجبة غيرها في المكان ..

هذه الطبقة المدعوة بالمخملية رغم كونهم مسلمين إلا أنهم يقترفون ما يرونه طبيعيًا بسبب طبقتهم .. ليس الجميع بالطبع .. بل هناك استثناءات قلة .. لكن النظر لهذا المظهر محزن للغاية ..

انتبهت بدور لقدوم علي وحازم تجاهها فابتسمت بهدوء حينما صافح حازم والد بدور مرحبًا به وكذلك علي ..

حازم بمرح :
- نورتوا حفلتي المتواضعة .. دقايق وبدور خطيبتي هتيجي تسلم عليكي يا بدور يا زميلتي .. ده عشان عدم الاختلاط بين الشخصيات معلش .

ضحك الجميع ليتحدث علي بهدوء موجهًا حديثه لسفيان :
- مش عارف ليه حاسس إن ملامح حضرتك مش غريبة عني .

حازم وهو ينظر تجاه سفيان لثوان ثم تحدث فجأة :
- هو مش حضرتك الدكتور النفسي سفيان الشوادفي ؟!

سفيان بتأكيد مع ابتسامته :
- بالظبط كده .

علي بابتسامة واسعة :
- أنا بردو قلت ملامحك مش غريبة عني .. شفت حضرتك كذا مره في التلفزيون .

سفيان بتأكيد :
- فعلا .. لكني مبطلعش كتير .

علي بابتسامة :
- ربنا يوفق حضرتك ديما بجد .. وفعلا ونعم الأخلاق .. أنا بردو قلت تربية بنت زي الآنسة بدور متجيش غير من شخصية محترمة زي حضرتك .

توترت بدور وشعرت بالخجل فحاولت الهرب بعينيها في المكان ليصل لمسامعها صوت شدا التي تقدم أختها لبدور :
- بدور يا أختي .. دي بدور زميلتي في الشغل .. بدور يا زميلتي دي بدور أختي .

ضحك الجميع عليهم لتتصافح الفتاتان بابتسامة ودودة قبل أن تعود بدور مع حازم حيث مكان جلوسهما .. وغادرت شدا لترى ضيوفها .. بينما استأذن علي ليقف مع زملائه ..

نظر سفيان تجاه بدور وهو يتساءل :
- زمايلك دمهم خفيف .. وعلي محترم جدا ما شاء الله عليه .. هو مش من الطبقات المخملية دي مش كده ؟

بدور وهي ترفع كتفيها بجهل :
- مش عارفه حقيقي .. أنا حتى مكنتش أعرف إن شدا وعيلتها من طبقة مخملية .. علاقتي بيهم في حدود الشغل بس .. لكن الحياة الخاصة مبنتكملش فيها تقريبا .

أومأ سفيان بهدوء والتفت بنظره لتقع عينيه في عيني علي الذي ينظر تجاههما ومن ثم حول نظره سريعًا بعيدًا حينما نظر تجاهه سفيان .

تنهد سفيان بهدوء وهو يدعو أن يحفظ الله ابنته .

(🌸أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد سبحان الله وبحمده.🌸)

توالت الأيام وبشير يتابع مع إيلاف حتى استطاعت الإلمام بقدر كبير بمهمتها ..

كما لا تزال القضية التي يعمل عليها عمار وغادة تسير كما هي مع خوف غادة الذي يتزايد يوم بعد يوم كلما اقتربا من كشف حقيقة المتورطين بهذه الأعمال الغير شرعية وخوفها على عمار يزداد لكونه هو من يقف بوجه المدفع .. لكن الأمور تسير بهدوء تام .. تظنه هدوء ما قبل العاصفة .

كما تتابع وجد في جامعتها ويزداد عدد الطالبات اللاتي يتقربن منها ليستفدن مما تقدمه لهن من معلومات دينية وأخرى اجتماعية ..

بينما تقطعت سُبل وصول بدر لرحاب التي اختفت فجأة بعد ما حدث .. فقررت بدر أن تنتظر أي شيء عنها في القريب .. لكنها لم تصادف هيثم أو هشام بعد آخر مره ..

في حين أن سندس لم تستطع معرفة مواعيد ذهاب ريان لعيادة الأورام كي يأخذ جرعته .. كما لا تعلم إن كان يأتي للجامعة من أجل خوض اختباراته أم لا .. وقد رأت أن جميع الطرق التي تؤدي له مغلقة .. أو هي من ظنت ذلك ..

بينما يتألم قلب ريان كلما مر يوم عليه دون أن يراها أو يصل له خبرٌ بكونها حاولت الاطمئنان عليه ..
وتلاحظ حالته تلك الممرضة التي تتكفل بتجهيزه في كل مرة يتلقى فيها العلاج ..

لذلك قررت أن تتحدث معه عله يفتح قلبه لها ..

تحدثت بصوت هادئ :
- ليه شكلك باهت كده ؟

أجابها دون أن يحيد بناظريه عن النافذة التي ينظر منها إلى العالم الخارجي وكأن لسانه يتوق للحديث :
- قلبي خدني للمكان الغلط، معرفش ليه عمل فيا كده ! أول مره إحساسه يخيب كده ! عمره ما ضلني !

تابعت دون أن تتوقف عن الحركة من حوله :
- اممم .. بردو مجاوبتش على سؤالي .. ليه باهت كده ؟!

أجابها بإصرار :
- قلبي خدني للمكان الغلط .. وده كفاية .. كفاية أوي إنه ينهي شغفي .. يدمر طموحي .. يطفي بهجتي .. يكسر روحي .

أفصحت عما رأته بعينيه دون أن ينطق به :
- انت شايف كده عشان انت عايز تبقى كده .. وده كفاية أوي إنه يديك حافز تغير من نفسك للأحسن .

تنهد بلامبالاه وهو يتفوه بصوت بالكاد يُسمع :
- مبقتش عايز حاجة .. أنا كويس .

توقفت عن الحركة من حوله أخيرًا وألقت بكلماتها إليه كأنها تود تفريغ شحنة ما بداخلها .. تناست حقيقة مَن أمامها أمام رغبتها في الانفجار :
- كويس دي بنقولها عشان نداري بيها كل الوجع اللي جوانا .. بنقولها واحنا متأكدين إننا أبعد ما يكون عنها .. بنقولها بعد ما بنكون وصلنا للذروة من الوجع والألم والخذلان .. بنقولها بعد ما نكون حضرنا كل الكلام اللي جوانا عشان نخرجه وفجأة نلاقي إننا اختذلناه كله في كلمة "كويس" .. يمكن عشان مفيش طاقة إننا نشتكي .. وممكن عشان مفيش طاقة إننا نخرج المكتوم من وقت طويل مره واحده عشان متحسش إنك عريت نفسك تمامًا .. والخوف يتملكك وقتها إنك تكون عريت نفسك قدام الشخص الغلط .. وبنقولها بردو لما يكون الشخص اللي قدامنا فضولي واحنا مش عايزين نتكلم مع أي حد وخلاص .. بس صدقني .. لما تيجي تختار اللي تفضفض معاه إختار الشخص اللي متعرفوش .. معاشرتوش .. شخص مش هتقابله بعد المره اللي هتتكلم فيها دي .. فضفض مع شخص هياخد فضفضتك ويغيب بيها .. اه مش هيحل معاك ومش هيشاركك ... بس هيسمعك .. فكرة انه يسمعك لوحدها دي راحة تانية وأكبر من أي راحة هتشعر بيها .. وان كنت من النوع اللي مبيتكلمش .. إكتب .. إكتب واحرق الورق .. الورق الوحيد اللي مش هيقولك حرقتني ليه .. مش هيعاتبك ويزود من تعبك .. لكن متكتمش وتقول كويس .. إحنا ابعد ما يكون عن كلمة كويس دي .

رفع عينيه المتعبة إليها بشيء من الانبهار وهو يتساءل بحذر :
- انتي .. انتي ازاي كده ؟!!.. انتي قلتي كل اللي مش قادر أقوله أو حتى أجمعه مع نفسي .. قلتيه بكل بساطة .

أرادت أن تُلطف الأجواء قليلًا فتحدثت بمزاح :
- مش كل مره هتلاقي الكلام ده ها .. متتعودش .. ده بيطلع مره واحده بس .

انفلتت ضحكة خفيفة عنه قبل أن يتنهد بقوة وهو يتابع بعدما ابتلع الحزن ضحكته من جديد :
= واضح إنك شايلة في قلبك كتير انتي كمان !

تحدثت بتنهيدة :
- يعني .. في الآخر هي دنيا وبتتعاش .

أفصح لسانه عما يرفض قلبه :
- تقدري تفضفضي لو حابه .

أجابته بابتسامة أشرقت على وجهها فور أن تحدث :
- تيجي نتفق اتفاق ؟

ناظرها باستفهام انقلب لمزاح في الحال :
- إيه ؟ هتفضفضي وتحرقيني زي الورق ولا إيه ؟

ضحكت بخفة قبل أن تُفسر بهدوء :
- لا مش كده متقلقش .. بس أنا هحكي جزء من معاناتي .. وانت كمان كده .. نبدأ خفيف خفيف يعني .. ولو لقينا بعد ما اتكلمنا راحه نكمل .. ها ؟

تردد قليلًا لكن أفصح لسانه من جديد دون إرادة منه :
- موافق .

(🌸الدنيا مسألة حسابية، خذ من اليوم عبرة.. ومن الأمس خبرة.. اطرح منها التعب والشقاء.. واجمع لهن الحب والوفاء.. واترك الباقى لرب السماء.🌸)

وقفت أمام بوابة النادي تنتظر قدوم والدها الذي أخبرها أنه سيذهب بصحبتها لانتقاء ملابس جديدة ..

جذب انتباهها تلك السيارة المصفوفة على بُعد من النادي .. إنها ترى هذه السيارة هنا للمرة الثالثة على التوالي ..
نفضت رأسها وهي تقنع نفسها أنها مجرد صِدفة لا أكثر ..

وصل سفيان الذي ترجل من سيارته كعادته وفتح الباب لابنته كأحد الأميرات لتبتسم له بحب وهي تلِج للسيارة بحماس .. فاليوم الذي يذهب معها والدها لشراء شيء ما يكون يومًا مميزًا لما يحمله من مرح ..

سفيان بتساؤل :
- هتروحي معايا بعد الشوبينج ولا وراكي حاجه تاني في النادي ؟

بدر :
- لا هروح .. الدورات التدريبية بتاعة الصيف ده كده تقريبا على وشك .. هرجع أقعد في البيت تاني أربع شهور .

تنهدت بهم ليبتسم سفيان لها وهو يتحدث بمرح :
- بسيطة أوي نقدر نخرج سوا أكتر .

ضحكت بدر بخفة وهي تخبره بلطافة لا تستخدمها سوى معه هو :
- على أساس إنك بتفضالي يا بو البنات .. ده انت من العيادة للمستشفى للتلفزيون لملك هانم .

سفيان وهو يقرص وجنتها :
- ما هو إنتي لو تسمعي كلامي وتسمحي بقا لـ ..

بدر مقاطعة :
- أبوس إيدك يا سوفي متفتحش موضوع الجواز تاني .. يا سيدي أنا مش عايزة أتجوز .. أنا على قلبك كدهو .

سفيان بابتسامة حاول جعلها طبيعية :
- وأنا عمري ما هجبرك على حاجة يا حبيبة سوفي .. دي حياتك .. بس لو في حاجه في حياتك أو لو مستنية ..

قاطعته مجددًا :
- مفيش حد عشان أستناه يا بابا .. وصدقني والله مفيش أي حاجه خالص خالص .. كل ما في الموضوع إني مش عايزة أرتبط ببيت وراجل وأولاد دلوقتي .. أنا لسه صغيره ولسه موصلتش لطموحي بإني أكون مدربة سباحة معروفة .

سفيان في محاولة أخيرة :
- على فكرة ممكن تختاري إنسان مناسب ياخد بإيدك لهدفك ويكمل ويوصل معاكي .. الحياة الزوجية مش تقييد حرية يا بدر .. ده تقريبا الحرية في الجواز أصلا .. لإنك ببساطة بتقدري تعملي اللي مينفعش تعمليه وإنتي بنت .. يعني مثلا تأخرك بره البيت لبعد المغرب ولا للعشا مثلًا .. هيخلي الناس تتكلم وإزاي تبقى بره بيتها للوقت ده .. لكن لو متجوزة ورجعتي معاه وش الفجر محدش يقدر ينطق .. تقدري تقعدي بكامل حريتك في لبسك جوه بيتك .. وده متقدريش تعمليه في البيت دلوقتي عشان أنا ممكن أكون موجود مثلا .. تقدري تاخدي رأيه في كل كبيره وصغيرة ومش هيبقى عندك سر تخبيه عنه أو تتكسفي تتكلمي معاه ... على عكس دلوقتي .. ممكن أنا أكون صاحبك أوي آه لكن مش لدرجة إن كل حاجه هتحكيهالي وتاخدي رأيي فيها .. هتحسي بالنضج فعلا وإنك مسئولة لما تدخلي في حياه إنتي اللي بتحركيها وإنتي اللي بتديريها .. مش هتبقي في روتين .. وكل ده بيعتمد على اختيارك للشخص اللي يقدر يكون انتي مش مجرد زوج وخلاص .. لكن انتي مبتسمحيش لحد ييجي أصلا ولا بتقعدي مع حد .. طب هتعرفي ازاي الناس من بعض ؟.. ده غير العمر اللي بيجري بيكي وانتي مش حاسه .. البنت حبيبتي مهما كان عرض وطلب وفي وقت معين لازم البنت تبدأ تاخد خطوة ناحية النضج .. تأكدي إني عمري ما هجبرك على حد أو على وضع انتي مش عيزاه .. لكن متنتظريش مني إني أشوفك بتغلطي وأقف أتفرج .. أنا من واجبي عليكي النصيحة .. وانتي من واجبك عليا تفكري في نصيحتي وتردي عليا في أقرب وقت .. اتفقنا يا دودو ؟

تنهيدة قوية خرجت عنها مع كلمتها :
- اتفقنا .

نظرت من زجاج السيارة إلى الطريق وهي تفكر في حديث والدها .. إنه أصدق من أن تجيبه بالرفض .. لكنها لا تريد أن تصبح مقيدة برجل من الوارد جدًا أن يتغير مع مرور الوقت .. هذا إن كان جيدًا من البداية في الأصل .. كما أنها لا تريد أن تفقد حريتها في ممارسة هوايتها من تدريب السباحة في النادي .. بالتأكيد سيخبرها لاحقًا أن منزلها يحتاج لهذا الوقت الذي تهدره بالنادي .. الأمر معقد .. أو هكذا تقنع ذاتها .

وصلا إلى المحلات التجارية وقامت بدر بشراء كل ما يلزمها ومن ثم أخذها سفيان لأحد المطاعم الهادئة كي يتناولا الغداء معًا ..

وبينما هما يأكلان مع تبادل الحديث المرح بينهما فإذا ببدر تلمح صديقتها رحاب بصحبة هشام في طاولة بعيدة عنها بعض الشيء ..
دققت النظر قليلًا فربما هي مخطئة .. لكنها ليست كذلك .. إنها هي ..
راعى انتباهها تحدث رحاب في الهاتف إلى أحدهم .. فرفعت هاتفها وقامت بإجراء اتصال لها .. لكن الهاتف مغلق !!.. كيف يكون مغلقًا في حين أنها تراها تجيب عليه !!.. إلا إذا .....

أجل اكتملت الرؤية الآن .. رحاب تتهرب منها لسبب لا تعلمه هي .. أو تعلمه جيدًا .. فهي لن توافق على عودة رحاب وهشام بعد ما فعله هشام بها .. فاختصرت رحاب الطريق وأزالت بدر من طريقها وعادت لهشام من جديد ..

ولكن لتكتمل الصدمة .. رأت هيثم ينضم لهما وبصحبته فتاة ما .. لوقت لا بأس به وهم يتضاحكون أربعتهم في مرح ..
هل لأجل لمة كهذه أزالتها رحاب من حياتها ؟!.. تبًا للصداقة الرخيصة !

سفيان وهو يلاحظ شرود ابنته في تلك الطاولة :
- في حاجه يا حبيبتي ؟!

بدر بانتباه :
- لا لا .. كله تمام .. نمشي ؟

سفيان بتأكيد :
- أوك أنا خلصت .. لو خلصتي يلا بينا .

أومأت بدر بهدوء وتحركت مع والدها خارج المطعم وهي مشغولة البال بما حدث في الداخل .. لا تمتلك تفسير آخر سوى ما فسرته ..

(🌸أروع القلوب قلب يخشى الله، وأجمل الكلام ذكر الله، وانقى الحب الحب لله فهو الأساس🌸)

جذبت أمنية أحد المقاعد وجلست مقابل ريان وهي تتحدث بمرح :
- أنا يا سيدي بقا إسمي أمنية الشوربجى .. عندي تمنية وعشرين سنه .. اتخرجت من التمريض طبعًا واشتغلت على طول .. وفي يوم تعبت وكشفت واكتشفت إني ..

أخذت شهيقًا طويلًا أخرجته ببطء ثم تابعت :
- إني عندي كانسر .

انتبه لها ريان وقد بدا على وجهه علامات الذهول .. لتبتسم بخفة وهي تتابع بابتسامة :
- متستغربش كده .. آه أنا كنت مريضة كانسر .. اكتشفنا المرض في بدايته وبدأت رحلة العلاج .. وفضلت بمارس شغلي مع علاجي .. التمريض بالنسبالي حياه .. مقدرش أتخلى عن مساعدة الناس .. سواء الدكاتره اللي بيبقوا جوا العمليات متوترين جدًا وبيطالبوا بالأدوات .. أو المرضى اللي بيعانوا ومحتاجين دعم وسند لهم .. كنت دعم وسند في الوقت اللي محتاجه فيه أي إيد تتمدلي وتدعمني وتقويني .. قدمت كل اللي أقدر عليه بدون ما أستنى المقابل .. أنا أصلا بقدم حاجه بحبها بكل الحب .. كنت بقدم حاجه أنا مش لقياها ولا ملكاها .. كسرت مقولة " فاقد الشيء لا يعطيه ".. لإنه وبكل ثقة فاقد الشيء هو أكتر حد بيعطيه لو امتلكه لمجرد إنه عارف معنى وشعور الحرمان منه ..
كنت بتعالج وبشتغل وابتسامة كل مريض في وشي كانت هي قوتي والدافع ليا عشان أكمل وأتحدى وأوصل ..

تنهدت بقوه وهي تنظر لعمق عينيه :
- ووصلت .. وصلت بعد ما كان الكل فقد الأمل .. وصلت بعد ما كنت هموت في عملية ليا وقلبي وقف ورجعوا أنعشوني .. وصلت بعد ما شعري كله كان راح .. وصلت بعد ما فقدت الحق في اختيار حياة وبيت وزوج وأولاد .. مجتمعي سحب مني الحق ده بدون وجه حق .. لكن عادي .. بردو وصلت ..

وصلت بعد ما كانوا وقت ما يشوفوني يترحموا عليا ومنتظرين اللحظة اللي هفارق فيها الحياة .. وأديني أهو .. لسه على وش الدنيا وبتنفس .. لسه بحقق أهدافي وأحلامي ولسه بساعد المرضى والدكاترة .. رجعلي شعري بس على أنعم بقا .. لا وقصير على الموضه وبغيظ صحباتي اللي ماماتهم أو أزواجهم رافضين إنهم يقصوا شعرهم كيرلي .. اتمسكت بالحياه وكملت عشان عايزة أكمل وأثبت لنفسي إني لوحدي هقدر وبنفسي هقدر ولنفسي هكمل .. يمكن تشوف كلامي فلسفة زي ناس كتير ما قالولي .. لكن صدقني يا ريان .. دي الحقيقة اللي مش هيقدر يحس بيها ولا يصدقها ولا يعيشها ويحس بطعم القوه والوصول إلا أنا وانت واللي زينا .. أنا كان عندي والدتي .. قاومت ورجعت عشانها .. عندي شغلي اللي رجعت بردو عشانه .. عندي حياه معشتهاش لسه عشان كده رجعتلها .. عندي اللي سابوني في أزمتي وبعدوا .. رجعت عشان أقولهم أنا بنفسي مش بحد .. رجعت عشان أخرجهم أنا من حياتي مش يكونوا هما اللي سابوني .. رجعت أقولهم مش أنا اللي اتساب .. أنا أسيب لكن متسابش أبدًا .

كانت تبكي مع كل كلمة تنطقها .. كأنها لأول مره تجد حريتها .. لقد أفرغت شحنة لا بأس بها .. كما أنها وهبت شحنة لا بأس بها لمن لا شحنة له ..

تحدثت من بين عبراتها بضحكة :
- هقوم بقا أشوف شغلي وهرجعلك تاني عشان أسمع منك ... وإياااااااك تنصب عليا وتكون بتجرجرني بالكلام وانت مش هتتكلم .. صدقني هعض ودانك .

حرك ريان يده سريعًا وأمسك بأذنه في حركة مزاح مما جعلها تضحك عليه ليبادلها بابتسامة هادئة قبل أن تغادره لينظر في أثرها بشرود تام .. وعقله يحلل ما قالته للتو .. وأخيرًا اتخذ قراره واهتدى لما يجب عليه هداه ...

(🌸ربنا نسيناك فذكرتنا، فلك الحمد ولك الشكر، سألناك فأعطيتنا، فلك الحمد ولك الشكر، نستغفرك فاغفر لنان فدائما يا ربنا لك الحمد ولك الشكر🌸)

حمل بعض الأوراق المهمة عن مكتبه وكان على وشك المغادرة حينما تناهى إلى مسامعه صوت طرقات خفيفة على الباب يعلم صاحبتها جيدًا .. فارتسمت ابتسامة لا إرادية فوق شفتيه وهو يأذن لها بالدخول .

إيلاف بتنهيدة قوية وهي تنظر للملف الذي بيدها بقلة حيلة وتقلب شفتيها كطفلة متذمرة :
- مستر بشير أنا آسفه لو هعطلك بس فيه كام بند في العقود دي مش قادره أفهمهم وحقيقي تعبت .

ازدادت ابتسامته اتساعًا وهو يرى تذمرها هذا لكنه نفض رأسه سريعًا وهو يتحمحم بحرج ويغمغم بالاستغفار ممسدًا صدره بيده لتتساءل إيلاف بقلق :
- حضرتك تعبان ؟.. في حاجه؟

بشير بنفي :
- أنا كويس يا إيلاف .. تعالي اتفضلي .. وبلاش حضرتك عشان بتضايقني .. اللي بينا مش كتير للدرجة .

إيلاف ببساطة :
- بردو .. المهم .. الـ ..

قاطعها بشير وهو يمد يده لها لتسلمه الملف :
- هاتي طيب الملف أشوفه بسرعة عشان متأخرش على معادي .

أعطته إياه بتوتر ومن داخلها قلق لكونها قد تكون عبئًا عليه ..
ناظره بشير سريعًا وقام بشرح البنود التي يحويها وأخبرها بما عليها فعله ثم تحرك سريعًا وهو ينظر لساعة معصمه متحدثًا بهدوء :
- أنا حاليًا معتمد عليكي يا إيلاف .. هسافر يومين والشغل هيبقى تقيل عليكي بس واثق فيكي وعارف إنك قده وزياده .. لو احتجتي حاجة كلميني .

أومأت إيلاف بارتباك وكانت على وشك الخروج لكن أوقفها سؤال بشير :
- إيلاف انتي معاكي رقمي ؟

التفتت له ودارت الغرفة بعينيها ورفعت كتفها للأعلى مع حركة شفتيها التي تقوست للأسفل وهي تنفي برأسها ليبتسم بشير وهو يعقد ذراعه أمام صدره في تساؤل :
- أمال لو احتجتي حاجه هتكلميني إزاي ؟!

تقوس حاجبيها أيضًا مما جعل بشير يكتم ضحكته على تعابيرها اللطيفة قبل أن يفصح بهدوء :
- الرقم اللي على كروت الشركة رقمي ورقم بابا يا إيلاف .. أرقام الشغل .

أومأت بصمت ثم خرجت وهي تلعن غبائها المعتاد أمامه .. بينما أفرج بشير عن ضحكة خفيفة قبل أن يتحرك خارج المكتب وغادر الشركة بعدما مر على والده الذي استودعه الله .

(🌸انك بكل شىء عليم وعلى كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة لنا الا بك سبحانك🌸)

كانت المحكمة تعج بالعامة والصحفيين وكذلك العساكر التي تمنع الاقتراب بحزم وقوة ..

وصل عمار الذي ترجل عن سيارته بثبات تام وقام بغلق أزرار بذلته السوداء قبل أن يطرقع رقبته جهة اليسار ثم تحرك إلى الداخل بعدما ثبَّت نظارته الشمسية فوق عينه ومن خلفه غادة وبقية الفريق المصاحب له ..

أفسح العساكر لهم الطريق والأصوات الخاصة بالصحفيين تجعله لا يميز حرف مما يقولون ..

زفر بضيق من التزاحم بالمكان وهو ينفي بقلة حيلة بسبب الصحافة الغبية ..

ولج للمحكمة بثبات وهناك تقابل مع رؤسائه وتشاوروا لبعض الوقت قبل أن يُعلن عن قدوم القضاه ..

مر وقت لا بأس به قبل النطق بالحكم الملائم لكل مجرم من بينهم .. ولكن نظرة غريبة في المكان كانت من نصيب عمار الذي انتبه لذاك الشخص الذي خرج من الباب وناظره بتدقيق من أسفل نظارته الشمسية ..

انتبهت غادة لاستعداد عمار للذهاب فتحركت لتقتطع عليه الطريق بتساؤل :
- رايح فين ؟.. في إجراءات هنا لسه مخلصتش !

عمار ببرود :
- بتقولي حاجه ؟!

غادة زافرة بغيظ :
- عمار .

عمار بتصحيح :
- سيادة النقيب عمار .

تعجبت غادة من لهجته وازداد تعجبها حينما تخطاها عمار بكل هدوء وخرج من المحكمة بخطوات سريعة كأنه يبحث عن أحدهم .

فهد بتنهيدة :
- عمار مش هيتغير .. بقالنا فترة مش قليلة بنشتغل مع بعض .. غامض ومحدش بيعرف يدخله بسهوله .. ملوش ثغرات تقريبًا .

غادة بنفي :
- مفيش حد ملوش ثغرات يا فهد .

تعجب فهد من نبرتها التي أصبحت أشبه بالتحدي .. ولا يعلم من تتحدى أو علام التحدي !!.. آثر الصمت وتحرك مع غادة وباقي الفريق كي ينتهوا من الإجراءات الخاصة بنقل المتهمين .

(🌸كلما وسعت على النفس باتباع الشهوات وارحت البدن، فقد ضيقت على حظ القلب من نور الله وثقلت الروح وهبطت، وكلما ضيقت على النفس بترك الشهوات وسعت على القلب، حتى ينشرح ويرى نور الله وتسعد الروح وتعلو.🌸)

خرجت من الجريدة ركضًا وهي تستقل سيارتها وبصحبتها إحدى زميلاتها .. كما خرج علي وبصحبته ثلاثة آخرون من زملائه ..

وصلوا جميعًا حيث المحكمة لينفي علي بضيق من الازدحام :
- واضح إننا مش هنقدر نعمل أي حاجه .

وقف خمستهم في أحد الجوانب التي تزدحم بالصحافة لتتنهد بدور بهم وهي تنظر لعلي بتساؤل :
- هو احنا المفروض نعمل إيه ؟.. وأمانه متقوليش إننا هنجري ورا الظباط والجهات عشان ناخد منهم المعلومات زي ما بشوف في التلفزيون .

ناظرها علي بعينين مصدومتين وهو يحك مؤخرة رأسه بقلة حيلة :
- وهو انتي مش صحفية زي اللي بتشوفيهم في التلفزيون !

بدور بتنهيدة :
- آه يبقى هنجري وراهم .. وده شيء أنا لا يمكن أقوم بيه .

زميلتها وتدعى ابتسام :
- وماله .. يبقى منتيش مستعدة تعملي سبق صحفي في الجريدة .

بدور بغيظ :
- يا للحظ .

وقف الجميع لفترة لا بأس بها حتى انتهت المحاكمة ..

فغرت بدور فاهها وهي تنظر تجاه عمار الذي ينظر حوله كأنه يبحث عن أحدهم .. رمشت سريعًا وهي تغمغم :
- عمار !!

علي بانتباه :
- مين عمار ؟

بدور وهي تؤشر تجاهه :
- عمار ابن خالي .. إزاي مجاش في بالي !

علي وهو يتطلع لهيئة عمار :
- هو بيعمل إيه هناك ؟

بدور بتوضيح :
- عمار محامي .. بس معرفش له علاقه بالقضيه دي ولا لا الحقيقة .

علي بدهشة :
- وسيبانا كده يا بدور !.. أكيد يقدر يفيدنا بمعلومات تخص القضية دي بحكم شغله .. حتى لو مش شغال عليها ببساطه ممكن يعرف .

بدور بعدم فهم :
- إزاي !

علي ببساطة :
- تسأليه كام سؤال يخصوا القضية وهو يجاوبك وبكده هتعملي سبق صحفي بدون أي مجهود .

بدور برفض :
- انت عايزني أستغل قرابتنا ؟

علي ببساطة :
- استغلال إيه يا بنتي ؟!.. هو لو في معلومات مينفعش تتقال عمره ما هيقولها أصلا .. هو هيديكي اللي ينفع يتنشر .. واللي عاجلا أو آجلا هيتنشر .. الموضوع كله وقت مش أكتر .

بدور :
- ولما هو كده كده هيتنشر .. أنا أكلمه ليه بقا !

علي :
- عشان ده هيبقى سبق صحفي ليكي يا بدور .. هتكوني أول حد ينشر حاجه تخص القضية .. أو تنشري الأحكام اللي أخدها كل مجرم من دول .. أو حتى أسماءهم .

بدور باقتناع :
- وصلت .

انتبهت بدور لعمار الذي ولج للداخل من جديد لبعض الوقت ثم خرج وبصحبته فتاة وشاب آخر .. مر من بين الصحافة والازدحام واستقل سيارته ..

وما جعلها تكز أسنانها بضيق هو استقلال الفتاة للسيارة معه ..

علي :
- غالبًا هيروح مكتبه .. وأظن دي أفضل فرصة تتكلمي معاه .

أومأت بدور وتحركت تجاه سيارتها وتبعتها ابتسام زميلتها وعلي كذلك ..
استقل ثلاثتهم السيارة بصحبة بدور التي تحركها طاقة الغضب من وجود عمار وفتاة في سيارة واحده .. حتى وان كانت مساعدته ..

لم يكن يدري أي منهم أنهم في طريقهم للقدر المجهول بالنسبة للجميع .. ولم يحسب أيهم حسابًا لخطوة آتية في حياته .. جميعهم يبحثون عن اللحظه الحالية .. وهذا من أعظم الأخطاء التي نقع بها ..

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة العشرون بقلم دنيا الشملول


جلست حيث كان ريان يجلس منتظرًا إياها .. بقيت تراقب الوالج والخارج من الجامعه بعينان متوترتان .. هي لا تدري سببًا واضحًا لهذا التخبط الذي تحياه .. كان كل شيء على ما يرام .. لما حدث ما حدث !!

أتتها هند التي جاورتها في الجلوس وتساءلت بهدوء تام :
- انتي بجد بتحبيه يا سندس ؟

سندس بحيرة :
- وتسمي خوفي عليه دلوقتي إيه ؟.. ولهفتي كل مره أخرج من بوابة الكلية عشان أشوفه إيه ؟.. وانتظاري ليه يوم بعد يوم لما اختفى فجأة إيه ؟.. تسمي الحيرة والتعب اللي أنا عيشاهم دلوقتي عشان لا عارفه أكون جنبه ولا عارفه حتى أعرف عنه حاجه إيه ؟.. قعدتي هنا دلوقتي لييه ؟.. كل ده معناه إيه لو مبحبوش يا هند ؟.. ليه بتحاولي تثبتيلي إني مبحبوش أو إني مقصره معاه ؟.. المفروض أعمل إيه عشان أثبت الحب ده ؟.. أعمل إيه عشان أفهم أهلي إني بحبه وعايزة أفضل جنبه أو أفهمه هو شخصيًا إني عايزه أكون جنبه عشان يعدي من الأزمة دي ويقف على رجله تاني ؟؟.. أنا وحشني كل حاجه كانت بتيجي منه يا هند .. انتظاره ليا .. ابتسامته اللي مبتظهرش لحد غيري أبدًا .. استثناؤه ليا عن العالم كله .. وحشني أشوفه بيمشي وهو خلاص اتطمن إني كويسة وبخير .. واحشني إنه يكون أول واحد يهنيني بعيد ميلادي ويجيبلي في كل مره ورده ويخلي أنس يقولي " ريان ملقاش حاجه تليق بيكي غير اللي يشبهلك .. فاقبليها منه "... وحشني كل حاجه منه يا هند .. كل ده تفسريه بإيه ؟

هند بهدوء تام :
- انتي سألتي وجاوبتي على نفسك يا سندس .

سندس بعدم فهم :
- إزاي يعني ؟!

هند ببساطة :
- واحشك اللي بيقدمه ريان .. مفتقدة اللي كان بيعمله ليكي وعشانك .

سندس :
- بردو ده معناه إيه ؟!

هند بتنهيدة :
- تعرفي إيه عن الانبهار يا سندس ؟.. الإعجاب ؟.. الارتياح ؟.. الحب ؟.. العشق ؟

عقدت سندس حاجبيها بتعجب من حديث هند الذي لا تعلم إلى أي طريق تود أخذها فتحدثت بشيء من الحذر :
- أظن إن الحب هو إنك تقدمي كل اللي تقدري عليه عشان تثبتي حبك ده .. وإنك تكوني عايشة بالحب ده ومن غيره روحك بتنطفي .. وإنك تحبي كل حاجه في الشخص اللي معاكي .. أما الإعجاب ده فبيبقى رؤيتك لحاجه معينه .. تحبي حاجه معينه في الشخص ده مش كل حاجه زي الحب .. العشق بيبقى خلاص وصولك لمرحلة إنكوا بقيتوا واحد في كل حاجه .. امممممم .. الارتياح هو إنك تبقي عندك شخص معين قادره تتكلمي معاه في كل حاجه مهما كانت .. من غير خوف يعني ولا حساب .

أخذت هند شهيقًا قويًا أخرجته دفعة واحده وهي تتحدث إلى سندس بهدوء تام وابتسامه تزين محياها :
- نبدأهم من تحت لفوق ..
الإعجاب يا سندس .. هو إنك فعلا تشوفي جانب معين في الشخصية اللي قدامك ويشدك ليه .. شكله مثلا .. شياكته .. طيبته .. حنيته .. فلوسه .. خبرته في الحياه .. جانب معين بيشدك ليه .. إسمه إعجاب .. مجرد إعجاب ميتبنيش عليه حياه .. لإنك شايفة جانب واحد بس من الشخصية اللي قدامك ..
أما الانبهار ..
فده إنك تشوفي الشخص اللي قدامك بيقوم بحاجه مش من الطبيعي إنها تطلع منه .. أو إنك تشوفي فيه حاجه مش موجوده في الوقت اللي احنا فيه .. أو إنك تشوفي في الشخص ده كذا صفة عكس بعض بس بيقدر يستخدم كل صفه في وقتها .. بيقدر مثلا يحكم عقله .. عنده حلول لكل حاجه .. بيقدر يقوم بحاجات مختلفة .. كتير أوي بيندرج تحت الانبهار يا سندس ..
الحب يا سندس ..
هو إنك قبل ما تفكري تبصي على المميزات .. تشوفي العيوب وتقبليها .. قبل ما تفكري تاخدي .. تسعي عشان تدي .. لو كل الطرق اتقفلت قصاد إنك توصلي للحب ده .. بتصنعي انتي بنفسك طريق عشان توصليله .. الحب إن مكنش القوة وقت الضعف والفرحة وقت الحزن والسند وقت الشدة والدعم وقت الهزيمة ميبقاش حب ..

أما الارتياح بقا فهو حاجه كده شبه نقاء القلوب .. صفاء السريرة .. هدوء الضمير .. الحاجات اللي بتسحبك للشخص بدون مجهود .. اللي بتخلي الشخص ده وشه منور كده من غير أي تلوين ..
ولو اتكلمنا عن العشق ..
فالعشق بيجمع كل ده يا سندس . العشق هو الحب اللي بيخليكي تعملي طريق جديد رغم انسداد كل الطرق .. العشق هو الإعجاب بكل حاجه وكل جانب في الشخصية اللي عشقتيها ومتقبلاها بكل ما فيها .. العشق هو الانبهار بأقل حاجه بيقدمها الشخص اللي بتعشقيه .. العشق ارتياح ليه بيخليكي تحسي بالأمان في وجوده .. تحسي بالانتماء ليه .. تكونوا شخص واحد وروح واحده .. متتحمليش عليه الهوا .. متحسبيش الخطوة الجاية من مين فيكوا .. لو هنتكلم عن المعاني دي .. فهي مش هتنتهي أبدًا ..

أخذت شهيقًا عميقًا أخرجته دفعة واحده وهي تُلهمها ببساطة :
- حددي إحساسك ووضعك من بين كل ده وشوفي انتي حالك ده إسمه إيه ؟.. وياريت يكون في أسرع وقت يا سندس .. عشان الوقت مبقاش في صالحك .. خصوصا إنك بدأتي تعيشي في وهم حاجه ملهاش وجود .

أنهت عبارتها مع تربيتة خفيفة على كتف سندس ومن ثم غادرت بصمت تام تاركه خلفها سندس التي تنظر للفراغ بشرود .. ما حقيقة مكنون قلبها لريان ؟

تحركت لتغادر لكن عينا وسيم التي وقعت داخل عينيها أوقفتها لثوانٍ .. لما هو على هذه الحال ؟!.. يبدو .. يبدو مجهدًا للغاية !.. هل يعاني من الأرق أو ما شابه !

انتبهت لنفسها حينما مر أحدهم من أمامها فقطع تواصل الأعين بينهما .. غادرت سريعًا دون أن تلتفت للخلف من جديد ..
بينما بقى ينظر هو في أثرها بشرود تام .. الكثير من العواصف تحوم حوله .. يبدو أن حياته لن تشهد سوى العواصف في الفترات المقبلة ..

( عايزة كل حد قرأ الجزء ده يقولي استنتج شعور سندس إيه تجاه ريان )

(🌸إذا استوحشت من الناس فاستأنس بالله، إذا أغضبك الخلق لا تنسى الخالق، واعلم أن الله مفرج هم من سكن الرضا قلبه، واعطى لله اثمن وقته تكون مستجاب الدعاء بإذن الله🌸)

خرج وسيم من الجامعة بعدما استقل سيارته متوجهًا إلى حيث يُلاقي الهدوء التام ..
صف سيارته بالقرب من الكورنيش وتحرك تجاه الجسر مُلقيًا بذراعيه عليه ناظرًا للمياه من أسفله وخصلاته الطويلة تتطاير من حول وجهه بفعل الهواء مع قميصه المفتوح أزراره وهمومه التي تتأرجح بين ضفتين لا سُلطة له عليهما ..
لماذا وقع في سندس تحديدًا !.. لقد رأى من الفتيات الكثير وتعامل مع العديد منهن دون أن يلفتن نظره .. الجيدات والسيئات .. الملتزمات والمتحررات .. لم يسبق له أن نظر لإحداهن أكثر من كونها فتاة عابرة لا تهمه .. لماذا سندس !.. لا يبدو عليها الإلتزام .. حجاب بسيط عادي وملابس محتشمه لكنها عادية .. تمرح كغيرها وتضحك كغيرها .. حتى أنه يقسم أنها معجبة به كغيرها .. مال وجمال .. تبًا للمال وللجمال إن كُنّ لا يجلبن السعادة ..

تنهيدة قوية خرجت عنه وهو يفكر في حياته ..

والدته صاحبة أكبر معارض الأزياء .. يا فرحته بشهرة والدته التي لا تعلم ماذا يحب وماذا يكره .. لا تملك الوقت من أجله ..
والده أحد أهم السياسيين في الدولة .. إن لم يكن خارج البلاد فيكون في حفلات تُقام في بيتهم الذي لا يفرغ من أصدقاء الطرفين ..
أخته التي تصغره بعامين .. تحيا حياة والدتها .. لا يراها سوى صدفة .. لا يعلم عنها سوى اسمها الذي يتلخص في حروف ثلاثة .. لين ..
إسم على مسمى كما يقولون .. لينة هشه .. لا تحتمل المرض ولا تحتمل الغضب .. تحيا رفاهية عالية ومع كل ذلك فهي تشبهه كثيرًا في الخراب الداخلي .. يعلم ذلك دون اعتراف منها .. فهو يحيا الأمر ذاته كل يوم ..

أصدقاؤه .. معه لوسامته وماله ومكانته .. يعلم ذلك جيدًا .. ومع هذا يتابع فيما هو فيه .. لكن ليس بيده شيء آخر .. هذه الحياة فُرضت عليه .. ما يريده يجده .. وما يحلم به يتحقق في الحال .. لا مستحيل أمامه ..

لكن ما لم يحسب له حسابًا هو أن يقع في حب فتاة أقل ما يقال عنها أنها عادية .. ومع قدرته على الحصول عليها إلا أنه لا يفكر حتى في الاقتراب منها بالحديث ..
لن ينكر كونه قد انتوى مسبقًا أن يجعلها تنجرف في طريقه .. لكنه الآن يبغض الفكره ويبغض تفكيره الذي أخذه لهذه النقطة...

جُل ما يعرفه الآن أنه يريدها بطريقة صحيحة .. والطريقة الصحيحه ليست إلا .......

تنهد بقوة وهو يغمض عينيه مسترخيًا بذراعيه فوق الجسر .. ومن ثم غادر المكان إلى اللامكان ..

(🌸بشروا ولا تنفروا.🌸)

خرجت بعدما أنهت الإجراءات اللازمة وبصحبتها فهد وأماني التي تزفر في ضجر من كل شيء :
- مش عارفة هنخلص إمته من القرف ده بقا .. بجد قضية مقرفة زي أصحابها .

ضحكت غادة بخفة وهي تنفي برأسها في غيظ :
- ولما انتي خُلقك ضيق مش لاقيه غير شغل المخابرات وترشقي فيه ؟!.. انتي شوفتي حاجه لسه يا موني .

عمار متدخلًا في الحوار من خلفهم :
- أخيرًا قلتي حاجه صح !

غادة وهي ترفع عينيها للأعلى في ضجر :
- يا الله من كده .. أنا بقول إنـ ...

قطعت كلماتها وهي تراه يتمعن النظر في شيء ما أمامه .. تتبعت عينيه لترى ذاك الذي استدار مغادرًا بحركة شبه راكضة .. وفي ظرف ثوانٍ كان عمار يركض هو الآخر ..
تبعته غاده وأماني وكذلك فهد الذي يحاول الوصول لسعيد المختفي منذ بداية المحاكمة ..

وقف عمار لثوانٍ ينظر يمينًا ويسارًا يبحث عنه .. لمحه يستقل سيارته فنزل عمار الدرج سريعًا وتبعه باقي الفريق .. لتستقل غادة إلى جواره والتي كانت أقربهم له في المسافة مما يسر عليها الولوج للسيارة قبل أن يقودها بسرعته الجنونية تلك ..

غادة بقلق :
- مين ده يا عمار ؟!

لم يُجبها مما جعلها تتحدث بغضب وصوت أعلى هذه المره :
- اتخلى عن أم الاستفزاز والصمت اللي انت فيه ده .. على الأقل فهمني خطورة الموقف .. فهمني الموقف نفسه .

عمار بحده :
- اسكتي شوية .. اسكتي .

ضربت التابلوه أمامها بغضب من عجرفته اللامحدودة وهي تكز أسنانها بضيق منتبهه للطريق الذي ولسوء الحظ أصبح شبه معبء بغبار تلك السيارة التي أخذت مكابح قوية أمامهم وخرج منها ثلاثة أشخاص ملثمين وبدأوا في التصويب على سيارة عمار مما جعل عمار يقدم يده لا إراديًا ويُنزل برأس غادة في أرضية السيارة وتراجع بسيارته في عجلة من أمره ليصطدم فجأة بسيارة آتية من خلفه .. وفي لمح البصر كانت تتطاير السيارة الخلفية لعمار حتى استكانت على بُعد مسافة من الطريق في الجانب الرملي .. ضغط عمار المكابح بصدمة من الموقف .. وأخرج سلاحه وكذلك غادة وفهد وأماني اللذان وصلا للتو وبدأ تبادل إطلاق النار بين الطرفين .. لكن الغريب .. أن السيارة تراجعت وغادرت .. كأنهم قد تقصدوا التخويف لا أكثر ..

ركض عمار تجاه السيارة التي افتعل الحادث معها ليجد النار تنشب بها من المقدمة ..
تقدم ولا يعلم سببًا لهذه الانقباضة في قلبه .. قوتان متضادتان تحتلانه في هذه اللحظة وهو يرى وجهها الملطخ بالدماء ويدها التي تخرج عن الزجاج ملطخة بالدماء كذلك ..

غادة وهي تدفعه من أمامها :
- انت واقف كده ليه ؟.. خرج حد فيهم بسرعة .

كأنه لم يسمعها .. أو بالأحرى لقد صُمَّت أُذنيه عن سماع أي شيء حوله وهو يركز عينيه عليها ..

تحرك فجأة كآلة متحركة ودفع غادة وهو يزدرد ريقه بصعوبة مما جعلها تعقد حاجبيها في تعجب من حالته تلك ..
جذبها عمار خارج السيارة التي نبه فهد لكونها قد تنفجر في آية لحظة ..

تحركت غاده لتساعد أماني في إخراج الفتاة الأخرى بينما قام فهد بسحب الرجل الذي بصحبتهما ..

دقائق مرت عليهم ولكنها كانت كساعات عليه وهو يراها بين يديه لا حول لها ولا قوه .. وربما لا حياة أيضًا ..

ركض بها إلى سيارته وبسرعة كبيرة قاد إلى المستشفى .. بينما تحدث فهد بشيء من القلق :
- العربية .. في أي لحظة هتنفجر .. لازم نتحرك بيهم بسرعة .. أماني الإسعاف .. غادة خصوصياتهم بسرعة .. أنا هجيب العربية قريب هنا .. اتحركوا ..

قام كل منهم باللازم ووصلت الإسعاف وتم نقل الاثنين إلى المستشفى وبصحبتهما غادة التي قامت بالإبلاغ عما حدث .. وقامت بمهاتفة اللواء سامي الذي استمع لقولها وأغمض عينيه بقوه في قلق حقيقي على عمار .. هذه ليست سوى البداية ..

(🌸أحبّ عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً🌸)

خرجت مع والدها إلى حيث تركا السيارة لتأخذ شهيقًا قويًا وهي تتحدث بهدوء وثبات :
- اا .. لحظة يا بابا .. اا أنا نسيت موبايلي جوه .

سفيان بهدوء :
- اركبي يا حبيبتي أنا هجيبه و ...

بدر بسرعة :
- لا لا .. دور العربية وأنا هجيبه على طول .

أنهت جملتها مع ذهابها سريعًا من أمامه مما جعله يعقد حاجبيه بضيق من غموضها الذي لا يعلم إلى أين سيأخذها .. ما الصعب في أن تخبره أنها رأت صديقتها في الداخل ؟!.. هل لأنها بصحبة شباب ؟.. أم أن لبدر علاقة بأحد هؤلاء الشباب ؟!.. حينما وصل تفكيره إلى هذه النقطة .. تحرك سريعًا للداخل .. وما توقعه وجده .. بدر تقف بصحبتهم ..

بينما في الجهة الأخرى ..
وصلت بدر إلى طاولة رحاب وهشام وهيثم ووقفت أمامهم بشيء من التساؤل والثبات الظاهري ..
ازدردت رحاب ريقها بحلق جاف وهي تتمتم بحذر :
- بـ بدر !

لم تنطق بدر فوقف هشام سريعًا يحاول توضيح الأمر :
- بدر .. عامله إيه ؟.. اتفضلي .. إحنا .. اا .. بنحتفل عشان ..

بدر بجانب عينها :
- أنا مسألتش عن حاجه ولا منتظرة تفسير من حد ..

ركزت عينيها مع رحاب وهي تتابع :
- غيرك .

هيثم متدخلا :
- بدر .. اقعدي عشا ..

بدر مقاطعة :
- أنا موجهتش كلام ليك ولا لصاحبك .. ولا جيالك لا انت ولا لصاحبك .. أنا جاية لحاجه معروفه كويس أوي .. ولو مشيت من غير ما أعرف إجابتها هتبقى الناهية ..

وجهت حديثها لرحاب من جديد :
- الناهية يا رحاب .

توترت ملامح رحاب وهي توزع نظراتها بين هشام وهيثم ..

تحرك هيثم وسحب مقعد وهو يتحدث بهدوء :
- اقعدي عشان نعرف نتكلم يا بدر .. مينفعش كـ ..

ناظرته بدر بحده مما جعله يصل لذروته من الغضب .. تحركت يده لا إراديًا ممسكًا بذراعها في غضب وهو يتحدث بلهجة غاضبة :
- انتي فاكره نفسك إيه .. عماله ترمي دبش كل ما تشوفي خلقتي ولا هامك حد .. وبتتكلمي من مناخيرك وكأنك مالكه الكون .. ما تتظبطي كده واعرفي حجمك وبلاش شغل الشريفة الخضرة ده .. كلنا عارفين البير وغطاه يعني .

سحبت ذراعها منه بقسوه وتابعت حركتها بصفعة دوت في المكان فازداد فوق صمته صمتًا عدا من صوت بدر الهادر :
- إيدك القذرة دي لو لمستني تاني هقطعهالك .

شهقت رحاب وتراجع هشام الذي يدرك تمام الإدراك أن ما حدث هذا لن يمر مرور الكرام أبدًا ..

رفع كفه للأعلى وكانت على وشك أن تسقط فوق وجنتها لكن يد قوية أمسكت بيده قبل أن يفعلها ومن ثم أنزل ذراعه تزامنًا مع لكمة قوية صُوِّبت في وجه هيثم الذي تراجع بخطواته للخلف في صدمة ..

تحدث سفيان بتحذير :
- قسمًا بالله يوم ما تفكر بس تبصلها هخرملك عينيك .. فما بالك لما تفكر تمد إيدك عليها .. المرادي بسيطة .. المره الجاية معرفش تصرفي هيبقى شكله إيه .. بدر خط أحمر .

ألقى نظرة على رحاب التي تنظر تجاهه بخوف وقلق وكذلك هشام الذي يوزع نظره بينه وبين هيثم المسجي فوق المقعد ممسكًا بعينه التي يشعر أنها خرجت من محجرها ..

سحب يد بدر التي اصطدمت في الفتاة الآتية من خلفهم تجاه الطاولة وخرجا من المكان ..

استقلا السيارة في صمت تام لا يقطعه سوى شهقات بدر الباكية بصمت وأنفاس سفيان العالية ..

توقف سفيان أسفل البناية منتظرًا منها الخروج لتزدرد بدر ريقها وهي تتمتم :
- بابا أنا ...

سفيان بحدة وإيجاز :
- إنزلي .

انتفضت بدر وفتحت السياره وغادرتها سريعًا متجهه للأعلى في حين تحرك سفيان مغادرًا المكان ..

ركضت بدر للأعلى لتصطدم بفجر الذي مد يده كي يمسكها قبل أن تسقط من فوق الدرج لكنه تراجع حينما وجدها تمسك بسور السلم جيدًا ..

تقابلت نظراتهم ليتساءل فجر بقلق :
- بدر !.. في إيه مالك ؟.. انتي معيطة ليه كده ؟.. حد كلمك أو عملك حاجه ؟.. عمتو ملك قالتلي إنك مع باباكي .. فين هو جوز عمتي ؟

ازدردت بدر ريقها وهي تستنشق ما بأنفها وأخذت أناملها تمحو عبراتها بهدوء مع حديثها :
- بابا تقريبًا راح العيادة .. انت مروح ولا إيه ؟

فجر بتأكيد :
- آه .. انتي كويسه ؟

بدر :
- كويسة متقلقش .. ابقى سلملي على خالو مالك ومرات خالي .. واخواتك كمان .

أومأ فجر بهدوء لتبتسم بدر ابتسامة مهزوزة وصعدت للأعلى في حين غادر فجر وهو يدعو بداخله أن ينصلح حال بدر وتكون كتوأمها ..

(🌸أحب الناس إلى الله أنفعهم.🌸)

خرج من البوابة الخلفيه لجامعته كعادته منذ اكتشف مرضه ..
مر على أحد المتاجر الخاصة ببيع الحلوى وقام بشراء كميات كبيرة منها وعاد لمنزله مع نهاية اليوم ..

ولج من الباب وهو ينادي بصياح مبحوح :
- أنس .. أنس انت فين ياض .. ولا يا أنس .

خرجت ديالا على صوته وركضت تجاهه وهي تتحدث بلهفة :
- أنا هنا يا ريان .. إيه يا بابا عايز حاجه ؟؟.. في إيه ؟

ريان بتنهيدة حزينة لما يُسببه لها من قلق :
- أنا كويس يا ست الكل .. كنت جايب حلويات لأنس بس وعايز أديهاله .

أومأت ديالا بتفهم وهي تنظر للحقيبة الأخرى بيده ليرفعها أمامها متحدثًا بابتسامة هادئة مشرقة :
- دي حلويات بس هاخدها معايا المستشفى وأنا رايح آخد الجرعة .. للأطفال والمرضى اللي هناك .

ناظرته ديالا بعينين دامعتين لكنها سرعان ما جذبت الحقيبة عنه وتحدثت وهي تهم بالمغادرة :
- هحطهم في التلاجة .. يلا غير هدومك عما الغدا يجهز .. بابا على وصول .

أومأ ريان بتنهيدة وهو يحاول الثبات .. لقد اتخذ قراره وهذا سيحتاج لجهد كبير كي يعتاد هو ويعتادون هم على ما هو قادم .. يتمنى ذلك .

تخطى صالة الاستقبال والجًا إلى غرفته كي يبدل ثيابه ويستعد لوقت حافل بالمذاكرة .. فاختباره التالي بعد يومين .. والوقت ليس في صالحه .

(🌸لا تُكثر الضّحك فإنّ كثرة الضحك تُميت القلب🌸)

يقف أمام العناية مغمض العينين مستندًا برأسه على الحائط بأعصاب تالفة وقلب مضطرب .. لماذا هي !!.. هل انتهى البشر وخلت الطرقات من البشر جميعًا كي تلاقي هي هذا القدر معه ؟..
أفاقه من تيهه صوت غادة التي تحدثت ببعض التردد :
- عمار .. هو .. انت تعرفها ؟

عمار دون أن ينظر لها :
- بنت عمتي .

ضغطت عينيها معًا وهي لا تعلم كيف تواسيه على هذا .. لكنها شهقت فجأه وهي تؤشر على ذراعه متحدثة بلهفة :
- عمار دراعك ... دراعك بيجيب دم .

نظر عمار لذراعه بشيء من التيه .. كيف لم يشعر بألمه ؟!.. ثم من أين هذه الدماء ؟!.. هو لم يُصب من الأصل !
عقد بين حاجبيه ودقق في ذراعه ليكتشف كون جرحه كتفه قد نزف من جديد .. هنا فقط وشعر بالألم يغزو كتفه حقًا فتأوه بضعف وهو يمسك بكتفه في ألم يتزايد ..

طلبت غادة طبيبًا ودخل معه عمار للغرفة فقام بوقف نزيف كتفه وأخبره أنه لا بد له من أن يهتم به قليلًا .. فهو في منطقة حساسة .

خرح عمار بعدما ضمد الطبيب جرحه ونظر لغادة الجالسة على المقعد بتساؤل لتخبره بتعب :
- لسه محدش خرج من عندهم .

جلس عمار لأحد المقاعد تائهًا .. هل يُهاتف زوج عمته ويخبره بما حدث !.. أم ينتظر ليرى ما سيحدث ؟!

بقي في تخبطه هذا حتى أعلن هاتفه عن اتصال ليجيب على الفور ما إن رأى اسم المتصل كأنه غريق وجد قارب النجاه :
- صولا .

أصالة بقلق :
- عمار !!.. مال صوتك ؟.. في إيه ؟.. وانت فين ؟

ابتسم بِهَم لهذه الصغيرة التي لا تكف عن طرح العديد من الأسئلة بالتتابع وفي نهايتهم تتساءل عن مكانه .. لا تتخلى عن دور الأم والأخت والصديقة في الآن ذاته ما إن يتعلق الأمر به ..

أخرجه من دوامه شروده صوتها القلق من جديد :
- عمار انت فين ؟

عمار بتنهيدة قوية :
- أصاله أنا .. بدور كانت .. اا .

أصالة بعدم فهم :
- طب اهدى بس قولي انت فين طيب .. أنا هجيلك .

عمار :
- في المستشفى .. بدور معايا .

أصالة وهي ترتدي ثيابها :
-بدور !!.. ليه ؟.. انت فيك حاجه ؟.. أو هي فيها حاجه ؟.. انتوا كويسين ؟

عمار بتعب :
- تعالي يا صولا .

أصالة بتأكيد :
- جاية يا حبيبي أهو .. أذكر الله عما أوصلك .

أغلق معها وقام بفتح تطبيق " زاد المسلم" .. وضعته أصاله له وطلبت منه أن يقبل على قراءة ما يحويه بين وقت وآخر .. كما أخبرته أنه يحوي مجموعة من الأدعية المتنوعة التي يجب أن يُلم بها كل مسلم .. لن ينسى أنه أخبرته يومها أن بدور هي من جعلتها تحب هذا التطبيق .. ولن ينسى رؤيته لها تقرأ منه أذكار الصباح وكذلك أذكار المساء ..

لكنه خجول من نفسه .. هل سيعود لربه حينما يشتد عليه البلاء فقط ؟!.. حقًا يخجل .. لكنه سيطمع في كرم ربه في أن يقبل دعواه .. لقد أخبرته أصالة ذات يوم أن المولى عز وجل أحن من أن يرد عبده خائبًا .. سيطمع في ربه وفي رحمته ..

قام بفتح التطبيق وبحث عن دعاء الكرب وبدأ بقراءته .. ومن دون دراية وجد صوته يعلُ تدريجيًا مرددًا " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات، ورب الأرض ورب العرش الكريم، اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، الله ربي لا أشرك به شيئًا "

بقي يردد الدعاء مرة وراء الأخرى تحت نظرات ومسمع غادة التي تنظر له بنظرة مختلفة هذه المره ..

عمار غامض لحد كبير .. لكنه يحمل من المصاعب ما يجعله يظهر بلامبالاته هاته .. لكنه مهتم من داخله .. ليس بالبرود الذي يُظهره .. هذا قناع يحيى به لسبب لا يعلمه سواه وربه ..

قطع سيل أفكارها وشرودها صوت أصاله التي صدح صوتها من بعيد :
- عمار .

تحرك عمار من مكانه وما إن وصلت إليه حتى انتشلته إلى أحضانها .. ألقت بكل شيء وأي شيء .. فقط ليكون بخير أولا ..
استسلم لأحضانها وهو يتنهد بقوة .. تحدث وهو لا يزال على وضعه :
- بدور في العمليات .

شهقت وهي تبتعد خطوتين للخلف مغمغمة بالاستغفار والحوقله ومن ثم تساءلت بهدوء :
- ليه ؟.. إيه حصل ؟.. وفين جوز عمتي وعمتي ؟.. وانت عرفت إزاي ؟

أخذ شهيقًا عميقًا أخرجه ببطء مع كلماته :
- طلعوا عليا مجرمين ع الطريق .. لما حاولت أفلت منهم خبطت عربية بدور .. اتقلبت باللي فيها .. هي واتنين تانيين معاها .

أصالة بعينين متسعتين وهي تمسد ذراعه بقلق :
- انت متصاب ؟.. ليه معلق دراعك ؟.. إيه حصلك ؟

عمار بغيظ :
- يا أصاله بقولك بدور في العمليات مقلوبه بالعربية ... أنا قدامك سليم أهو .. أعمل إيه دلوقتي ؟.. أنا مقلتش لحد .

أصالة بقلق :
- طب نتطمن الأول وبعدين نبلغهم .. يارب جيب العواقب سليمة يارب .

ما إن أنهت عبارتها حتى خرج الطبيب الذي يجفف عرقه وعلامات وجهه لا تُبشر بالخير أبدًا ..

لم يتحرك عمار قيد أُنملة .. في حين ركضت أصالة تجاهه وهي تتساءل بقلب مضطرب وصوت متوتر :
- طمني يا دكتور .. بدور عامله إيه ؟

الطبيب بأسف :
- عملنا كل اللي نقدر عليه يا بنتي .. لكن البقاء لله وحده .

شهقت غادة بينما لم يستوعب عقل أصالة ما قاله الطبيب بعد .. فنفت برأسها عدة مرات وهي تُعيد سؤالها من جديد :
- بدور عامله إيه ؟.. هي كويسة ؟

الطبيب بأسف :
- أنا آسف يا بنتي ..

ثم وجه حديثه لعمار :
- عمار بيه .. ناوي على إيه بالظبط ... أنا المفروض هعمل تقرير للحالة اللي معايا .. واللوا سامي كلمني قبل وصولك وقالي متصرفش غير على كلامك .. وطلعت استلمت الحالة من دكتور شريف على طول .

لم يجبه عمار .. فقط ينظر لنقطة ما بالفراغ .. بينما ألقت أصالة بنفسها على أقرب مقعد حينما خانتها قدماها .. لا يستطيع عقلها استيعاب ما يعنيه الطبيب .. ولا تريد أن تصدق ما سمعته ..

تحركت غادة تجاه الطبيب وأشرت له كي يتحرك معها .. أخبرته كون الفتاة تقربهما وهذا ما جعل الطبيب يأسف لما حدث فتحدث بقلة حيلة :
- عملنا كل اللي نقدر عليه يا بنتي لكن قضاء الله نافذ .. الخبطة أثرت على المخ جامد .. عملنا جهدنا لكن ..

نفى بأسف لتومئ له بتفهم وهي تستنشق الهواء بقوة محاولة الثبات وهي تتابع :
- اللي كانوا معاها .. ظروفهم إيه ؟!

الطبيب بهدوء :
- الشاب بفضل الله كويس .. كتفه اتحرك من مكانه وعنده كسر في دراعه الشمال .. والباقي كله رضوض من الخبطة .. هيفوق بعد فترة قليلة .. والبنت التانية مع دكتور شريف ولسه في العمليات .

غادة بثبات :
- اعمل اللازم يا دكتور .. وأنا هحاول أفوق عمار .

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الحادية والعشرون بقلم دنيا الشملول


غادر الطبيب وعادت غادة حيث عمار الشارد في البعيد وأصالة التي لا تتوقف عن البكاء بنشيج تتقطع له القلوب .

ذهبت تجاه أصاله وجلست إلى جوارها وهي تتحدث بهدوء :
- مينفعش كده يا أصالة .. لازم تقفي على رجلك .. متنسيش إن أهلها لسه ميعرفوش حاجه .. ده قدرها ومحدش بيهرب من قدره .. إدعيلها بالرحمة وحاولي تتماسكي كده .

أصالة من بين بكائها :
- مش قادرة أصدق .. لا لا مستحيل أصلًا ده يحصل .. بدور !!.. دي كانت معايا من فترة قريبة بنهزر ونضحك سوا .. لا مش قادرة أصدق .

فُتح باب الغرفة وخرج منه الطبيب الذي تنهد بقوة وهو يتحدث إلى عمار :
- الحمد لله .. قدرنا نسيطر ع النزيف الداخلي ليها .. عندها شوية رضوض من الخبطة وكمان عندها ضلعين مكسورين .. ورجلها الشمال فيه كسر في الكاحل .. هتخرج من العمليات لغرفة عادية وشوية وقت وهتفوق بأمر الله .

تحركت أصالة تجاهه وهي تتحدث بعدم فهم وتيه :
- بتتكلم عن مين ؟؟.. مين اللي مكسورلها ضلعين وكاحل ؟؟ ومين اللي سيطرتوا ع النزيف الداخلي ليها ؟.. مين اللي هتفوق بعد شوية ؟

الطبيب بهدوء وعملية :
- البنت اللي جابها عمار باشا .

رفع عمار نظره له وأخذ يناظره بتدقيق متحدثًا ببحة ظهرت جلية في صوته :
- بدور ؟!

الطبيب بجهل :
- مش عارف إسمها .. حضرتك جبتها وأنا دخلت بيها العمليات على طول .

غادة بعصبية :
- أومال الدكتور اللي خرج قبلك ده قال ليه إنها ماتت ؟.. انتوا بتتكلموا كلام في الهوا ؟.. إيه الاستهتار ده ؟!!

شريف بتأكيد :
- زميلتها أو مش عارف تقربلها إيه .. بس البنت اللي جت بعد كده هي والشاب فعلًا اتوفت للاسف ومقدرناش نسيطر على النزيف اللي حصل في الدماغ عندها .

أصالة بسرعة :
- عايزة أشوفها .. اسمحلي أشوفها .

الطبيب بنفي :
- دقايق وهتخرج .. لكن دخولك العمليات صعب .

تحركت أصالة تجاه عمار وألقت بنفسها بين أحضانه في سعادة وهي تتحدث بلهفة :
- الحمد لله يا عمار .. بدور عايشة .. عايشة يا عمار الحمد لله .

ربت على كتفها دون أن يتحدث ليتحرك شريف بعدما أخبرهم أنه سيقوم بإجراء التقارير اللازمة لثلاثتهم مع الطبيب حسن .

أخذ عمار شهيقًا عميقًا أخرجه دفعة واحدة وهو يغمض عينيه بقوة ليتزامن فتحه لعينيه مع خروج عربة الترولي من غرفة العمليات حاملة فوقها الشاب ومن خلفه بدور التي ما إن وقعت عينا عمار عليها حتى تألم قلبه وشعر أنه يود أن يمسك بيديها ليشعر بوجودها حقًا .. لقد كاد يفقدها للأبد .

(🌸 اتْبع السيئة الحسنة تمحها🌸)

رفع هاتفه كي يطمئن على ابنته .. ليس من عادتها ألا تهاتفه كل هذا الوقت !..
قام بالاتصال مره واثنتين ولكن الإجابة واحدة " الهاتف الذي طلبته غير متاح الآن "..

زفر بقلق وهو يدعو الله أن تكون بخير .. هي لا تُغلق هاتفها فجأة .. كما أنها لا تنتظر حتى يمر نصف اليوم دون أن تحادثه ..

رن هاتفه فنظر له بلهفة علها هي .. لكن خاب أمله حينما وجده عمار !!

أجاب بقلق تفاقم حينما صمت عمار وأصوات أنفاسه هي كل ما يسمعه سفيان الذي تحدث بنفاذ صبر :
- عمار في إيه ؟!!

عمار بهدوء تام :
- عمي .. بدور اا ..

سفيان وهو يحمل مفاتيحه ويتحرك من مكانه :
- بنتي فين ؟.. حصل إيه ؟

عمار بتنهيدة قوية :
- عمي بدور عملت حادثه ع الطريق ودلوقتي إحنا في المستشفى .

سفيان بسرعة :
- العنوان .. ابعتلي العنوان بسرعة .

أغلق الهاتف وانطلق بسيارته حيث عنوان المستشفى الذي أرسله له عمار .

كان يتسابق مع الريح والطريق في آن واحد .. وصل أخيرًا وركض حيث غرفتها التي أخبرته بها فتاة الاستقبال ..

نظر لعمار الواقف مع أحدهم يتحدث بشيء من العصبية هادرًا :
- ده كان مجرد تهويش .. مكنش عايز حتى يصيبني .. وأنا وحياة أمه ما هسيبه .

اللوا بتحذير :
- عمار .. بلاش تهور .. انت مستوعب إن البنت ماتت في الحادثة ؟.. مستوعب إنهم قصدوا العربية أصلًا وضربوا على العجل اللي فرقع في اللحظة اللي خبطت عربيتك في عربيتها فاتقلبت ع الطريق ؟.. مستوعب إنت اللي حصل ولا عايز حد يفوقك !!

عمار بغضب :
- عايزني أعمل إيه ؟.. مش هتخلى عن القضية .. مش عمار السيوفي اللي ينسحب يا سامي بيه عشان شوية بلطجية وتجار مخدرات بيهددوا حياته ويقطعوا طريقه .. أنا هقلبها ضلمة عليهم كلهم .. مش هرحمهم .. ودمها مش هيروح هدر كده .

انتبه لصوت سفيان من خلفه :
- بدور .. بنتي !!

أغمض عمار عينيه بقوة وهو يلتفت لسفيان بهدوء متحدثًا بحذر :
- عمي ..

سفيان وهو ينظر لعينا عمار يرجوه أن يكذب ما سمعه .. فاستجاب عمار لرجائه على الفور وأشر له بهدوء :
- بدور كويسة .. في الغرفة دي .. وأصاله معاها .

استطاع أن يلتقط أنفاسه أخيرًا وأخذ يحمد الله ورفع يده يمسد خصلاته من الخلف محاولًا تهدئة اضطرابه ..

عمار بهدوء :
- كانت حادثة مش مقصودة .. بدور عندها ضلعين مكسورين وكوعها الشمال كمان .. وشوية رضوض من الخبطة .. بس الدكتور طمني إنها بخير وهتبقى كويسة .. وزمانها فاقت دلوقتي .

أومأ سفيان وهو يتحرك تجاه غرفة ابنته .. أخذ شهيقًا قويًا زفره بهدوء وهو يعد من واحد إلى عشرة كي يهدئ من انفعاله .. ومن ثم طرق الباب بخفة وولج بعدما وصله إذن أصاله بالدخول .

(🌸غاية أمنية الموتى استدراك حياة ساعة، وأهل الدنيا يقضون أعمارهم غفلة وضياعاً.🌸)

أنهت عملها لهذا اليوم وقررت الذهاب لرؤية وجد .. لا تعلم لماذا أصبحت وجد كجزء لا يتجزأ من يومها .. تحبها لدرجة كبيرة وترتاح بالقرب منها كثيرًا ..

وصلت حيث منزلها وترجلت من سيارة الأجرة ودخلت بعدما سمحت لها مريم بذلك ..

مريم بابتسامة :
- عامله إيه يا حبيبتي ؟.. وماما عامله إيه ؟

إيلاف بهدوء وابتسامة ودودة :
- الحمد لله يا ست الكل بخير .. صحتك عامله إيه؟

مريم بابتسامة هادئة :
- أهو نشكر ربنا على كل حال .. ثواني هنادي وجد من فوق .

تابعت وهي توشر على غرفة وجد :
- أدخلي يا حبيبتي لوجد في أوضتها .

أومأت إيلاف واستأذنت بالدخول .. طرقت عدة طرقات دون رد لتخبرها مريم أنها تُصلي ..

ولجت إيلاف لتجد وجد تصلي بالفعل ..

جلست إلى الفراش حتى انتهت وجد ..
تحركت وجد وأخذت ترحب بإيلاف في سعادة ..

إيلاف بحرج :
- خلصت شغل بدري قولت آجي أشوفك .. عشان متقوليش مبسألش ها .

وجد بضحكة :
- نورتيني يا ست البنات .

خرجا لصالة الجلوس وقُضي بعض الوقت في الحديث حتى قطعهما صوت أريج التي تتحدث بغيظ :
- يا وجد مش تنبهيني إنك سايبة الرز على البوتاجاز من غير ما توطي عليه !

وجد بأسف :
- أوبس .. آسفة أوي يا أم بشير .. نسيت خالص .

أريج بشكوى لمريم :
- بالله عليكي يا عمتي دي حاجه تتنسي بردو ؟

وجد بتبرير :
- جل من لا يسهو .. وما سمي الإنسان إلا للنسيان يا أم بشير بقا .

أريج بغيظ :
- أهو لسانك الحاضر في كل موقف ده بيخليني لا آخد حق ولا باطل منك .

ضحكن جميعًا قبل أن تغادر أريج بصحبة مريم إلى الحديقة .. في حين تساءلت إيلاف بهدوء :
- وجد .. هو يعني إيه ما سمي الإنسان إلا للنسيان ؟.. سبق وقولتيهالي بردو بس نسيت أسألك عن معناها .

وجد بابتسامة :
- الموضوع ببساطة يا ستي .. هو نوع من الاشتقاق .. يعني دلوقتي كلمة إنسان دي ممكن نشتق منها إِنْس وأُنْس .. ودول معناهم المؤانسة .. يعني شخصين بيوالفوا بعض أو أقولهالك إزاي !!!.. اممم .. أنا وانتي أهو .. أنا متونسه بيكي .. ااايوه .. متونسه .. هي دي .. يقولك والله انتي مونساني .. يعني أنا مستأنسه بقعدتك يعني ..

ضحكت إيلاف وهي تومئ بفهم :
- فهمت فهمت .

ضحكت وجد وهي تتابع :
- وعندك كمان يا ستي كلمة إنسان بنشتق منها كلمة آنَسته أو آنِسته .. ودي بمعنى النظر .. يعني لما أشوفك مثلا أقولك آنست إيلاف .. يعني شوفتها .. حتى ذُكر في القرآن الكريم وهو بيتكلم عن قصة موسى عليه السلام يقولك إيه " آنس من جانب الطور نارًا " .. يعني شاف أو أبصر ..

جه بقا بعد كده واحد ابن حلال مصفي اسمه ابن منظور .. قال إن واحد تاني ابن حلال إسمه ابن عباس قال " إنما سُمي الإنسان إنسانًا لأنه عُهِد إليه فنسى " .. وطبعًا الدليل القرآني بيقول إيه " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم يجد له عزماً ".

ومن هنا أقدر أقولك إن الكوفيين هما اللي اشتقوا النسيان من الإنسان .

إيلاف بإعجاب :
- عايزة أسألك يا وجد .. وحاولي تفهميني صح الله يكرمك ها .. يعني عايزة أعرف بتعرفي المعلومات دي إزاي ؟.. أزاي بيبقى عندك إجابة لكل سؤال .. وحل لكل عقدة .. مش قصدي أحسدك يعني اللهم بارك بس عايزة أعرف إمته أو إزاي قدرتي تلمي بكل المعلومات اللي ملكاها .. فهماني ؟

وجد بضحكة :
- مش ناقص غير تتأسفي على سؤالك يا إيلي .. شوفي يا حبيبتي الإجابة ببساطة خالص هو تحدي .. تقدري تقولي كده إني من صغري وأنا فضولية في العلم والدين شوية .. طبعا ده عشان كنت بشوف بابا وماما من صغري .. مره يقرأوا قرآن سوا .. مره يختاروا كتاب ديني ويقسموه بينهم كل واحد يقرأ جزء ويشرحه للتاني .. وفي نهاية كل كتاب يكونوا جمعوا أسئلة ويبدأوا بعد فترة يسألوا بعض الأسئلة دي عشان يعملوا ريفرش لمعلوماتهم .. فغرزوا فيا حب الاستطلاع والبحث العلمي .. ومن هنا بدأت رحلتي في التحدي مع نفسي .. كنت بقعد معاهم في الوقت اللي بيشرحوا لبعض فيه أو يسألوا بعض فيه وأسجل اللي بيقولوه .. وخدت إقرار على نفسي إني لازم كل يوم من عمري أكسب فيه معلومه جديدة .. ميعديش عليا يوم من غير ما أكون عارفه معلومه جديده .. شوفي بقا عندي كام سنه .. والسنه فيها كام يوم .. وفي العمر ده كل يوم معلومه .. فشوفي بقا أنا عندي معلومات قد إيه .. غير معلوماتي الدراسية .. ده شيء لوحده بقا .. والمعلومات دي مش شرط في مجال معين .. يعني ممكن تكون في الدين وممكن في الميكانيكا ميضرش .. ممكن علم النفس وممكن في الطب .. أوقات بستغل وجود خالو سفيان عندنا أو وجودنا عندهم واسأله عن حاجات تخص الطب النفسي وهو مبيبخلش أبدًا عليا .. أسأل عن حاجات مالية تخص الشركه وأعرف إجاباتها من أبيه وليد أو بشير أو من خالو إسلام .. المحاماه بعرف عنها من عمار ابن ابن عمي .. أي نعم بيطلع روحي عما باخد منه إجابة ترضي الله بس باخدها في الآخر .. الصحافة كمان أعرف عنها من بدور بنت بنت عمي .. اتعلمت السباحه على إيد بدر أخت بدور .. كده يعني .. بستغل كل اللي حواليا باختصار شديد .

إيلاف بابتسامة :
- ربنا يزيدك والله يا دودو .

بقيتا تتحدثان لبعض الوقت حتى استأذنت إيلاف مغادرة .. فعادت وجد لغرفتها كي تذهب في سباتها العميق استعدادًا ليوم حافل بالمراقبة على الاختبارات غدًا .. وبه إحدى المفاجآت التي ستغير حياتها عما قريب ..

(🌸إلى متى الغفلة ؟ فرب إشراق لم يدرك زمن غروبه.🌸)

كانت في غرفتها ومن حولها والدتها ووالدها وكذلك رضوى وروضه اللتان تشاكسانها ويكتبان فوق الجبس الذي يلتف حول ساقها ..

بدور بغيظ :
- ما تبس بقا يا بنتي انتي وهي .

روضه :
- الله .. مش بنعمل حاجه للذكرى يا بدور !.. دي أول مره تتكسري .

رضوى :
- آه حقيقي وأول مره ترقدي كده .. ألا تكوني صدقتي بقا إنك لازمك راحة وبتاع عشان تهربي من شغل البيت زينا !

ملك وهي تضربهما على مؤخرة رأسيهما :
- كويس انكوا عارفين بتعملوا إيه كويس .. ويلا بقا على البيت انتوا التلاته .

نظرت لبدر التي لا تتحدث ولم تقترب من بدور حتى منذ أتت .. وتجلس في نهاية الغرفة منعزله .. وكذلك حينما عادت للمنزل بعد خروجها مع والدها وانعزلت في الغرفة ورفضت التحدث مع أحد حتى علمت بما حدث لبدور فأتت معهم ..

ملك بهدوء :
- بدر .. هتاخدي اخواتك وتروحوا .. هتجهزوا عشا عشان بابا .. وتخلوا بالكوا من البيت .. وان شاء الله الصبح اخواتك يمشوا على امتحاناتهم وانتي تجيبي غيار ليا ولبدور وتيجي ... بس متنسيش تفطري بابا .

سفيان بهدوء :
- مش هينفع يا ملك أنا هفضل معاكم .

ملك بإقناع :
- مش هينفع أبدًا وجودنا كلنا كده يا سفيان .. حبيبي بدور بخير الحمد لله واتطمنا عليها .. أنا هفضل معاها الليلة وانت روح ارتاح حبيبي وأنا هنام هنا مع بدور وتعالالنا انت وبدر الصبح بأمر الله .. كمان هنا في المستشفى هيرفضوا وجود أكتر من شخص معاها .. لولا عمار مكناش قدرنا نتجمع كلنا كده .

سفيان بتنهيدة :
- طيب يا ملك .. ومنتيش محتاجه أقولك أي حاجه تحصل كلميني مهما كان الوقت ومهما كانت الحاجه دي .

ملك بتأكيد :
- ده أكيد يا حبيبي متقلقش .

بدور بتعب :
-بدر !

نظرت لها بدر التي كانت على وشك الذهاب .. فتقابلت عينيهما لوقت لا بأس به فخرجت ملك من الغرفة كي تترك لهما مساحة ..

لم تتحرك بدر فمدت بدور يدها مما جعل بدر تنظر ليدها ثوان قبل أن تأخذ شهيقًا طويلًا زفرته دفعة واحده وهي تقترب من فراش بدور التي ابتسمت لها بهدوء متحدثة بمزاح :
- متحاوليش أبدًا تقنعيني إن التكشيرة دي عشان رقدتي .

نظرت لها بدر بعينين دامعتين مما جعل بدور تحاول الجلوس لكنها تألمت وخرجت آهة من بين شفتيها جعلت بدر تنهيها عن الجلوس متحدثة ببحة أثر محاولتها كتمان عبراتها :
- متتحركيش .. خليكي مرتاحة .

بدور بتساؤل :
- مالك ؟.. فيكي إيه ؟.. ليه قاعده لوحدك من وقت ما جيتي ؟.. وليه عيونك مليانه دموع كده ؟.. في إيه ؟

بدر وهي تزدرد ريقها بغصة :
- بكره .. بكره لما آجي عشان أبوكي واخواتك مستنييني .. ارتاحي دلوقتي عشان تقومي تقرفيني ع السرير تاني لأني مش هعرف أنام من غير تلطيشك وانتي نايمة .

بدور بحاجب مرفوع :
- أنا بردو اللي إيدي طرشه ولا انتي !

بدر بحاجب مرفوع :
- لا أنا بنام مبتحركش أبدًا .

بدور بمزاح :
- على يدي .

ضحكت بدر رغمًا عنها لتبتسم بدور لها بحب فتنهدت بدر قبل أن تربت على يد أختها وتغادر بصمت تاركة بدور التي تدعو لها من قلبها أن يهديها الله لما هو صواب ..

بينما غادرت بدر مع والدها وأختيها وقامت بصنع العشاء لكن سفيان رفض تناول الطعام وذهب لغرفته طالبًا النوم ..
وكذلك بدر التي تعلم أن ابتعاد والدها عنها بهذه الطريقة ما هو إلا عقاب لها .. وما أسوأه من عقاب ..

ذهبت في سبات عميق لم يوقظها منه سوى هاتفها الذي أعلن عن اتصال من رقم غير مسجل ..

أجابت بنعاس لكن لم يأتها أي رد فعقدت حاجبيها بتعجب وأغلقت الهاتف .. ثم تحركت وصنعت الفطور .. وكالأمس رفض سفيان تناول الطعام .. وتحرك إلى الخارج وهو يتحدث إلى رضوى :
- رضوى لو سمحتي بلغي بدر تجهز وتجهز الحاجه اللي هتاخدها لماما وبدور .. وأنا هوصل العيادة أعمل كام حاجه وهرجع أعدي عليها عشان نروح المستشفى .

أومأت رضوى بهدوء .. لتسقط عبرة خائنة من عيني بدر التي كانت تقف في الممر الفاصل بين الغرف وصالة الاستقبال وهي تستمع لما قاله والدها .. إلى متى سيرفض التحدث معها ؟!

(🌸الكلمة الطيبة تأسر القلوب، وتمحو الضغينة وهي لك صدقة عند الكريم الرحمن🌸)

خرجت من غرفتها واستعدت كي تذهب للجامعة لكنها سمعت من والدها أنه سيذهب بصحبة مراد اليوم لرؤية ريان في المستشفى .. وقد علمت أنه سيقضي اليوم هناك دون أن يعود للمنزل وقد أخبر والدتها بأن تكون إلى جانب ديالا والدة ريان في المساء .. فقد تحتاج لشيء ما ..

تنهدت بقلة حيلة وخرجت إلى جامعتها .. وما إن انتهت حتى خرجت دون أن تنتظر أيًا من صديقتيها .. وغادرت إلى مستشفى الأورام ..

سألت عن ريان وعلمت أنه بقسم الأطفال .. وهذا ما أثار تعجبها .. ما الذي يفعله هناك ؟!..

ذهبت إلى حيث دلتها الممرضة ليحتل تعابيرها الذهول وهي تراه يضحك بإشراق هكذا مرتديًا بنطال جينز أسود يعلوه تيشرت رمادي ويضع كاب أسود فوق رأسه وكوفيه خفيفة سوداء حول عنقه وبيده يحمل حقيبة الحلوى وإلى جواره ممرضة تضحك معه وتلاعب الأطفال معه وتأخذ منه حقيبة الحلوى ليمثل الصدمة ويشكو للأطفال فيركضون خلفها لتقوم هي بتسليمها لهم فيصفق ريان بمرح وهو يخبرهم أنهم أحسنوا صنعًا ..

بقيت تتابع مرحه بينهم وضحكته التي تخرج بصفائها مع تلك الممرضة البغيضة بالنسبة لها .. تلك الابتسامة لم تكن سوى لها فقط !!.. كيف بهذه البساطة يبتسمها لأخرى ؟!.. أم أنها هي الحمقاء الوحيدة هنا ..

للحظة دقت كلمات والدتها جدار عقلها وهي تقول :
" ريان راجل .. وممكن أوي يكون تعلقه بيكي ده تعلق أخوه مثلا .. عشان من صغركوا مع بعض فاتعود على وجودك "

والدتها كانت على حق .. لم يهتم لجعلها تشاركه آلامه .. لم يهتم لها حينما أتته أول مره .. لم ينظر لها حتى حينما أتت وسألته عن حاله ؟.. والأن يضحك بملء فمه بصحبة تلك الممرضة .. هكذا اتضحت الرؤية أمامها .. هي ليست سوى تعود في حياته .. شريكة الطفولة والصبا .. ليس إلا ..

خرجت من المكان واتجهت من فورها إلى المنزل ملقيه بنفسها فوق الفراش تبكي بقوة لما تعانيه من تخبط ..
ومع وصلة البكاء هذه ذهبت دون شعور منها في سبات عميق .. سيكون الاستيقاظ منه بقرارات جديدة وحياة جديدة .

بينما هنا حيث يجلس ريان يتحدث إلى هذا وذاك وتراقبه أمنية بابتسامة فخورة .. فهو فتى جيد بالنسبة لها .. كان يحتاج لدفعة صغيرة فقط كي يفيق وينظر للعالم من الجانب الآخر .. الجانب الجيد الذي لا يحمل هذا الكم من البغض الذي يظنه ..
فقط النظر لوجوه هذه الأطفال يشعره بجمال الحياة .. وضحكاتهم التي تعلُ في المكان تجعله يشعر أن لا مأساة في الدنيا بما فيها ..
كما أنهم وهبوه القوة التي يحتاجها .. بإقبالهم على الحياة وشغفهم اللامحدود لمحاربة هذا المرض كي يصلوا لبر الشفاء ..

أمنية بهدوء :
- ريان .. يدوب نطلع فوق .

ريان بتنهيدة قوية .. الجميع يهرب من النار كي لا تحرقهم .. في حين يذهب لها هو بذاته طالبًا الشفاء .. يا إلهِ من سخرية القدر ..

تحرك معها بصمت بعدما ودع الأطفال على وعد منه بالعودة لهم من جديد ..

أمنية بتساؤل :
- امتحاناتك إمته ؟

ريان بهدوء :
- بمتحن فعلًا وعندي مادة بكره .

أمنية بشغف :
- وناوي تقضي الأجازه إزاي ؟.. هتعمل إيه ؟

ريان وهو يرفع كتفيه بعدم إدراك :
- مش عارف .. اممم .. ممكن أقدم في دورة تنميه بشرية مثلًا .

أمنية بتفكير :
- ما تكسب فيا ثواب وتاخدني معاك .

ريان رافعًا حاجبيه :
- عايزة تاخدي دورة في التنمية البشرية ؟

أومأت أمنية بحماس ليتساءل بتعجب :
- اشمعنا دلوقتي ؟.. مخدتيهاش من زمان ليه ؟

أمنية بصدق :
- عشان مكنش في حد يشجعني .. هنشجع بعض عشان نكمل فيها .. ها إيه رأيك ؟

ريان بموافقة :
- أكيد مش هيكون عندي مانع .. بس هتقدري توفقي بين هنا وهناك ؟.. انتي تقريبًا كل وقتك في المستشفى هنا .

أمنية :
- صحيح .. كل وقتي هنا عشان بعمل حاجه بحبها .. ولو قدمت في دورة تنمية بشرية .. هوفق بين هنا وهناك عشان هناك كمان حاجه بحبها .

ريان باقتناع :
- خلاص يبقى على بركة الله .. أول ما أخلص امتحانات نفكر في الموضوع ده .

أمنية بعدما فتحت باب غرفته وبدأت في تجهيزه من أجل جرعته :
- ودلوقتي يا باشا مصر .. أنا حكيت عن نفسي المره اللي فاتت .. وده دورك .. فاكر ولا هتعمل فيها زعتر ؟

ريان بحاجب مرفوع :
- إيه زعتر ده ؟

أمنية بتوضيح :
- دي كلمة بقولها بدل ما أقول هتخلع مثلا أو هتكرشني أو هتنصب عليا .

ريان بصدمة :
- تكرشني ؟!!

أمنية بذهول :
- واخلع وتنصب دول عادي ؟! تكرشني هي اللي أثرت معاك !!

ضحك ريان رغمًا عنه ليتحدث بجدية :
- لا يا ستي لا هكرشك ولا هنصب عليكي ولا هخلع ..

تنهيدة هادئة خرجت عنه قبل أن يفصح عن مكنون قلبه بهدوء تام :
- أنا يا ستي شخص عادي .. أقل من العادي كمان .. معرفش إيه سر حبي للإنعزال بس .. بس مبحبش الاختلاط .. الكلام مع الناس صعب .. صعب أوي .. بيحتاج مجهود جبار .. لازم تلبس لكل واحد وش يناسبه عشان تعرفي تتعاملي معاه .. وفي الآخر هتطلعي بوشوش .. مبقاش في حاجه اسمها إحنا اخوات فنشيل بعض ونخاف على بعض .. ومبقاش فيه حاجه اسمها إحنا أصحاب فنقوم بعض ونقوي بعض .. ومبقاش في حاجه اسمها أحباب فنحارب كل حاجه وأي حاجه عشان نكون مع بعض ..

مليش صاحب نتفق نخرج أو نمارس هواية سوا .. مليش حد أصلا .. أنس أخويا لسه عشر سنين .. صغير وبحبه أوي بس بخاف عليه يبقى زيي .. مش عايزه يعاني من وحدته .. عايزه يتعامل مع الناس ويعرف كل واحد على حقيقته ويجرب كل حاجه عشان ينشف وميتأثرش بسهولة من أفعال اللي حواليه .. بابا وماما .. دول أطيب ما خلق ربنا .. ماما ديما قلبها عليا وحاسه بيا .. حساسه من ناحيتي جدًا .. مبتضغطش عليا في أي حاجه ومدياني مساحتي الخاصه اللي أقدر أتعامل فيها بحرية .. مبتحاولش تتلون قدامي أو تبصلي شفقة وحزن على حالي .. رغم إن فعلا ملامحها بتوحي بكده بس مبتحسسنيش بكده .. وبابا نفس الشيء .. بس بابا بيختصر الطريق ومبيتكلمش معايا غير لو ع الماشي كده .. مديني مساحتي على حساب التجاهل .. وده شيء مش مزعلني أبدًا .. بالعكس ده شيء مريحني جدًا .. ع الاقل مش هضطر أشرح حاجه كل دقيقة والتانيه ..

عارفه انتي زي فكرة إنك تكون فيكي حاجه مشوهه مثلا وهما لا بيقولولك انتي جميله من باب إنهم يجبروا بالخاطر عشان عارفين إني هاخده على إنه شفقة .. ولا بيبصوا على التشوه ده عشان عارفين إني هتحسس من نظراتهم وهحاول أتدارى ..

أخذ شهيق عميق أخرجه دفعة واحده وهو يتابع بغصة :
- حبيتها .. حبيتها لدرجة إنها كانت استثنائي الوحيد في العالم ده كله .. مكنتش بنتظر حد ولا بنتظر أي حاجه في حياتي .. لكن هي .. هي فضلت أنتظرها على مدار خمس سنين .. اشوفها قبل ما تدخل الجامعه واتطمن إنها جت .. واشوفها بعد ما تخرج من الكلية عشان اتطمن إنها كويسة .. لبسها عادي جدا .. لكنه في نظري كان من أجمل ما يكون من بهجته .. ضحكتها كانت قادره تحلي يومي كله .. وشغفها للحياة وجنونها كانوا بياخدوني لدنيا تانية مفهاش غيرها .. شريكتي في كل حاجه تخص الطفولة .. كبرنا ودخلنا اعدادي وبدأنا نعمل حدود بينا .. والحدود بدأت تزيد في الثانوي ... لحد ما الحدود دي بقت حاجز كبير في الجامعه .. وأقصى حاجه ممكن ننولها من بعض هي الابتسامة اللي بنهديها لبعض وقت دخولنا الجامعه أو خروجنا منها ..
لما قررت أتقدملها وأخلي حياتنا واحده .. اكتشفت مرضي .. مفكرتش في المرض قد ما فكرت إزاي أبعدها عني عشان متتعلقش بيا أكتر من كده فتتعب لو حصلي حاجه .. وكل اللي مسيطر عليا إني واحد مستني لحظه نهاية أجله ..
نسيت كل أفكاري مع أول مره شوفتها قدامي هنا لما جت تزورني .. ورجع بيا الحنين .. وللحظة كنت هستقوى وهحارب ألف سرطان عشان أرجعلها وأكون وياها .. لكن المفاجأة اللي كانت من نصيب قلبي اتلخصت في كلمتين قالتهم ومشيت .. خلي بالك من نفسك يا ريان .. مكنش ده اللي مستنيه .. كنت عايز أسمع أنا معاك .. أنا جنبك .. أنا قوتك .. حارب عشاني .. خلينا نعدي سوا .. أي حاجه تكون فيها " إحنا ".. لكن ملقتش غير " إنت " ..

تنهد بتعب وإرهاق .. كأن الحديث نفسه بحاجة لمجهود :
- اختفت لفترة .. وبعدها رجعت تاني تقضية واجب .. وكل اللي قالته وقتها عامل إيه يا ريان وربنا يتم شفاك على خير .. مكنتش أعرف إن طعم الخذلان وحش كده .. مُر .. مُر أوي علقم ..

تنهيدة قوية تبعها بضحكة مرحة :
- بعدها طلعتيلي انتي واديتيني دفعة عشان أقوم .. أقوم عشان نفسي مش عشان أي حد .. معرفش إيه المؤثر في كلامك بس اداني دفعة أقوم وأحاول ..

نظر لها وهو يتابع بمزاح :
- ما تقومي تمشي بقا يا فوزية .. أنا اتكلمت كلام يتوزع على عشرين سنه قدام .

ضحكت له بخفة ومن ثم نظرت له بتركيز وهي تتحدث بصدق :
- خلي ديما نفسك قبل أي حد .. لإن مفيش حد هيبقيك على نفسه .. والأنانية في حب النفس بتديك ثقة وثبات وقوة تواجه .. لكن حب الغير ميجيش من وراه غير الذبذبة والضعف وقلة الحيلة .. خصوصا لو الحب ده كان من طرف واحد .

تحركت كي تخرج من الغرفة ولكنها تحدثت بعدما تخطته بخطوتين :
- على فكرة .. إسمك حلو أوي .. ابقى ابحث في معناه .. وخليك اسم على مسمى .. ومتنساش تزود عدد الشوكالاته المره الجايه .. عشان أنا باكل اتنين مش واحده .

غادرت الغرفة تاركه خلفها ذاك المبتسم في الفراغ والذي تنهد بقوة متعحبًا من قدرتها الغريبه على جعله يتحدث بهذه البساطة والأريحية معها .. كما يتعجب لقوته هو لخوض هذه الحرب مع هذا السرطان .. إنها ملاك رحمة حقًا ..

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الثانية والعشرون بقلم دنيا الشملول


أعلن هاتفها عن اتصال من والدها فخرجت من المنزل سريعًا وهي تحمل الحقيبة التي جهزت بها ما يلزم أختها ووالدتها ..
وضعت الحقيبة في الخلف ثم استقلت إلى جانب والدها بهدوء تام .. بقي الصمت مطبقًا على السيارة حتى قررت بدر قطعه بتساؤل :
- بابا حضرتك هتفضل ساكت كده ؟.. بابا أنا ..

قاطعها سفيان بهدوء تام :
- مش وقته كلام في أي حاجه .. ياريت تفضلي جنب أختك وتقويها عشان تعدي من المحنة اللي هي فيها دي .. خليكي أختها بجد لمره واحده .. اعتبريها فرصة واستغليها عشان تقربي منها .. اللي بيقرب من الصلاح بينصلح يا بدر .

دمعة فرت من عينيها وهي تتذكر ذاك اليوم الذي كانت تجتمع فيه العائلة .. وقد تحدث عمار بعفوية تامة أنه سيميز بدور كونها ملتزمة وغمازتها في الوجنة اليمنى أي أنها في طريق الإلتزام جهة اليمين .. بينما هي .. هي ....

أخذت شهيقًا قويًا تحاول السيطرة على غصة قلبها كي تمنع عبرتها من الانسلال حتى وصلا أخيرًا إلى المستشفى ..

صف سفيان السيارة وترجل والجًا لغرفة ابنته بصحبة بدر ..

بدور بابتسامة :
- بابا .

سفيان وهو يقبل جبينها بحب :
- حبيبة قلب بابا .. حمد الله على سلامتك يا حبيبتي .

بدور بتنهيدة :
- الله يسلمك يا حبيبي .. بابا لو سمحت ممكن تتطمن على الأستاذ علي والآنسة ابتسام .. دول زمايلي كانوا معايا وقت الحادثة وماما معرفتش تخرج تسأل عنهم وكمان الممرضة متعرفش عنهم حاجه وأنا قلقانه عايزه أتطمن عليهم .

سفيان بهدوء :
- حاضر يا حبيبتي عنيا .. اسمهم إيه ثنائي حتى عشان أعرف أسأل .

بدور :
- الأستاذ علي الهجرسي والآنسة ابتسام داوود .

سفيان بتساؤل :
- علي ده نفسه اللي قابلناه في حفلة الخطوبة ؟

أكدت بدر ليومئ سفيان بموافقة وغادر الغرفة كي يسأل عن زملاء ابنته .. بينما نظرت بدور تجاه بدر بتساؤل لحالها هذا ..

ملك :
- هاخد شاور يا بنات .. بدر خليكي جنب بدور لو تعبت نزلي السرير عشان تريح ضهرها .

أومأت بدر بهدوء لتغادر ملك إلى دورة المياه في حين تحدثت بدور بتعب :
- بدر انتي كويسة ؟!

ناظرتها بدر بألم لا تعلم مصدره .. وقد لاحظته بدور جيدًا .. فمدت يدها تجاه أختها تطالبها بالتقدم .. وقد استجابت بدر لها ..

أمسكتا بيد بعضهما البعض لتجلس بدر على حافة الفراش وقد خانتها عبراتها فانسالت في الحال ..

شدت بدور على يدها كأنها تدعمها وقد شعرت بيد بدر التي تشد على يدها هي الأخرى باستجابة لهذا الدعم ..

بدر بعد وقت من البكاء :
- ارتاحي يا بدور شوية .

بدور بتنهيدة :
- راحتي في إني أعرف مالك يا توأمي .. قوليلي مالك يا بدر يمكن أقدر أساعدك .

بدر بتنهيدة :
- أنا نفسي مش عارفة مالي يا بدور والله .. أنا لو عارفة مالي مكنش هيبقى ده حالي أبدًا .

بدور بابتسامة :
- طب بقولك إيه .. تيجي نتفق اتفاق ؟

بدر بتعجب :
- اتفاق إيه ده ؟!

بدور بابتسامة هادئة :
- هقولك على سر عندي .. وعيزاكي تساعديني فيه .. وانتي تقوليلي اللي بيكي حتى لو ملخبط هسمعه .. متنسيش إننا توأم والمفروض إننا بنفهم بعض من النظرة مش بالكلام بس .. ها .

بدر بابتسامة وهي تعتدل في جلستها وبصوت خفيض :
- ويا ترى بقا السر ده يخص عمار ولا حاجه تانيه ؟

تغيرت ملامح بدور في الحال وشحب وجهها وهي تتساءل بتلعثم :
- عـ عمار !!.. مـ ماله عمار ؟

بدر بغمزة :
- ملوش عمار .. حلو وزي العسل بس دبش وبارد ومستفز ورخم جدًا جدًا .

ضحكت بدور لقول أختها قبل أن تمسك بصدرها في تعب وهي تتنهد بهدوء لتتابع بدر بجدية :
- هو ده السر ولا أنا غلطانة ؟

بدور بخجل :
- هو أنا مكشوفة أوي كده ؟!

بدر بابتسامة :
- لا أبدًا .. أنا بس اللي توأمك فأنا بس اللي واخده بالي .. لسه قايلة انتي إننا توأم والمفروض نفهم بعض من النظرات مش الكلام بس .. ولا إيه ؟

بدور بتنهيدة :
- هو ده السر .

بدر باستغراب :
- انتي في البدايه بتقولي هقولك على سر وتساعديني فيه .. أساعدك فيه إزاي ؟!

بدور بتنهيدة متعبة :
- أتخلص منه .

بدر بصدمة :
- نقتله ؟

ناظرتها بدور لدقيقة قبل أن تنفجر ضاحكة ومن ثم صفعتها على كتفها بذراعها السليم لكنها تأوهت بسبب تعبه أيضًا .

شاركتها بدر الضحكة ولكن قاطعهما دخول سفيان تزامنًا مع خروج ملك من دورة المياه فصمتت الفتاتان في الحال .

سفيان بتنهيدة مستاءة ولا يعلم كيف يخبر ابنته بشيء كهذا :
- علي كويس يا بنتي الحمد لله ... وبردو عنده رضوض بس من الحادثة وكسر في رجله الشمال .. واتطمنت عليه بنفسي كمان .

أومأت بدور بعدما تحمدت لله تعالى وهي تنتظر منه المتابعه لكن ما لاقته كان الصمت ..

بدور بتساؤل :
- وابتسام !

سفيان بتنهيدة :
- البقاء لله يا بنتي .

شهقت بدور وهي تضع يدها على فمها وانسالت عبراتها بغزارة قبل أن تقترب ملك وتحتضنها بحنان متحدثة بهدوء :
- ادعيلها يا حبيبتي .. ربنا يرحمها ويغفرلها .. ده قدرها ومحدش بيهرب من قدره .

بقيت بدور تبكي لوقت لا بأس به داخل أحضان والدتها حتى ذهبت في سبات عميق ..

سفيان وهو يربت على خصلاتها :
- الحمد لله اللي نجاكي يا بنتي .. وربنا يصبر قلب أهل صحبتها .. حالتهم تحت وحشة أوي بجد .

ملك بدموع :
- ربنا يتولاهم ويصبر قلبهم يارب .. مش سهلة يا سفيان .. ده أنا لحد دلوقتي قلبي واجعني من وقت ما عرفت إنها عملت حادثة .. ربنا ما يوجع قلبنا فيهم يارب .

أمَّن سفيان على دعائها ثم جلس بأحد الأركان يقرأ بعض آيات القرآن قبل أن يأتيه صوت هاتفه معلنًا عن اتصال من مريم ..

أجابها بهدوء لتسأله بلهفة :
- طمني يا حبيبي .. بدور عامله إيه ؟

سفيان :
- كويسة الحمد لله يا أم وليد .. ادعيلها .

مريم بتنهيدة :
- بدعيلها من قلبي والله يا حبيبي .. ربنا يطمنا عليها ومنشفش فيها سوء أبدًا ولا في حبيب يارب .. أقوم آجي يا سفيان ؟

سفيان :
- لا يا حبيبتي ملوش لزوم بدور كويسة أوي الحمد لله وربنا نجاها .. حتى الدكتور قال ممكن تخرج بكره .. وأنا أصلا هجيلك شوية كده .. عايز أشوفك .

مريم بترحاب :
- هستناك يا حبيبي في أي وقت .. سلملي على ملك .

سفيان :
- يوصل يا حبيبتي .. مع السلامة .

أغلق معها وتحدث بهدوء لملك قبل أن يعود للقراءة :
- مريم أختي بتسلم عليكي يا ملك .

ملك بهدوء :
- يارب يسلمها من كل مكروه .

بدر بتنهيدة :
- بابا بعد إذنك .. هوصل النادي أنهي كام حاجة وأرجع على طول ولو كده هرجع مع خالي مالك .

نظر لها سفيان لبعض الوقت قبل أن يومئ بصمت لتتنهد بدورها وتخرج من الغرفة بصمت .

نظرت ملك تجاه سفيان الذي عاد لقراءة القرآن وتنهدت بقلة حيلة .. لقد طالبته كثيرًا ألا يكون متساهلًا مع بدر لهذه الدرجة .. والآن يحصد نتيجة تساهله هذا .. هي لا تعلم ماذا حدث بينهما ليكونا على هذه الحاله ... لكن حالتهما واضحة للغاية .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

تجلس في حديقة الجامعة ترتشف من كوب القهوة الذي ابتاعته للتو وهي تزفر بين الحين والآخر في ملل ..

أخرجت كتبها الدراسية على أمل في التركيز استعدادًا لاختبارها دون فائدة ..
ضحكة ريان في ذلك اليوم لا تفارق ذاكرتها .. ألهذه الدرجة مهمة لديه تلك الممرضة كي يضحك معها ويتحدث إليها بأريحية هكذا !!.. ريان الذي يكره التعامل مع البشر ولا يبتسم سوى لها هي .. الآن لديه من تجعله يضحك بملء فمه لا أن يبتسم فقط ؟!!

تشعر بنار تكوي قلبها .. كيف له أن يسمح لنفسه بذلك ؟.. حتى وإن كانت تعودًا في حياته .. تقسم أنها كانت لتبقى إلى جواره إن طالبها بذلك .. لكنه لم يخبرها حتى ..

قطع وصلة شرودها جلوس تولين التي تحدثت بضجر :
- ست الحسن والجمال مبتراجعش ليه؟.. الامتحان خلاص بعد دقايق .

سندس بتنهيدة مهمومه :
- مفيش دماغ يا تولين .

تولين باهتمام :
- مرحتيش لرينو ؟

سندس بضيق وهي تشيح بوجهها :
- رحت .

تولين بفضول :
- ومالك بتقوليها كده ؟.. في إيه ؟.. مرضيش يقابلك ؟

سندس بغصة :
- لا شفته مرتين ..

ازدردت ريقها قبل أن تصحح :
- تلاته .. شفته تلت مرات .

تولين بتعجب :
- اشمعنا ؟.. انتي مش بتروحي معاه في كل جرعة ولا إيه ؟

سندس بنفي :
- لا .. أنا أصلا معرفش مواعيد جرعاته إيه .. ده أنا سمعت بابا إمبارح بالصدفة وهو بيقول لماما هيروح لأونكل مراد المستشفى عشان يكون جنبه .. فطلعت م الجامعه رحتله .

تولين بتساؤل :
- طب إيه ؟ بتتكلموا ؟.. هو كويس ؟ بيتحسن يعني ؟

زفرت سندس بضيق وهي تعتدل في جلستها :
- معرفش يا تولين .. أنا مجرد بقضي واجب مش أكتر .. هو أصلا مكلفش نفسه يعرفني اللي بيه .. ده غير إنه كان فاتح في الضحك مع ممرضة امبارح وماشيه حياته عال العال يعني .. فمش هتعب نفسي أنا بإني أشغل دماغي بواحد أصلا مبيفكرش فيا .

صمتت سندس وهي تلتقط أنفاسها كأنها كانت تركض لتناظرها تولين بتعجب من حالها هذا .. فتحدثت بتلقائية :
- سندس انتي بجد بتعتبي عليه عشان مقالكيش على مرضه ؟.. طب أديكي عرفتي .. عملتيله إيه ؟!.. ولا أي حاجه .. رحتيله مرتين تلاته والاسم رحتيله .. لا معلش ده انتي حتى بتقولي بقضي واجب .. هو بجد انتي منتظرة من واحد زي ريان منطوي بالشكل ده ييجي يقولك ببساطه كده أنا مريض كانسر !.. ثم إنه سوري يعني إيه مشكلتك إنه ضحك مع ممرضة امبارح ؟.. نفترض الممرضة شافته تعبان حاولت تشغله عن تعبه فحكتله موقف مضحك فضحك عليه غصب عنه .. مش لازم يبقى مقضيها ضحك يعني معاها .

سندس باندفاع :
- لا مكنش تعبان .. ده حتى كان في قسم الأطفال معاها بيوزعوا حلويات على الأطفال وبيضحكوا سوا .

ناظرتها تولين بتعجب كأنها تسألها " هل تسمعين نفسك؟ "

سندس بغيظ وهي تغلق الكتاب وتضعه بحقيبتها :
- تولين .. خلاص .. قفلي على الموضوع ده الله يكرمك .

تولين بموافقة :
- أوك تمام .. بس يا سندس لازم تعرفي إن الإنسان اللي تسيبي إيده في أزمته .. إوعي تستني منه إنه يرجع يمسك إيدك بعد ما يخرج من الأزمه دي .. الحاجه اللي مبتتقدمش في وقتها مبتتقبلش يا سندس ... يلا عندنا معمل مهم دلوقتي .

تحركت تولين كي تسبق سندس التي أخذ عقلها يُعيد ويُكرر حديث تولين .. وكلما هدأت قليلًا تظهر صورة ريان وهو يضحك مع الممرضة تجعل قلبها يشتعل .. لا تعلم سببًا لذلك .. غيرة ؟!.. غيظ !.. أو ربما أنانية !!

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

- أنا بنت عمتي كانت هتروح فيها .. فاهم يعني إيه ؟.. ماتت بنت ملهاش أي ذنب .. ومرمي في المستشفى اتنين .. كل ده أشيله لمين ؟.. متجيش دلوقتي تقولي القضية ياخدها معرفش مين .. دي قضيتي يا سامي بيه .. وأنا اللي هكملها .

كان هذا حديث عمار الغاضب والذي أجاب عليه اللواء بهدوء محاولًا امتصاص غضب عمار :
- يا عمار انت بالنسبالهم بقيت كارت محروق .. إفهم بقا .

عمار بغل :
- فاهم .. ومش فارق معايا .. دي قضيتي وهكملها .. مش أنا اللي اتدارى زي الحريم .

سامي بتنهيدة :
- عمار .. الموضوع مش لوي دراع ولا هو عِند وتار .. حياتك في خطر وانت أكيد مش هتخاطر لا بنفسك ولا بفريقك .

عمار بإصرار :
- أنا مغصبتش حد يكمل معايا .. أنا هكمل لوحدي .

غاده مقاطعة حديثهم الحاد :
- مش كل ظابط مخابرات كارته هيتحرق مع شوية مجرمين يسيب قضيته .. وإلا كده هنقعد في بيوتنا .. ممكن نمسك العصاية من النص .. وزي ما هما عملوا تمويه علينا وغطوا على أساس شغلهم .. نعمل إحنا تمويه بإن عمار ساب القضية ومسكها مجهول جديد .. عمار يتابع في قضيته زي ما هو .. وهما نشغلهم بالتدوير ورا المجهول اللي ماسك قضيتهم واللي في الأصل هيبقى عمار من تاني .

ناظرها كل من عمار واللواء بدهشة لبعض الوقت قبل أن ينطق فهد بتأييد :
- حقيقي ذكاء .. بأيد الموضوع ده .

سامي بتنهيدة :
- عمار ..

عمار مقاطعًا :
- وأنا موافق على الموضوع ده .. خطتها كويسة فعلا .. وده حل مناسب .

سامي بتنهيدة :
- ربنا يستر .

خرج عمار من المكتب قاصدًا المستشفى وتبعته غادة التي استقلت السيارة إلى جانبه ..

عمار بحاجب مرفوع :
- انتي استحلتيها ولا إيه ؟

غادة وهي ترفع إحدى حاجبيها مثله :
- هي إيه دي اللي استحليتها ؟

عمار بغيظ :
- قزحك كل شوية في العربية .. خير !

غادة ببساطة :
- عارفة إنك رايح المستشفى .. وأنا كمان رايحة المستشفى عشان أتطمن عليها .. سكتنا واحده يعني .

عمار باستفزاز :
- بس أنا مروح بيتي .. حضرتك لسه عند رأيك إن سكتنا واحده ؟

غادة بعدم تأثر :
- اممم .. خلاص بسيطة .. وصلني المستشفى وبعدها روح بيتك .. كده قابلنا سككنا .

ناظرها عمار بغيظ قبل أن يقود السيارة متجهًا إلى المستشفى .

غادة مقاطعة الصمت في السيارة :
- انتقام ولا إثبات مقدرة ؟

عمار بتمثيل :
- بتتكلمي عن إيه ؟

غادة بهدوء وصبر :
- ناوي تكمل في القضية انتقام من اللي عملوه ولا إثبات لنفسك وقدرتك ؟

عمار بتنهيدة :
- الاتنين وعليهم عشان ده واجبي .

غادة بهدوء :
- بغض النظر عن إن ده واجبك أو فرض عليك .. أنا ساعدتك تفضل ماسك القضية دي .. ودلوقتي انت مديونلي بوعد .

عمار عاقدًا حاجبيه بعدم فهم :
- وعد إيه ده ؟

غادة بتنهيدة :
- إني أكمل معاك للآخر .. متاخدش خطوة من غيري .

عمار باستفزاز :
- ده فرض نفس ؟

غادة بلامبالاه :
- اعتبرني بفرض نفسي عليك .. لكن السبب الحقيقي هو إني عايزة أتعلم برودك واستفزازك طبعًا مع خبراتك في التفكير والاستقصاء ووضع الخطط .. استغلال يعني من الآخر .

عمار بجانب عينه :
- تتعلمي برودي واستفزازي !.. وكمان استغلال !

غادة بتأكيد :
- بالظبط كده .

عمار بتنهيدة قوية :
- البرود والاستفزاز مش صفات حلوه أوي كده عشان تتمسكي بيهم أو تحاولي تضيفيهم لشخصيتك .. بالعكس .. دول بيخلوكي تباني بشخصية مش حقيقية .. شخصية ظاهرها حاجه وداخلها حاجه تانيه خالص .. لما تقرري تاخدي طبع من حد .. اختاري الحد اللي يخليكي تتطبعي بطبع جميل مش مؤذي .

لم تستطع غادة أن تتحدث .. ففضلت الصمت حتى وصلا للمستشفى وصف عمار سيارته ..

غادة قبل أن يترجل :
- موعدتنيش .

نظر لها عمار قليلًا قبل أن يتلفظ بما يعاكس رغبته :
- وعد .

ابتسمت غادة بحماس وترجلت هي الأخرى من السيارة ثم صعدا للأعلى بصمت تام ..

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

أنهى اختباره لهذا اليوم واستعد للمغادرة .. وفي طريقه للخروج اصطدم بأحدهم فوقعت قبعته عن رأسه فأغمض عينيه بألم ..

حمل الشاب القبعة وأعطاها لريان بابتسامة متحدثًا بلطافة :
- آسف يا صحبي منتبهتش .. بقولك إيه .. ما تيجي تقنع والدتي تسيبني أحلق الحلقة دي .. حقيقي حاسس نفسي بنوته أوي وبتتمنى تقصر شعرها ومامتها رافضة .

ناظره ريان لثوانٍ يستشف إن كانت هذه سخرية .. لكنه وجد الشاب يتحدث بجدية كما يتحدث بلطافة أيضًا .. فأفصح ريان وهو يلتقط القبعة ويضعها فوق رأسه :
- مشلتش شعري بمزاجي .. ده غصب عني ..

رفع نظره للشاب وتابع :
- كل واحد فينا مش عاجبه حاله .. بس لو ركزنا شوية هنلاقي إن حالنا أفضل كتير من غيرنا صدقني .

الشاب وهو يمد يده بمصافحة لريان :
- وسيم .. أتشرف بيك ؟

نظر ريان ليده الممدودة وقدم يده بتردد كي يصافحه وأفصح بهدوء :
- ريان .

وسيم بابتسامة :
- قول عليا مجنون .. بس أنا يومي خلص كده .. نشرب قهوه؟ ولا ظروفك إيه ؟

ريان بتنهيدة وتردد :
- نشرب قهوة .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

وصلت إلى النادي وترجلت في هم لا تعلم مصدره تحديدًا .. تشعر بالاختناق .. كأن أحدهم يضغط على عنقها بقوة .. ولا تعلم سبيلًا للخروج من هذه الحاله .. ليست من الآن فحسب .. بل هذا الشعور يصاحبها مع بداية كل صباح وحتى ينتشلها سلطان النوم نهاية كل نهار ..

وقفت أمام بوابة النادي .. واستدارت تنظر حيث السيارة التي رأتها عدة مرات في ذاك المكان لكنها لم تجدها ..

تنهدت بقلة حيلة وكانت على وشك الدخول حينما اعترض طريقها هشام الذي ينادي بصياح وهو يأتيها ركضًا :
- بدر .. لحظة يا بدر .

وقفت تنظر له بملابسه الرياضية تلك حتى وصلها ووقف أمامها ومال إلى ركبتيه يلتقط أنفاسه ثم تحدث بهدوء تام :
- ممكن نتكلم شوية بعد إذنك ؟

عقدت بدر ذراعها أمام صدرها وتحدثت ببرود تام :
- مفيش أي كلام ينفع نتكلم فيه يا هشام .. رحاب وقلت إني لو مشيت من غير ما أعرف اللي بيحصل هتبقى الناهية .. ومشيت فخلاص بقت الناهية .. ومش أنا اللي ترجع في كلمتها .

هشام بتنهيدة :
- وأنا هنا عشان أقولك بلاش رحاب يا بدر ولا هيثم .. هيثم صاحبي وعمري ما هعيب فيه .. بس هيثم متعودش يترفض أو يتقاله لأ .. واللي بتقول لأ فدى بالنسباله واحده عايزه تبان غاليه مش أكتر لكنها بتيجي مع الوقت .. خاصة لو الشخص اللي قدامها شافته هيرو .

تنهد بقوة قبل أن يتابع :
- أنا مخطبتش يا بدر .. دي كانت خطة من هيثم عشان يظهر الهيرو اللي جواه قدامك لما ييجي يصغرني في عين رحاب ويقويها .. كنت عايز أقوله إنه بيصغر نفسه عشان المفروض إني صاحبه وميتكلمش في ضهري بس قولت لا .. يقع في شر أعماله لوحده .. رحاب أكتر بنت قعدت معاها فترة طويلة .. مش هنكر إني أعجبت بيها و .. وكنت هقرر إنها تكمل معايا بس .. بس اللي حصل ده فوقني .. البنت اللي تسمح لنفسها تكلم واحد تحت مسمى الحب متتآمنش .. وزي ما كلمتني هتكلم غيري .. وأول حد كلمته كان صاحبي ..

تنهد بقلة حيلة وهو يتابع :
- الموضوع كله كان خطة من هيثم .. وغيرلها الفون بالخط كحلاوة ليها يعني إنها ساعدته عشان يوصل لنقطة معينه جواكي .. أو على الأقل تشوفيه ..
ودلوقتي أنا منمتش طول الليل امبارح من التفكير في الموضوع .. والحقيقة إني قررت قرار بتمنى أقدر عليه وأثبت عليه .

زفر وهو يرفع رأسه للأعلى ثم تابع :
- هبعد عن طريق صحوبية البنات وأولهم رحاب .. وصحوبية هيثم كمان .. آسف إني عريت الحقيقة بالشكل ده قدامك .. بس انتي أكيد محتاجه تفوقي لنفسك يا بدر .. وواثق من ده عشان عارف إن اللي جواكي نضيف .. معرفش سبب إنك بتحاولي تباني بعكس اللي جواكي بس عارف إن الموقف ده هيفوقك .. وأنا بجد اتشرفت بمعرفة إنسانه زيك .

أومأت بدر دون حديث .. فهي وضعت جميع الاحتمالات إلا أن تخونها من كانت صديقتها ذات يوم ..

تابع هشام بتنهيدة :
- بعد إذنك هطير بقا .

غادر يتابع ركضه فدخلت بدر من البوابة .. تنهدت بقوة وهي تنظر لحمام السباحة ..

ولجت لغرفة تبديل الثياب وقامت بارتداء زي السباحة الخاص بها وخرجت تنظر للمياه بشرود ..

طاقة غريبة بداخلها تود أن تُفرغها .. ولن يتحملها سوى المسبح .. ومع ذلك فهي فارغة تمامًا من أي طاقة .. ولن يشحن طاقتها سوى المسبح أيضًا .

قفزت في المياه وأخذت تقتطع المسبح ذهابًا وإيابًا حتى لم تعد تشعر بأطرافها .. نظرت حولها لتجد ذاتها بالمنتصف .. تحتاج لطاقة كي تعود للبداية .. وتحتاج للطاقة ذاتها إن أرادت أن تصل للنهاية .. وهي لا تملك أي مقدار من طاقة كي تتحرك خطوة واحدة في أي اتجاه .. نظرت بعينيها للأعلى ترى الأضواء من حولها .. وكان هذا آخر ما رأت عينيها قبل أن تفقد الوعي لسبب لا تعلمه ..

عادت الرؤية إليها من جديد مع شهقاتها المتتالية ومحاولاتها في سحب أنفاس من الهواء كي يُنعش رئتيها ..

نظرت حولها لتلمح تلك الفتاة المبلله بالمياه والتي تناظرها بابتسامة متحدثة بمزاح :
- طب بالله عليكي ده ينفع يا كابتن ؟.. يعني تبقى مدربة السباحة وتغرقي ؟.. ده إحنا شكلنا هنتسوح ولا إيه !

ضحكت بدر بخفة قبل أن تعتدل وتضم قدميها إلى صدرها وتحتضن ذاتها وهي تتحرك للأمام والخلف بتنهيدة ترفض الخروج عنها ..

سألتها الفتاة باهتمام :
- انتي كويسه يا كابتن ؟

بدر وهي تنفي مع تساقط عبراتها :
- أبدًا .. عمري ما كنت كويسة .. وعمري ما حسيت إني عايزة أكون كويسة قد دلوقتي .

الفتاة بتنهيدة :
- طب وليه متبقيش كويسة طالما عايزة ده ؟

بدر :
- عشان مش عارفة .. مش عارفة إزاي أكون كويسة .

الفتاة وهي تجلس إلى جوار بدر وتتخذ نفس الوضعية :
- إنتي أحسن من ناس كتير على فكره .. على الأقل انتي عايزة تبقي كويسة .. وده كفاية يخليكي تتحركي عشان تشوفي إزاي ممكن تبقى كويسة .. ممكن تلجأي لشخص كويس يسحبك لطريقه .. أو تبصي جواكي على الحاجه اللي منعاكي تكوني كويسة وتعدميها .. أو تقرري تبقي كويسة بنفسك ولنفسك .. لكن غيرك مش كويس ومش معترف بإنه مش كويس وعشان كده عمره ما هيبقى كويس .

صمت عم المكان لدقائق حاولت بدر فيهم فهم ما ترمي إليه الفتاة ..
التفتت برأسها تناظرها في تساؤل لتبتسم لها الفتاة في هدوء وهي تمد يدها بالمصافحة متحدثة بابتسامة :
- أنا فرحة .

ناظرتها بدر بابتسامة قبل أن تصافحها هي الأخرى وهي تتحدث بلطافة :
- إسمك جميل أوي يا فرحة .

فرحة بلطافة :
- مش أجمل من بدر أكيد .

تنهدت بدر لتسألها فرحة بمرح :
- يا ترى إيه شاغل بالك لدرجة متحسيش بنفسك وانتي بيغمى عليكي في الميه ؟

تحولت تعابير بدر للحزن وهي تعود لوضعيتها من جديد :
- أنا حاسه إني وحشة .. رغم إني عمري ما فكرت أأذي حد .. وعمري ما فكرت أقلل من نفسي أو أصغر بابا .. وعمري ما عملت حاجه تخليني أخجل من نفسي .. بالعكس .. أنا شرسة جدًا في التعامل مع الشباب .. بلزم حدودي في كل المواقف .. محدش بيلعب في قراراتي .. مبتلونش .. من بره زي من جوه .. متمسكة بمبادئي اللي اتربيت عليها .. آه بعيدة عن ربنا مش هنكر .. لبسي مش مناسب مش هنكر .. حتى طريقتي في الردود مش كويسة وبردو مش هنكر .. بس محدش كامل .. كلنا فينا عيوب .. وهما مش متقبلين العيوب دي .. مش شايفين مميزاتي .. عيوبي بس اللي واضحة قدامهم وبيكلموني عليها يوميًا ... انتقاد انتقاد انتقاد .. طب أي وسيلة تانية تحببني في اللي بتتكلموا فيه .. أي طريقة تانية تجيبوا عقلي وقلبي بيها .. لكن انتقاد طول الوقت وعيوب طول الوقت .. تعبت بجد .

فرحة ببساطة :
- يمكن عشان لو العيوب دي في شخصيتك هتبقى طبع وأمر واقع لازم يتعايشوا معاه ... لكن المشكلة إن العيوب دي في اللي يخص ربنا ورضاه .. وده لا يمكن يتقبله شخص ربنا راضي عنه وفي نفس الوقت بيحبك .. لأنه ببساطة كبيرة عايز يسحبك معاه للطريق الحلو والصح اللي هو ماشي فيه .. مش عايز طرقكوا تختلف .

صمت عم المكان لدقائق قبل أن تبتسم بدر بشغف وتتحرك بسرعة وهي تلقي بكلماتها :
- مضطرة أمشي دلوقتي .. أكيد هنتقابل تاني يا فرحة .

فرحة بابتسامة :
- " ولا تقل لشيء إني فاعلٌ ذلك غدًا إلا أن يشاء الله ".

ابتسمت بدر لتغمز لها فرحة فصححت بدر جملتها :
- بأمر الله هنتقابل تاني يا فرحة .

فرحة بابتسامة هادئة :
- إن شاء الله يكرمني برؤياكي .

غادرت بدر لغرفة تبديل الملابس .. ثم أخذت طريقها إلى المستشفى وبداخلها شيء جديد يحلق في ثنايا قلبها .. علها تكون الهداية .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

طرق الباب بخفة ليخرج له سفيان الذي ابتسم بهدوء وهو يرحب به :
- إزيك يا عمار يا بني ؟..

نظر خلف عمار وهو يتابع :
- أهلا يا آنسة .

عمار بابتسامة :
- الحمد لله يا عمي .. أخبار بدور إيه دلوقتي ؟

سفيان بتنهيدة :
- الحمد لله يا بني .. كويسة .

أنهى عبارته وهو يتحدث بهدوء :
- ثواني أشوفها عشان ندخلها .

أخبر بدور كون عمار بالخارج فضرب قلبها طبولًا .. لقد أتى ليطمئن عليها .. يا إله لا تصدق !!..
نفضت عقلها سريعًا وهي تزجر ذاتها :
- هل هذه هي المحاولة في نسيانه وإخراجه من قلبها ؟!.. أهدأ أيها القلب .

أثناء محاولاتها في تهدئة قلبها كانت قد ارتدت حجابها واعتدلت جالسة قليلًا بمساعدة والدتها ودخل عمار لتبتسم بلهفة انطفأت ما إن رأت غادة التي ظهرت من خلفه .. ألا تتركه هذه الفتاة أبدًا !

عمار بابتسامه ومشاكسة :
- دمك كان هيتصفى وأنا بحاول أعرف انتي بدر ولا بدور .. افتكرت الغمازه بس ملقتهاش لأنك لا بتتكلمي ولا بتضحكي .. أظن بعد الحادثة دي هتتعلمي بالجبس ده وبالكام علامه اللي في وشك دول مش هغلط فيكوا تاني .

لم تكن ذات مزاج جيد كي تبتسم على مزاحه حتى فتحدثت غادة سريعًا :
- انتي ليكي توأم شبهك أوي كده ؟

ملك بابتسامة :
- آه .. بدر أختها .. نسخة من بعض والاختلاف بينهم في أماكن الغمازات .

غادة :
- ربنا يخليكم لبعض والله .. دي حاجه حلوه أوي وممكن تنفع معانا في شغل المخابرات .

رفعت بدور وجهها بسرعه وهي تسأل بعدم فهم :
- مخابرات إيه ؟.. انتي ظابط مخابرات ؟.. ومعاكوا يعني إيه ؟.. عمار مش مخابرات .. عمار محامي !

ابتلعت غادة لسانها وهي تنظر لعمار الذي يناظرها بغيظ ..

سفيان بتساؤل :
- مخابرات إيه يا عمار ؟.. انت شغال في المخابرات ؟

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الثالثة والعشرون بقلم دنيا الشملول


طرق الباب بخفة ليخرج له سفيان الذي ابتسم بهدوء وهو يرحب به :
- إزيك يا عمار يا بني ؟..

نظر خلف عمار وهو يتابع :
- أهلا يا آنسة .

عمار بابتسامة :
- الحمد لله يا عمي .. أخبار بدور إيه دلوقتي ؟

سفيان بتنهيدة :
- الحمد لله يا بني .. كويسة .

أنهى عبارته وهو يتمتم بهدوء :
- ثواني أشوفها عشان ندخلها .

أخبر بدور كون عمار بالخارج فضرب قلبها طبولًا .. لقد أتى ليطمئن عليها .. يا إله لا تصدق !!..
نفضت عقلها سريعًا وهي تزجر ذاتها :
- هل هذه هي المحاولة في نسيانه وإخراجه من قلبها ؟!.. أهدأ أيها القلب .

أثناء محاولاتها في تهدئة قلبها كانت قد ارتدت حجابها واعتدلت جالسة قليلًا بمساعدة والدتها ودخل عمار لتبتسم بلهفة انطفأت ما إن رأت غادة التي ظهرت من خلفه .. ألا تتركه هذه الفتاة أبدًا !

عمار بابتسامه ومشاكسة :
- دمك كان هيتصفى وأنا بحاول أعرف انتي بدر ولا بدور .. افتكرت الغمازه بس ملقتهاش لأنك لا بتتكلمي ولا بتضحكي .. أظن بعد الحادثة دي هتتعلمي بالجبس ده وبالكام علامه اللي في وشك دول مش هغلط فيكوا تاني .

لم تكن ذات مزاج جيد كي تبتسم على مزاحه حتى فتحدثت غادة سريعًا :
- انتي ليكي توأم شبهك أوي كده ؟

ملك بابتسامة :
- آه .. بدر أختها .. نسخة من بعض والاختلاف بينهم في أماكن الغمازات .

غادة :
- ربنا يخليكم لبعض والله .. دي حاجه حلوه أوي وممكن تنفع معانا في شغل المخابرات .

رفعت بدور وجهها بسرعه وهي تسأل بعدم فهم :
- مخابرات إيه ؟.. انتي ظابط مخابرات ؟.. ومعاكوا يعني إيه ؟.. عمار مش مخابرات .. عمار محامي !

ابتلعت غادة لسانها وهي تنظر لعمار الذي يناظرها بغيظ ..

سفيان بتساؤل :
- مخابرات إيه يا عمار ؟.. انت شغال في المخابرات ؟

عمار بتنهيدة :
- آه يا عمي .

سفيان :
- وليه منعرفش حاجه زي كده ؟.. أبوك عارف ؟

عمار وهو يزفر بضيق :
- محدش بره الأوضة دي يعرف غير أصالة وتيتا شهد .

ملك :
- طب ليه كده يا عمار ؟ .. انت معرض للخطر في كل دقيقة !

عمار بابتسامة :
- كلنا معرضين للخطر يا عمتي في كل دقيقة .. المهم أنا جيت اتطمن على بدور وده أهم حاليًا .

ابتسامة بلهاء ارتسمت على ثغرها أخفتها سريعًا لكنها لم تخفى على تلك الواقفة إلى أحد الزوايا تراقب الوضع بهدوء وصمت .

عمار بتساؤل :
- انتي كنتي رايحة فين يا بدور وقت الحادثة ؟

توترت ملامحها وهربت بعينيها في تشتت ولكن أنقذها طرق على باب الغرفة تبعه إذن سفيان للطارق بالدخول ..

ولج علي الجالس إلى مقعد متحرك تدفعه فتاة ما إلى الغرفة وهو يبتسم بهدوء وتوتر متحدثًا بلباقة :
- السلام عليكم .. آسف لو جيت في وقت مش مناسب بس .. حبيت يعني أتطمن على الآنسة بدور .

سفيان بابتسامة مرحبة :
- أبدًا يا أستاذ علي .. اتفضل .. أعرفكم .. عمار مـ مـحامي .. محامي آه ويبقى ابن خال بدور .. ودي اا ..

غادة مُنهية حيرته بابتسامة :
- غادة خالد .. مساعدة المتر .

أنهت عبارتها وهي تنظر لعمار الذي ناظرها بجاجب مرفوع فأشاحت وجهها بعيدًا ..
كل هذا تحت نظرات بدور المتخبطة في مشاعرها وأفكارها ..

تابع سفيان مقاطعًا الأجواء :
- ده أستاذ علي يا عمار .. زميل بدور في الجريدة اللي شغالة فيها .

قدم عمار يده مصافحًا علي وهو يتحدث بابتسامة مصطنعة :
- حمد الله على السلامه يا أستاذ علي .

أومأ علي بابتسامة ودودة وهو يجيبه :
- الله يسلمك يا متر .. اا .. في الحقيقة أنا .. يعني كنت اا ..

قاطعه عمار بحزم :
- ياريت ننسى موضوع الحادثة .. وكل حاجه تتعلق بيها .. و ..

علي مقاطعًا بدوره :
- حضرتك محامي طلعت من محاكمة في قضية قالبة البلد وفجأه ع الطريق طلع عليك بلطجية ولما حاولت تفلت منهم دخلت فينا فقدنا زميلتنا .. وأنا وبدور راقدين في المستشفى .. يعني إيه عايزنا ننسى الحادثة ؟.. ثم إنه المفروض في بلاغ وتحقيق في الحادثة .

كز عمار أسنانه بضيق من هذا الـ علي فتحدثت غادة نيابة عنه :
- حضرتك مين قالك إن أستاذ عمار كان ماسك القضية اللي قالبة البلد يا أستاذ علي .. هو كان مجرد محامي ماسك قضية مختلفة تمامًا وكان هيتم المحاكمة فيها بعد المحاكمة اللي بتتكلم عنها .. والبلطجية اللي طلعوا علينا اتعمل بلاغ فعلا واتمسكوا واتعرف إنهم كانوا مجرد بلطجية حاولوا يسرقوا العربية .

علي بنظرة شك :
- اممم .. مكنش فيه أي محاكمة في اليوم ده غير القضية اللي اتكلمت عنها .. بالإضافة إنه إزاي كان فيه بلاغ واتمسكوا المجرمين دول وكل ده بدون ما يتحقق معايا أنا وبدور ؟!.. تقريبًا إحنا الضحايا في الموضوع ده .. ذائد بلطجية عايزين يسرقوا عربية معاهم مسدسات طلق حي وبيضربوا بيها في عز النهار ؟

عمار بثبات :
- اللي عايز تعمله يا أستاذ علي اتفضل اعمله .. كلامنا كده خلص .

تابع وهو يوجه حديثه لسفيان :
- أنا مضطر استأذن يا عمي .. لو حضرتك احتجت حاجه ياريت متترددش تكلمني ..

تابع وهو يوجه حديثه لملك :
- عمتي .. مش محتاجة أقولك كلميني في أي وقت ولأي ظرف ..

تابع وهو يوجه حديثه لبدور التي تزدرد ريقها بتيه :
- حمد الله على سلامتك يا بدور ..

تابع مضفيًا بعض المرح والمزاح لحديثه :
متحاوليش تعملي أي تجميل في وشك عشان أفضل معلمك .

ناظرته بغيظ وهي تضم شفتيها للأمام .. وقبل أن يتحرك للخارج صدح صوت بدر التي وصلت للتو وهي تتحدث بصياح :
- حد يشييييل مناااااي .

تحركت غادة سريعًا وحملت معها باقة الورد الضخمة وتركت لها تلك الحقيبة المليئة بالعصائر والتي تبدو أنها جميعها عصائر مانجو ..

عمار وهو ينظر للزهور بتعجب :
- كل ده بوكيه ؟!.. انتي جايبة للمستشفى كلها ولا إيه يا بدر ؟

بدر وهي تلهث بتعب :
- كله للست بدور يكشي يطمر بس .

غادة بذهول :
- لا إله إلا الله .. بجد سبحان الله .. ده انتوا نسخة من بعض .. ليك حق تتلخبط بينهم يا عمار .

انتقلت عينا عمار مباشرة لتسقط داخل عيني بدور المتقدة بشر لا يعلم سببه .. ولم يهتم في الواقع .. فتحدث وهو يهم بالذهاب :
- يلا بعد إذنكم .

علي موجهًا حديثه لعمار وكأنه قد أعلن عن عِداء خفي لا يعلم أحد سببه ولا حتى هم أنفسهم :
- أكيد هنتقابل تاني يا .. مِتر .

توقف عمار لثانية فقط وابتسم ابتسامة صفراء وهو يتحدث دون أن يلتفت له :
- ده يبقى شرف ليا يا .. أستاذ علي .

أنهى عبارته وغادر لتتبعه غادة بعدما استأذنت الجميع وتحمدت لبدور على سلامتها .. ألقت نظره تجاه علي ثم خرجت بسرعة لتلحق بعمار ..

بينما زفرت بدور دون صوت وداخلها يتوهج غيظًا من فكرة التصاق تلك الفتاة بعمار طوال الوقت ..

علي متحدثًا بحرج :
- بعتذر عن اللي حصل من شوية .. أنا ..

سفيان مقاطعًا بود :
- مفيش داعي تعتذر يا أستاذ علي .. مش ديما الاعتذارات صح .. لما تكون بتتكلم عن حاجه صح في الوقت الصح والمكان الصح إوعى تعتذر عنها .. لإنك صح .

ابتسم علي بود قبل أن يلتفت لبدور وتحدث :
- حمد الله على سلامتك يا آنسة بدور .

بدور بتنيهدة وابتسامة مغتصبة :
- حمد الله على سلامتك كمان يا أستاذ علي .. وآسفه عشان ..

علي مقاطعًا :
- مش ديما الاعتذارات صح .. لما تكوني بتؤدي واجبك وبتعملي اللي عليكي والظروف تيجي ضدك تهد كل حاجه .. متعتذريش .. لإن ده ببساطة خارج إرادتك ذائد إنه قدر ومكتوب .

أنهى حديثه ونظر لسفيان الذي ابتسم له بتأييد فاستأذن علي بالعودة لغرفته بعدما قدم لهم أخته سُمية والتي لم تتجاوز العشرين بعد ..

غادر علي لتتنهد بدور بضيق فاقتربت بدر وقامت باستخراج زجاجة بلاستيكية من الحقيبة التي أتت بها وتحدثت بمرح :
- شوفي بقا جبتلك معايا إيييه .

بدور بفرحة :
- الله !!.. عصير مانجه .

ابتسمت بدر لها وهي تتحدث بعبث :
- هتخليني أكتب ع الجبس هديكي العصير .. مش هتخليني يبقى مفيش عصير وهاخد وردي كمان معايا .

بدور بغيظ وهي تضم ملامحها بتذمر كالأطفال جعل الجميع يضحك عليها :
- خبيثة .

وافقت بدور على شرط بدر .. وبالفعل أعطتها بدر العصير وبدأت تكتب فوق الجبس الخاص بذراع بدور .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

جلسا يحتسيان القهوة في مكان هادئ ليتحدث وسيم بشيء من الفضول :
- قصدك إيه بإن شعرك كده غصب عنك .

كان ريان على وشك إنهاء الحديث لكنه تذكر في أحد المرات حينما قالت له أمنية " عايز تتخلص من إحساسك بالضيق من نظرات الشفقة ؟.. اديهم حافز يشفقوا عليك "

نظر لوسيم الذي ينتظر إجابته وقام بنزع قبعته وضعها فوق الطاولة ثم تحدث بثبات ظاهري :
- كانسر .

بقي نظر وسيم كما هو كأنه يعيد تكرار الرد في عقلة كي يستنتج الرابط بين خصلات ريان والكانسر .. وما إن استطاع تحليل الأمر حتى أشاح وجهه ناظرًا للكوب أمامه .. مرت دقيقة والثانية قبل أن يقطع وسيم الصمت بتنهيدة :
- تعرف .. الكانسر اللي بجد .. هو الروتين والحياة الاعتيادية والسهلة .. عايز حاجه تلاقيها .. تُطلب حاجة تُجاب .. يوم واحد بتعيشه كل يوم على مدار العمر .. الصحاب زي الورق .. مفيش حبيب .. ملكش لا أمان ولا ملجأ .. الأب في سفرياته وحفلاته .. والأم في مواكبة الموضة وحفلاتها .. التجمع كأسرة مبيحصلش غير لو معزومين على حفلة مثلًا .. وبردو كل واحد في ناحية .. لو وقعت في أزمة المحامي يخرجك منها .. تحتار متبقاش عارف المحامي ده أبوك ولا أخوك عشان يقف جنبك كده .. وفي الآخر تكتشف إنه جنبك بس عشان الفلوس اللي هيقبضها .

ضحك بسخرية وهو يتابع :
- يا ترى لو تعبت التعب اللي هو يعني هلاقي اللي يخاف عليا ويهتم بيا عشاني ولا ..

تنهد بحزن تام ليعلم ريان أنه أفضل ألف مرة من غيره .. وسيم يملك الأب والأم وربما إخوه وأصدقاء وأحباب ومال وكل ما يحتاجه يمكنه الحصول عليه .. لكن كل شيء مزيف .. لا يمتلك حضنًا كامتلاكه هو لحضن والدته التي وإن طالت لأعادته لداخلها كي تحميه من هذا العالم .. هذا كافٍ جدًا بالنسبة إليه وهذا بنعم الدنيا أجمع ..

ريان بهدوء :
- تفتكر لو بدلت أنا وانت الأماكن هنكون راضيين ؟

وسيم بنفي :
- لسه من نص ساعه قلتلي محدش عاجبه حاله .. تفتكر انت ممكن نوصل للرضى ؟

ابتسم ريان باتساع وهو يتحدث بشغف غريب :
- بقولك يا صحبي .. تيجي نتصور ؟

ناظره وسيم لدقيقة دون أن يدري مقصد ريان من حديثه هذا حتى تحرك ريان وذهب لمصور السيشن الذي رآه من بعيد .. وطلب منه أن يلتقط له ووسيم صورًا مميزة ..
وبالفعل قام الفوتوجرافر بالتقاط العديد من الصور لريان ووسيم والتي تبدو وكأنهما صديقين مقربين للغاية ومنذ زمن .. وقام المصور بالتقاط صورة عفوية لهما وهما يتحدثان دون أن يُدركا بذلك ..

قرر كلاهما أن يتمشيا لبعض الوقت وقد صادف ريان سيدة تقوم بشوي الذرة على الطريق فابتاع منها اثنين له ولوسيم الذي نظر للذرة بصدمة .. ليشجعه ريان واندمجا في أكل الذرة حتى رأي وسيم بائع غزل البنات فنظر لريان الذي نفى وهو يضحك بصخب ويتحدث من بين ضحكاته :
- لا لا مش للدرجادي .

وسيم بضحكة :
- أبدًا وربنا لازم أجرب .

ذهب سريعًا وابتاع كل ما يملكه الرجل وأخذ يأكل وريان حتى لم يستطيعا المزيد فتحرك وسيم وأعطى الباقي معه لفتاة وأخيها يلعبان على الكورنيش وتحرك مغادرًا وريان ..

تبادلا أرقام الهواتف وتواعدا على التلاقي من جديد .. ليعود ريان إلى منزله بشعور جديد .. إقبال على الحياة لم يعهده من قبل .. يبدو أن الحياة تناديه ..

وكذلك وسيم الذي ما إن افترق عن ريان حتى علم أنه يملك كنزًا ويمكن استغلاله فيما يسعده ببساطة ..
فقرر التبرع بمبلغ لا بأس به لمستشفى الأورام وطالب ألا يُذكر اسمه .. ومن هنا قرر أن يبدأ من جديد .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

صعدت إلى أحد السرافيس وهي تخلع عن كتفها حقيبتها اليدوية الطويلة بعض الشئ والتي لا تتخلى عنها أينما ذهبت ..

كانت تود الجلوس بجانب النافذة كعادتها الطفولية .. لكنها وجدت إحدى السيدات تجلس إليها فقررت الجلوس إلى جانبها .. على أي حال هو المقعد الوحيد الفارغ ..

- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

هذا ما اردفت به وجد فأجابت السيدة بابتسامة ودودة : - وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. إزيك يا حبيبتي ؟

بادلتها وجد ابتسامتها بأخرى ودودة متمتمه في خفة :
- الحمد لله يا طنط .

ربتت السيدة فوق كتفها براحة يدها وهي تدعو لها بحب كبير .. كأنها تعرفها منذ زمن .. لتدس وجد يدها داخل حقيبتها وتخرج عنها قطعة شوكالا من بين مجموعة من القطع التي لا تخلُ حقيبتها منها .. وقامت بتقديمها للسيدة التي أخذتها بابتسامة وهي تعاود الدعاء لها ..

صعدت إحدى السيدات ليتحرك أحد الشباب الجالس في المقاعد الامامية وأجلسها وبقي هو واقفًا ..

التفتت وجد بعينيها لترى تلك الصغيرة التي لا يتعدى عمرها الست سنوات وربما أقل .. تناظرها بتمعن ..
عقدت وجد حاجبيها معًا لتبتسم لها الفتاة فبادلتها وجد الابتسامة .. ومن ثم دست يدها في حقيبتها وأخرجت قطعة أخرى ومدت يدها للصغيرة التي تجلس في المقعد الأمامي للسيدة الجالسه بجانبها ..

التفتت الفتاة تناظر ذاك الشاب الذي تخلى عن مقعده من أجل السيدة .. ثم التفتت ومدت يدها وأخذت الشوكالا من يدها .

داعبت وجد وجنتها وهي تتساءل :
- إسمك إيه بقا .

لم تُجب الفتاة وبقيت تطالع وجد بابتسامة .. في حين عاودت وجد سؤالها وهي تبتسم لها بنقاء لتستمع لصوت ذاك الشاب الذي يقف بالقرب من مقعد السيدة الجالسة أمامها :
- جميلة .

اختفت ابتسامة وجد وهي تبعد يدها عن الصغيرة بعد أن تخلت عن ابتسامتها وقامت بإخراج هاتفها عن الحقيبة وبدأت العبث به حتى وصلت لوجهتها وغادرت في صمت تام .

وكما يقولون .. رُبّ صدفة خير من ألف ميعاد .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

حل المساء وخرج الطبيب من غرفة بدور وقد صرَّح كونها يمكن أن تتابع تلقي علاجها منزليًا بدءًا من الغد كما وصى على المراجعه باستمرار ..

ولج سفيان لغرفة بدور ليجدها تضحك مع أصالة وبدر ووجد .. في حين تجلس ملك وأريج وسبأ في زاوية بالغرفة يتحدثن عن أمور عدة .. فقرر أن يجلب عشاءً لهن ..

غادر بصمت ليقابله عمار في الأسفل وقد صرح كونه سيجلب عشاءً وقد قرر عمار الذهاب معه ..

مرت قرابة الساعه ليعودا إلى المستشفى .. ولسوء الحظ تقابل عمار مع علي الذي يجلس على كرسي متحرك بسبب قدمه المكسورة .. وبعض اللاصقات الطبية على وجهه ..

تحرك سفيان تجاهه بتساؤل :
- رايح فين يا أستاذ علي؟

على بتنهيدة وابتسامة هادئة :
- اتكتبلي خروج الليلادي يا دكتور وكنت جاي أتطمن عليكم لو مش هيزعجك وهمشي .

سفيان بتساؤل :
- إنت لوحدك ؟

علي بنفي :
- لا لا والدتي وأختي وابن عمي معايا بس طلبت منهم ينتظروني في الغرفة .

أومأ سفيان وهو يتحمد له على سلامته ومن ثم تحرك به لغرفة بدور ..

طرق عدة طرقات وأبلغ الجميع بحضور عمار وعلي ..

لم ينتبه أو يرى تلك النظرات التي يدحج بها كل منهما الآخر ولا يعلمان هم سبب هذه النظرات .. جُل ما يعرفانه أنهما في تحدٍ مجهول .

دعاهما سفيان للدخول ليخفض علي بصره وتحدث بهدوء :
- السلام عليكم .. حمد الله على سلامتك مره تانيه يا آنسة بدور .. وإن شاء الله تقومي بالسلامه قريب .. جيت أسألك لو محتاجة حاجه لإني عملت خروج النهاردة من المستشفى .

بدور بابتسامة هادئة :
- شكرًا بجد يا أستاذ علي .. وحمد الله على سلامتك .. إن شاء الله فترة بسيطة وأرجع الجريده .. بس كنت عايزة أسأل يعني بخصوص القضية إيه موقف الجريدة منها ؟

زفر علي بقلة حيلة وهو يتحدث بضيق :
- مش عارف تحديدًا .. بكره هسأل شدا بأمر الله وأعرف الدنيا فيها إيه .

بدور :
- ربنا يقدم الخير .

استأذن علي وغادر لينضم عمار للجلوس بصحبتهم وقد جلس بجوار أصالة وتليها سبأ وباقي النساء ..

تناول الجميع العشاء قبل أن يعلن الباب عن قدوم أحدهم فأذن سفيان بالدخول لتركض شدا تجاه بدور وهي تتحمد لها على سلامتها وتعتذر لعلمها بالأمر فقط منذ ساعات ..

بدور :
- محصلش حاجه يا شدا .. متعتذريش يا حبيبتي .

شدا بانتباه :
- سوري يا جماعه بجد .. أنا اتلهوجت بس ونسيت أسلم .. أنا شدا صديقة بدور في الجريدة .

صافحت الجميع وقدم الجميع أنفسهم لها .. فتحدثت بهدوء :
- في الحقيقة حازم معايا بره يا بدور وكان حابب يتطمن عليكي .

بدور بتأكيد :
- خليه يتفضل يا شدا طبعًا .

ولج حازم بمزاحه المعتاد :
- يارب كل الوحشين وانتي لا يا زميلتـ ..

ابتلع باقي حديثه وهو يرى هذا الكم من الأشخاص في الغرفة ليتحمحم وهو يتحدث بهدوء :
- حمد الله على السلامه يا آنسة بدور .

بدور بضحكة خفيفة :
- الله يسلمك يا أستاذ حازم .. شكرًا بجد على السؤال .

تقدم حازم مصافحًا سفيان وكذلك عمار لكنه توقف وهو ينظر لعمار قليلًا قبل أن يتساءل بشك :
- هو .. في سابق معرفة بينا ولا دي أول مره ؟

عمار بعدم فهم :
- إزاي مش فاهم ؟

حازم وهو يفرك ذقنه بتفكير :
- حاسس إني شوفتك قبل كد..... اااه .. عمار باشا .. افتكرتك .

توترت ملامح عمار في الحال وانحدرت عينيه لا إراديًا إلى والدته التي تتابع الحديث بثقب لم يتعجب منه .. ثم تحدث بهدوء :
- واضح فعلا إن فيه سابق معرفة .

حازم بتأكيد :
- فعلًا .. كان فيه قضية اختطاف خاصة بدالين الربيعي .. وحضرتك كنت ماسك قضيـ ..

سعلت بدور بشدة مما أوقف حازم عن الحديث وتوتر الجميع قبل أن تركض ملك تجاه ابنتها وهي تسأل بقلق :
- مالك يا حبيبتي انتي كويسه ؟.. أجيب الدكتور ؟

نفت بدور بابتسامة وهي تتحدث بوهن مصطنع :
- لا لا يا ماما .. أنا بقيت كويسة دلوقتي .

حولت نظرها تجاه عمار وأشارت بخفاء كي يخرج ففهم كونها فعلت ذلك كي لا يتحدث حازم عن كونه ظابط مخابرات لأنه أخبرها كونه لا أحد يعلم عن هذا سوى أصاله وجدته .. وفي هذا الوقت والدته هنا وكذلك وجد وبدر .

تحمحم عمار وهو يتحدث باقتراح :
- أنا بقول نخفف النفس في الغرفة عشان كده غلط .. يلا يا .. يا أمي وأصالة .. وبأمر الله بكره نروحلها البيت أخر اليوم .

وافق كليهما وخرجا بعدما تصافح الجميع ...
في حين خرج سفيان بصحبة حازم الذي تايع حديثه :
- قضية خطف دالين الربيعي كان مشكوك فيها إنها اتاخدت تبع ناس شغلهم في الممنوعات .. وشوفتك مع العقيد الجنائي لؤي الأديب .. فاكر ؟

عمار بتنهيدة :
- أنا فاكر القضية دي فعلًا ولؤي الأديب صديق فاضل ليا كمان .

حازم :
- تشرفت بمعرفتك .. وبالمناسبة السعيدة دي .. شدا دي تبقى خطيبته .

رفع عمار جاجبيه وتحدث بابتسامة لطيفة :
- مبارك وربنا يتمم بخير .

أمنت شدا على دعائه ثم افترق الجميع وعاد كل لمنزله لتنقضي ليلة أخرى من ليالي أعمارهم .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

مر يوم وتلاه الآخر حتى ولج عمار فجأة إلى مكتب اللواء وهو يصيح بسعادة :
- خمن اللي حصل .

ناظره اللواء بتعجب من هذا الاندفاع لكنه ابتسم باطمئنان وهو يرى هذه السعادة .. هذا يعني أنه أحرز هدفًا مهمًا للفترة القادمة .

اللواء :
- فرحني معاك يا سيادة النقيب .

عمار وهو يضع الملف أمامه :
- كل المعلومات اللي تخص الشحنة الجديدة واللي هتتم جوه الجامعه ... ترااا .

قال آخر كلمته وهو يرفع يديه بحركة درامية علامة المفاجأه لتُزال ابتسامة اللواء في الحال وهو يتساءل يتعجب :
- جامعة إيه ؟!

عمار ببساطة :
- جامعة القاهرة يا سامي بيه .. هتتسلم الشحنة جوه حرم الجامعه .

غاده من خلفهم :
- في معلومة عندي عايزه أضيفها .. لاحظتها لما قبضنا ع الشحنة الأخيرة لكن مجتش فرصة أتكلم فيها .

عمار بانتباه :
- إيه ؟

غادة بتوضيح :
- البضاعه القطاعي اللي اتقفشت في الجامعه .. كانت عبواتها عليها علامة مثلث جوا دايرة فيها حرف ال R .. نفس العلامة دي كانت على عبوات البضاعه اللي اتحفظ عليها في الجبل .

عمار مضيقًا عينيه بتركيز :
- وده معناه إننا بنلف في دايرة واحده .

عادة بتأكيد :
- بالظبط كده .. دلوقتي هما قرروا تكون عمليتهم في الجامعه بناءً على معرفتهم إن عمار اتنازل عن القضية .. فقرروا يرجعوا للبداية تاني واللي المفروض إنها مش هتخطر على بال اللي هيمسك القضية من بعد عمار .. أو إنه هيستخف بفكرة إنهم يرجعوا الحلقة من أولها .. فبالتالي اعتمدوا على .. خلينا نقول غباءهم .

عمار بتنهيدة :
- معاد التسليم هيـ ..

قطع حديثه حينما أتى للواء اتصال فأشار بيده حتى أجاب بصمت يستمع فقط لحديث الطرف الثاني ثم أغلق دون أن يتحدث .. وزع نظراته بين عمار عاقد الحاجبين وغادة التي تنظر له بترقب .. فأفصح بهدوء تام :
- العملية بعد أسبوعين في جامعة القاهرة قبل طلوع الفجر .

ضيق عمار عينيه وهو ينظر للواء بتركيز وترقب :
- مين اللي كان بيتكلم ؟

اللواء بهدوء تام :
- العين اللي لينا في الجامعه .

عمار وهو يضرب المكتب أمامه بغيظ :
- هو إيه المشكلة لو اتكشفلنا .. إحنا مش هناكله .

هدر اللواء بضيق :
- الشخصية دي بالذات يا عمار مبتظهرش في أي شغل .. مش معروفة أبدًا في الجهاز .. ولا يعرف عن وجودها أصلا غيري أنا ورئيس الجهاز .. وبس يا عمار .. وبس .

كز عمار أسنانه بضيق وتحرك بعدما ألقى كلماته :
- المعلومات كلها عندك .. وبعد أسبوع هنحط خطة المداهمة ونظبط أمورنا .. وخلي عينا اللي هناك تفتح كويس .. عشان لو حصل غلط ولو بسيط .. هخرم العين دي بنفسي .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

كان المنزل يعج بالضوضاء التي يخلفها جميع الأحبة المتجمعين في منزل سفيان يتحمدون لسلامة بدور التي تجلس بصحبة الفتيات ..

إسلام وهو يوجه حديثه لمريم :
- مريم يا ختي إلهِ يسترك دنيا وآخرة ناوليني كوباية الميه دي .. الواحد حاسس إن العضمه كبرت مبقاش قادر يتحرك .

أريج بضحكة وهي تنظر لوالدتها :
- إيه يا رورو .. مش مهتمية بالراجل ليه ؟

جحظت أروى بعينيها وهي ترمقها بتوعد ليضحك الجميع عليها ..

مريم وهي تضرب أريج على فخذها بخفة :
- لسانك يا حبيبتي طِول وعايز يتقص .. ولا إيه رأيك يا وليد ؟

وليد وهو ينظر لأريج بتوعد :
- عيني يا ست الكل شاوري بس .

أريج بشهقة :
- شوف الراجل .

عادت الضحكة من جديد قطعها صوت الباب ليتحرك بشير تجاهه وفتحه بابتسامة وهو يصافح عمار بحراره :
- إيه يا عم .. واحشني .

عمار :
- ميوحشكش غالي يا بشير .. جيتلك أول ما كلمتني أهو .

بشير بود :
- تسلملي يا غالي .. تعالى يلا ده إحنا قاعدين قعدة ملوكي جوه .. أومال فين عمي مالك ووالدتك؟

عمار ببساطة :
- بابا كلمته وأنا جاي قال هيخلص شغل وييجي على هنا .

بشير مومئًا بتفهم :
- بالسلامه يارب .

ولج عمار ليلاقي الترحاب من الجميع .. جلس بينهم وشعر لأول مره بشعور غريب .. شعور الدفء إن لم يكن مخطئًا .. إنه يمتلك عائلة رائعة حقًا .. دار بعينيه على الجميع وهو يحاول ربط فروع الشجرة ببعضها .

جدته مريم وجده إسلام والعم سفيان .. الثلاثة إخوه وها هم يد واحدة في هذه الأزمة .. ومع كل فرد منهم أسرته الصغيرة .. رغم مشاغل الحياة وصعوبتها .. إلا أنهم ما أن تطلب الأمر جمعهم توحدوا !.. ترى هل سيكون هكذا وأخوته في المستقبل ؟!

كان يستمع لضحكاتهم بقلب سعيد مبتهج لهذا الكم من الدفء والراحة بينهم .. وليد لا يكف عن النظر لوالده مريم كل فنية وأخرى ويبتسم لابتسامتها كأنها كنزه في هذه الدنيا .. كما هي تقوم بالتربيت على قدمه ما إن يقول شيء يجعلهم يضحكون ..
عمه سفيان يقوم بتقبيل يدها كل دقيقتين تقريبًا .. لتربت على يده الممسكة بيدها وابتسامة محبة تعلُ شفتيها ..
جده إسلام يشاكسها بين الحين والآخر فيتصدر له سفيان ووليد وبشير وحتى زوجته أروى وابنته أريج .. فيرفع يديه باستسلام معلنًا رفع الراية البيضاء ..
يتمنى أن يكون هكذا هو وأختيه وأخيه في المستقبل .

أفاقه من تأمله بهم صوت باب المنزل وتوجه بشير سريعًا لفتحه وهو يرحب بقدوم جده مروان وجدته شهد وكذلك فجر ووالده ..

استقبلهم الجميع وانضموا للجلوس لتكتمل الدائرة إلا جزء منها ينقصهم ..
لطالما كان ينقصهم ..
ابتسم بتهكم وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا في لمة طبيعية عائلية .. لا ينقصها سوى والدته ..

بينما في غرفة الفتيات فكانت وجد تسترخي بجانب بدور فوق الفراش ... في حين تجلس كل من بدر وأصالة وسلسبيل والتوأم روضة ورضوى متوزعين بالغرفة .. ويتحدثن بشغف عما سيفعلنه في فرح بدور أو وجد او أصالة... فهما الثلاثة ذو تفكير واحد .. يريدون خطبة شرعية خالية من الخلوة الغير شرعية .. وخالية من المكالمات الهاتفية والرسائل الفيسبوكيه .. بينما الباقيات لم يفكرن في الأمر حتى ..

ولكن ما جعل المكان يعمه الصمت هو سؤال بدر المفاجيء :
- تفتكروا إحنا ننفع نفتح بيوت ؟!

صمت تام تبعه إنفجارهم في الضحك جميعًا ..

انقضى وقت لا بأس به من السعادة التي عمت الجميع بسبب هذا التجمع الذي افتقدوه منذ زمن بعيد .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

ولج لمكتبه وجلس بشغف جديد بعدما طلب حضور إيلاف إليه ما إن تأتي للشركة ..

قليل من الوقت وأعلنت طرقات الباب عن وصولها ليبتسم بشوق كبير .. أذن لها بالدخول لتلج بهدوء وهي تبتسم ابتسامة اشتاق لها رغم كونه لم يرى هذه الابتسامة سوى مره واحدة فقط ..
بشير :
- اتفضلي يا مشرفاني .

ازدادت ابتسامتها وهي تتحدث بعدم تصديق :
بجد !!

أومأ بشير وهو يؤكد :
- حقيقي أنا كنت واثق فيكي .. لكن انتي ما شاء الله تعديتي الثقة كمان فبقيت معتمد عليكي .

إيلاف بتنهيدة ارتياح :
- الحمد لله .

بشير وهو يشير لها بالجلوس :
- طب تعالي اقعدي بقا عشان فيه شوية حاجات كده نتمم عليها بسرعة .

إيلاف بتساؤل :
- حضرتك مستعجل .

بشير وهو ينظر لها بغيظ :
- حضرتي !.. يعني وحضرتك مش مستعجلة كمان .

إيلاف بحمحمة :
- اا .. لـ لا مش مستعجلة !

بشير :
- انتي مش جاية خطوبة أصالة بنت عمي مالك؟

إيلاف بتذكر :
- اااه .. صحيح نسيت الموضوع ده فعلا .

بشير بابتسامة :
- أي خدمة .. يلا ع السريع بقا لحسن عمار عايزني معاه .

أومأت إيلاف وبدآ في العمل معًا من جديد وقلب بشير يضرب بسعادة لتأكده أخيرًا من مشاعره تجاهها .. لقد اشتاق لها بحق في تلك الفترة .. وما المشتاق إلا محب .

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

أعلن هاتفها عن اتصال لتجيب بسعادة وهي تقف أمام مرآة غرفتها ترى فستانها الجديد عليها :
- صولا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا قمري .

أصالة بسعادة :
- وعليييييكم السلام ورحمة الله وبركاته يا حبيبة قلب أصالة .. فينك يا بدور بقا .. مجيتوش ليه لحد دلوقتي ؟.. أنا معملتش أي حاجه على فكره ومستنياكوا .

بدور :
- خلاص يا حبيبتي مسافة الطريق بس .. كلمتي وجد ولا لسه ؟

أصالة :
- هكلمها أشوفها أهو .

بدور :
- خلاص تمام وإحنا مش هنتأخر بأمر الله .

مر بعض الوقت واجتمعت الفتيات في غرفة أصالة وبدأن بمشاكسة أصالة التي تشعر بالارتباك والتوتر ..

طرقات على باب الغرفة تحركت على أثرها أصالة ركضًا كي تستقبل أخيها ..

ابتسم لها بحب وهو يراها بهذا الفستان الطويل ذو الطبقات بلونه السماوي وخمارها الأبيض والذي يعلوه طوق من الورد الصناعي ذو اللونين الأبيض والسماوي ..

عمار وهو يقبل جبينها :
- النهاردة خطوبتك يا بنتي .

أصالة بابتسامة :
- بنتك !

عمار بتأكيد :
- طبعًا بنتي .. بنتي وأمي وأختي وصحبتي وحبيبتي كمان .

أصالة بابتسامة هادئة :
- حلو الفستان يا عمار ؟

أنهت جملتها وهي تدور حول نفسها ليبتسم بحب وهو يجيبها بهدوء :
- انتي اللي محلية الفستان يا صولا .

أصالة وهي تضربه على كتفه بخفة :
- بطل تكسفني بقا .

عمار بضحكة خفيفة :
- ما هو الكلام ده مش هتسمعيه دلوقتي غير مني أنا وبس .. متستنيش من كنان يقوله عشان لو لمَّح حتى بالكلام هـ ..

أصالة وهب تضع يدها على فمه :
- بالله ما انت مكمل .. هو أصلا طفش خلاص .

ضحكا معًا قبل أن يقلها وسلسبيل في سيارته إلى القاعة التي سيتم فيها إعلان الخطبة .. ومن خلفه سيارة سفيان بصحبته توأميه وزوجته .. وكذلك بشير بصحبته فجر وجدته ووجد ..

ولج الجميع للقاعة ويمسك عمار بكف أخته ليقابله كنان عند الباب الداخلي ..

عمار بصوت خفيض :
- لو بيحلم حتى إنه يمسك إيدك فهصحيه من حلمه ده .

وصل عمار حيث ينتظرهما كنان ليبتسم له بهدوء وتحدث بجدية :
- يلا ؟

نظر له كنان باستفهام ليفسر عمار ببساطة :
- الخطوبة وعد بالجواز مش جواز رسمي .. فبالتالي مينفعش أسلمك إيد أختي قبل ما تكون رسمي على إسمك .

رمش كنان عدة مرات بتعجب .. ألا يزال يحدث هذا ؟!.. لكنه أومأ بهدوء وتحرك مع عمار وأصالة حيث المكان المخصص للجلوس ..

جلست أصالة فوق مقعدها وجلس إلى جوارها كنان لكنه تعجب لوجود وسادة في المنتصف بينهما لكنه لم يعلق ..

كنان بابتسامة :
- مبارك يا ست البنات .

أصالة بابتسامة هادئة :
- ربنا يباركلك .. اا .. انت متضايق ؟

كنان بتساؤل :
- متضايق !!.. هتضايق من إيه ؟

أصالة بتوضيح :
- عشان دخلت مع عمار يعني وكده .

كنان بابتسامة :
- بالعكس .. ده ميضايقش أبدًا .. أنا بس استغربت إنه مبقاش فيه كده في الزمن ده .

أصالة بأسف :
- فعلا للأسف مبقاش فيه .. بس طالما عارفين الصح والغلط يبقى نبدأ بنفسنا .

ابتسم كنان بتفهم وأشار لوالده الذي أعطى الشبكة لأحد مسئولي التنظيم بالقاعة ومن ثم أشار لعمار كي يأتي ..

صعد عمار بابتسامة هادئة حينما رأى تصرف كنان .. فاقترب متحدثًا بمزاح :
- الفقرة اللي بعد الشبكة فيها جاتوه ولا أسيحلكوا في المكان ؟

كنان بضحكة :
- لا يا عم إحنا نعملك جاتوه مخصوص أصلا .

عمار بابتسامة ودودة ولا يعلم لماذا تسرب شعور الراحة لداخله تجاه كنان ..
أمسك بالعلبة وقام بتلبيس الشبكة لأخته ثم وضع خاتم الخطبة الخاص بكنان في بنصره وصافحه وهو يتحدث برجاء خفي أقرب منه للتحذير :
- أصالة مش بس أختي .. أصالة دي كل حاجه ليا في الدنيا .. حافظ عليها عشان أنا مبتساهلش أبدًا في اللي يخصها .

كنان بابتسامة :
- وأنا مش بس هشيلها في عيني .. هشيلها في قلبي كمان .

ابتسم له عمار بهدوء ثم اقترب من أخته طابعًا قبلة رقيقة فوق جبينها قبل أن تصعد العائلة واحدًا تلو الآخر كي يهنئونهما ..

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

تجلس فوق أحد الطاولات بصحبة والدها ووالدتها وأختها تقلب عينيها في المكان بضجر تحول لبريق غريب حينما لمحته يدخل من باب القاعة بابتسامة غريبة لم تعهده عليها ..

تحرك بين الجموع وهو يصافح هذا وذاك والجميع يرحب به في ابتسامة محبة .. لطالما كان لين القلب نقي السريرة .

جلس فوق أحد المقاعد وجاورته والدته ووالده وكذلك أنس الصغير ..

اقترب مالك مرحبًا بقدومه ووالده وكذلك سبأ التي صافحت ديالا بشوق كبير ..

كانت على وشك أن تطلب من والدتها أن يذهبا ليشاركونهم في الجلوس لكنها لمحت تلك الفتاة التي ولجت إلى القاعة وتحركت ديالا إليها سريعًا ترحب بها وبوالدتها ..
تذكرتها في الحال .. وكيف لها أن تنساها ..

🌸 لسه الأمل موجود 🌸

🌸 يتبع 🌸

رواية وللأقدار أسباب الحلقة الرابعة والعشرون بقلم دنيا الشملول


تجلس فوق أحد الطاولات بصحبة والدها ووالدتها وأختها تقلب عينيها في المكان بضجر تحول لبريق غريب حينما لمحته يدخل من باب القاعة بابتسامة غريبة لم تعهده عليها ..

تحرك بين الجموع وهو يصافح هذا وذاك والجميع يرحب به بابتسامة محبة .. لطالما كان لين القلب نقي السريرة .

جلس فوق أحد المقاعد وجاورته والدته ووالده وكذلك أنس الصغير ..

اقترب مالك مرحبًا بقدومه ووالده وكذلك سبأ التي صافحت ديالا بشوق كبير ..

كانت على وشك أن تطلب من والدتها أن يذهبا ليشاركونهم في الجلوس لكنها لمحت تلك الفتاة التي ولجت إلى القاعة وتحركت ديالا إليها سريعًا ترحب بها وبوالدتها ..
تذكرتها في الحال .. وكيف لها أن تنساها وهي التي جعلت قلبها يشتعل بنيران الغضب عليها لقدرتها على إسعاده دونها .. وما ذاد من حقد قلبها أنها رأتها تشارك ريان وأسرته طاولتهم .. هذا ما كان ينقص الصورة كي تتضح أمامها الرؤية تمامًا ..

انتفضت بفزع حينما أمسكت زهرة بيدها في حنان ..

سندس بعينين دامعتين :
- إيه يا ماما ؟!.. خضتيني .

زهرة بحنان :
- تحبي نروح ؟

نفت سندس وهي تستنشق ما بأنفها في محاولة منها لكبح عبراتها ..

زهرة وهي تجذبها بهدوء :
- يلا نسلم على الجماعه .. ولازم تكوني سندس