القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية دمية مطرزة بالحب الفصل السابع والاربعون والاخير 47 بقلم ياسمين عادل

 رواية دمية مطرزة بالحب الفصل السابع والاربعون 47 بقلم ياسمين عادل
رواية دمية مطرزة بالحب الفصل السابع والاربعون 47 بقلم ياسمين عادل

رواية دمية مطرزة بالحب الفصل السابع والاربعون 47 بقلم ياسمين عادل

"وما الحُب إلا هدية، تُمنح فقط لمن يستحقوها."
__________________________________________
كانت أصوات صرخاتها بالداخل تضايقه وهو يحمّل نفسه المسؤولية كاملة بعد ما أصابها من إصابة يبدو إنها بالغة.
وقف "يزيد" بالخارج بينما كان الطبيب يجري لعا تدخل سريع من أجل إنقاذ بطنها التي تشوهت بفعل الحرق والتهبت الطبقة الخارجية من الجلد مكونة طبقات من الماء داخلها.
فتح "يزيد" هاتفه وقرر الإتصال بـ "ملك" كي يبلغها بضرورة حضورها إلى المشفى كي لا تكون بمفردها.. ولكنه كان خارج نطاق الخدمة، فـ تأفف منزعجًا وهو يهمس :
- ده وقته يعني؟

خرجت الممرضة وهي تحمل صحن من المواد المُستهلكة والتي تم استخدامها بالداخل، فـ استوقفها "يزيد" وهو يسأل بـ اهتمام :
- من فضلك، هي عامله إيه دلوقتي؟
- متقلقش هتتحسن، الموضوع مش خطير لكن هياخد وقت لحد ما يخف.. الدكتور هيبلغك بكل حاجه

ثم غادرت ووقف هو هكذا.
تذكر أمر "رغدة" التي أراد اللحاق بها قبل تجمع ما بقى من أشيائها وتنصرف، لا يوجد مبرر مقنع لرغبته في رؤيتها سوى إنه يريد التحدث، أو يريد إثبات شئ ما.
ولكنه لم يتم في كل الأحوال.. زفر "يزيد" حانقًا و :
- وبعدين في الحظ ده!
...........................................................................
لحقت "ملك" بـ المقهى المتواجد بالمشفى كي تطلب لنفسها مشروب بارد يخفف عنها توترها قليلًا.. وقبل أن تدخل كان يستوقفها أحدهم و :
- ملك!

التفتت لترى من ينادي، وحدقت فيه وهي تبتسم قائلة :
- محمود!

مدّ يده ليصافحها بحرارة و :
- أزيك، أنا متخيلتش أشوفك هنا!
- الحمد لله كويسة

وذمّت شفتيها وهي تعلن سبب بقائها هنا :
- آ... بابا تعبان شوية ومحجوز هنا

فـ عبس قليلًا و :
- آسف مكنتش أعرف، ألف سلامة عليه
- ولا يهمك

تأمل بنظرات خاطفة ذلك التطور البادي على شكلها، ثيابها الأنيقة، شعرها القصير الذي يليق بها كثيرًا، وجهها النضر الذي تفتح وأزّهر.. ثم أعلن إعجابه بصراحة وهو يلمس طرف خصلة منه :
- بس انتي اتغيرتي خالص! مش مصدق إني شايفك بالشكل ده.. انتي انضميتي لقايمة الستات اللي بتحلو بعد الطلاق

فـ ضحكت على مزحتهِ غير مدركة العيون الصارمة التي تراقب وتتابع كل شئ من مسافة مقننة.. كان "يونس" يرى كل ذلك وهو واقفًا بمحلهِ يأبى التحرك، لا يريد الإقتراب.. ولا يريد المغادرة، في نقطة بالمنتصف لا يفعل شيئًا سوى إنت يأكل في نفسهِ.. ولكن ما رؤية ذلك الغريب الذي أمسك بشعرها تحممت الدماء في عروقهِ وتشنجت عضلات فكهِ وهو يضغط عليه بقوة مندفعًا نحوهم.. كاد ينقض عليه ليفتك به في لحظة غضب ولكنه في اللحظة الأخيرة تدارك أمر نفسه وصاح مناديًا :
- مـلك

فـ استدارت برأسها نحوه ومازالت مبتسمة، ثم دنت منه وهي تقول :
- تعالى يايونس أعرفك، ده محمود إبن طنط هناء جارتنا

رمقهُ بنظرة مختنقة لم يواريها قط وقال على مضض :
- أهلًا

فـ مد "محمود" يده ليصافحه و :
- أهلًا

تجاهله "يونس" تمامًا وكأنه لم يراها واستدار بجسده كي يتحدث لـ "ملك" :
- أنا خلصت مع الحسابات، يلا بينا نمشي

وتنحى جانبًا كي يفسح لها الطريق وقد شعرت هي بالحرج من حزمِ أسلوبه :
- طب مش هتشرب حاجه زي ما قولتلي؟

فكان جامدًا وهو يرد بجدية :
- لأ مش عايز، وانتي كمان أبقي أشربي في البيت

فـ نطرت لـ "محمود" و :
- سلام يامحمود

فـ صافحها مرة أخرى وبشكل مطول أكثر :
- أبقي خلينا نشوفك ياملك
- إن شاء الله

فـ جذب "يونس" ذراعها كي تنفك يداهم وسحبها برفق خلفه كي لا تتعثر في شئ وهو يغمغم :
- كفاية كده

تدفقت السخونة المستحية من موقفهِ لوجهها الذي تصبغّ بالحُمرة.. وانتظرت حتى خرجت من المشفى، ثم اجتذبت ذراعها بعنف و :
- أنت ساحبني وراك كده ليه شايفني حيوانة؟؟

فتح سيارته وأشار لها بـ احتدام :
- أتفضلي أركبي

فـ جلست بمقعدها وانتظرت أن يجلس هو الآخر كي تستجوبهُ حول ما فعله.. ارتمى بثقلهِ في مقعد القيادة فسألت بحدة :
- أنت بتعاملني كده ليه يايونس؟ أنت أحرجتني قدامه وأحرجته هو كمان

فـ اشتعلت نظراته لها وهو يصيح بنبرة منفعلة :
- كمان خايفة على شعوره ومش مدركة انتي عملتي إيه؟.

فـ برأت نفسها غير واعية لماذا كل هذه العصبية المفرطة التي ظهرت عليه فجأة بينما كان هادئًا ساكنًا بالخارج :
- أنا معملتش حاجه، أنت اللي قلبت فجأة كده!

فـ أدار السيارة و أبعد ناظريه عنها وهو يقول :
- أصلي مجنون، بقلب لوحدي

وأخيرًا أجاب على مكالمات "يزيد" التي لم تنتهي وهدر فيه بعدما فتح مُكبر الصوت كي ينتبه للقيادة :
- عايـز إيـه يازفـت ؟
- طالما زفت يبقى متخانق، المهم.. نغم في المستشفى عشان وقعت القهوة المغلية على بطنها، ياريت تبعت ملك علشان تكون معاها

شهقت "ملك" مذعورة وهي تسأل بنبرة مرتفعة :
- نغم حصلها إيه يايزيد؟

فـ ضحك ضحكة ساخرة و :
- أنا قولت برضو إني هلاقيكي معاه، تعالى على الـ location اللي بعتهولك يايونس ولما تيجو هقولكم

وأغلق المكالمة كي لا يتعرض لمزيد من الأسئلة، جوابها يتضمن إدانة له.. فـ نقلت "ملك" نظراتها المتبرمة نحو "يونس" و أردفت :
- الموضوع مخلصش على فكرة، لما اطمن على نغم هشوف أسلوبك ده سببه إيه

وعقجت ذراعيها سويًا وهي تتمتم بـ استياء :
- الأخ وأخوه زي ما يكونوا متفقين عليا.. محدش مريحني

فـ قبضت أصابعه على المقود وهو يسأل مغتاظًا :
- بتقولي إيه؟
- ملكش دعوة بيا

فـ أشاح بوجهه عنها و :
- أحسن برضو
............................................................................
كانت عيناها تلمع متجليًا فيها بقايا الدموع بعد ما عانته باللحظات العسيرة الماضية من شعور الإلتهاب ذاك ولعنته.. هدأت الدهانات الطبية قليلًا من ألمها وتم تغطيته بطبقة سميكة من القطن بدون الربط عليه.
ولج "يزيد" وهو ينظر إليها متفحصًا وسأل :
- حاسة بتحسن؟

فـ أومأت برأسها و :
- آه، آسفة إني عطلتك

فـ تنهد "يزيد" و :
- مش فاهم انتي كنتي جاية ليه وقهوتي بتعمل إيه معاكي؟؟ أنتي مش قادرة تنسي المكان اللي بتنتمي ليه ولا إيه؟

فـ أحادت بصرها عنه بدون أن تتفوه بكلمة على عكس عادتها، في الحالات الطبيعية ترد على حديثه بألف كلمة مضادة، ولكنها ليست في حال تمكنها من المماطلة والحديث الطويل.. تنغض جبينه بـ استغراب و :
- أنتي كويسة ؟

فـ أجابت بـ اقتضاب :
- آه كويسة

فـ سخر منها قائلًا :
- غريبة! لسانك العشرة متر راح فين؟
- نــغم؟

ضربت "ملك" بصوتها آذانهِ.. فـ التفت ينظر إليها وهي تخطو نحوها بعجل وسدّ عليها طريقها وهو يحذرها :
- رايحة فين براحة؟ هتأذي مكان الحرق

فـ هدأت "ملك" وهي تنظر إليها وتسائلت بحزن :
- إزاي ده حصل يانغم؟؟

واقتربت منها، أمسكت بيدها بينما كانت الأخيرة تشعر بـ اختناق صدرها وهناك ما تريد البوح به.. فـ قرر "يزيد" الإنسحاب من بينهم و :
- طب أنا هروح أشوف هتخرجي أمتى

وخرج، فـ قبضت "نغم" على يد "ملك" و :
- ملك، أنا مخنوقة أوي من نفسي مش عارفه أعمل إيه

فـ جلست "ملك" بجوارها و :
- في إيه يانغم مالك؟

- على جانب آخر -
تحسس "يزيد" جيوبه وفتش جيدًا على هاتفه ولكن لك يجده.. فـ ذمّ شفتيه ممتعضًا وهو يعود للغرفة كي يبحث عنه، يبدو إنه نسيهِ بالداخل.. وقبل أن يشرع بالدخول كان يستمع لعبارة أوقفته محله :
- مش عارفة إزاي أعمل في نفسي كده، إزاي؟ عقلي كان فين؟

فـ حاولت "ملك" التهوين عليها وتبسيط الأمور كي لا تحمّل نفسها أعباء أكثر :
- أنتي مغلطتيش يانغم
- لا غلطت

وتعنتت "نغم" وهي تؤكد خطئها الفادح كما تذكر :
- مكنش ينفع أعمل كده لمجرد إني عايزة أمنعه يروحلها ، مش من حقي

لم تجد "ملك" ما يستوجب عليها قوله، فـ استمعت لها للنهاية كي تخرج كل ما في جوفها :
- أول ما حسيت إنه خارج ورايح عندها النار مسكت في قلبي.. محستش بنفسي غير وانا برمي القهوة عليا عشان أشغله بيا وميروحش ، إزاي أكون عامية بالشكل ده

تصلب "يزيد" في مكانه ونظر حوله متوترًا خشية أن يلاحظ أحدهم إنه يتلصص عليهم.. سماع حقيقة گهذه منها كانت صدمة بالنسبة له، لم يلحظ عليها يومـًا إنها تحبه لهذه الدرجة.. كان يرى إنسانة عنيدة تُفضل دخول المناقشات الطويلة ولا تحب إنهاء الحوار وهي خاسرتهِ.. ولكنها كشفت بنفسها الحقيقة التي لولاها لبقيت سرًا لا يعلمه.
تابع سماعه لهن وهي تحكي عن معاناتها وتأنيب ضميرها لها بعد فعلتها متهمة نفسها بالأنانية وحُب النفس، حتى إنها فكرت في الإبتعاد نهائياً عن هذا العمل الذي سيجعلها قريبة منه دائمًا، وهذا ليس من وسعهِ إلا إنه يستهلكها نفسيًا وعاطفيًا.
ابتعد "يزيد" عن الغرفة وعقله مشغولًا بما سمع، هذه الأمور كانت ستبدو له طبيعية إن كانت من إحداهن، ولكن منها هي كانت مختلفة قليلًا.. تشتت ذهنهِ ولم يدري بالضبط ماذا عليه أن يفعل بعد علمه بما حدث.
.........................................................................
وضعت "كاريمان" أكثر من تصميم أمام ناظريها وهي تضاهي بين الكل منبهرة بالجميع، زفرا بتحير وهي تهمس :
- Bu karışıklık da ne? "ما هذه الحيرة؟"

فـ اقترحت عليها المصممة وهي تساعدها في الإختيار :
- التصميم ده هيكون حلو عليها جدًا طالما بشرتها فاتحة

هزت "كاريمان" رأسها بالنفي و :
- لأ، ملك رقيقة مش هتحب البهرجة الزيادة.. ممكن ده

وأشارت لأحدهم :
- ده هيكون حلو أوي عليه Çok tatlı

ثم نظرت نحو" خديجة" التي كانت تتابع ما يحدث بـ شدوه و :
- مش كده ياخديجة ؟
- هو حلو أوي!.. بس آ....

فـ قاطعتها "كاريمان" و :
- خلاص فهمتك

ثم نطرت للمصممة وقد استقرت على واحد منهم :
- ده كويس، هبلغك بالمعاد اللي تيجي تاخدي فيه المقاسات، Bu bir anlaşma.؟ "أتفقنا" ؟

جمعت المصممة كل المجلات والتصميمات الخاصة بمركزها واستأذنت بالإنصراف، بينما كانت "خديجة" تعبر عن وجهة نظرها :
- مش لسه بدري على موضوع فستان الفرح ده ياهانم؟

فـ هزت "كاريمان" رأسها بالسلب و :
- مش بدري ولا حاجه، يونس مش هيقدر يستحمل أكتر من كده أنا عارفاه كويس.. صحيح صبور بس المرة دي حبه هيغلب، وانا لازم أكون جاهزة عشان أحتفل احتفال يليق بيهم.. ملك تستحق حياة تانية

فـ ابتسمت "خديجة" هي تتمنى ذلك :
- يارب ياهانم

نهضت" كاريمان" عن مجلسها وهي تخطو نحو الباب و :
- هاتي تليفوني أتصل بيونس، لما أشوف هو بيعمل إيه
.............................................................................

ساعدت الممرضة "نغم" في إرتداء ملابسها بعدما أحكمت وضع طبقات القطن على بطنها، في حين كانت الأخيرة تتأوه متألمة وتسائلت :
- هو مفيش مسكن أو أي حاجه تخفف الحرقان اللي حاسه بيه
- للأسف مفيش غير المرهم اللي حطيته ليكي، شويه وهتحسي بالفرق

طرق "يزيد" على الباب قبل أن يدخل، فـ رفعت الممرضة بصرها نحوه و :
- أتفضل إحنا خلصنا

دخل وهو يحمل باقة من الورود الحمراء، ارتفع حاجبي "نغم" وهي تنظر للزهور غير مصدقة تصرفهِ الراقي الذي لم تنتظره أبدًا.. فـ انسحبت الممرضة من بينهم وهي تبتسم وخرجت، بينما دنى منها "يزيد" وهو يقول :
- معرفتش أقولك ألف سلامة عليكي الصبح من تأثير المفاجأة

ثم بسط لها ذراعه بالورود و :
- ده عشانك

وكأن كل الآلام هانت وتلاشت، أحست بـ بصيص من النور وسط عتمة ظنت إنها ستعيش فيها للأبد.. ضحكت بحبور وهي تتناولها، ودفنت وجهها بين أوراق الزهور تشتم رائحتها الجميلة..ثم رفعت بصرها نحوه وهي تعلن صدمتها بفعله :
- فاجئتني!

فـ حكّ ذقنه وهو يتمتم بصوت خفيض :
- أنا نفسي متفاجئ
- إيـه؟

فـ ساعدها في النهوض و :
- يلا عشان أوصلك ترتاحي

وصلتهُ رسالة من "رغدة" على هاتفهِ، فـ أخرجه وتفحصها.. تغيرت معالم وجهه كثيرًا بعد قرائتها رغم محاولته لئن يواري ذلك.. قادها نحو الخارج وأجلسها في السيارة، ثم قام بـ إرسال رسالة ردًا عليها.. ابتعد عن السيارة قليلًا ثم بدأ بتسجيل مقطع صوتي يرسله لـ "معتصم" يقول فيه :
- تعالى على المكان اللي بعتلك موقعه بعد ساعة، مستنيك

ثم أرسلها وأغلق هاتفه.. عاد إليها ليرى كم كانت سعيدة وهي تمسك بباقتهِ التي رفعت من معنوياتها كثيرًا، تنغض جبينه من سعادتها بمجرد باقة زهور.. استقر بجوارها في السيارة وهو يقول عابثًا :
- أول مرة حد يجيبلك ورد ولا إيه.؟

فـ أفاضت بصراحة وهي تنظر لوجهه بنظرات حالمة :
- لأ، بس المرة دي مختلفة

فـ ابتسم قبل أن ينظر أمامه ليقود ، وبقيت عيناها هي بين الباقة وبينه طوال الطريق.. لا تبعد عيناها عنه بتاتًا وهو شاعرًا بذلك، ولكن على الأقل الآن هو يعلم السبب ويرى بوضوح.. هي أحبتـهُ بالفـعل.
...........................................................................

كانت تنتظره خارج المنزل رافضة أو تدخل أو تصعد غرفتها قبل أن تواجهه بما حدث اليوم.. منذ أن عادت برفقة "عيسى" و تجاهلها هو طوال اليوم على غير عادته وهي تشعر بالحريق ينشب بين ضلوعها.. لذلك ستضع حدًا لما تعايشه الآن.
عبر "يونس" البوابة بسيارته وهو يتحدث في هاتفه :
- يعني إيه باعيسى موصلناش لحاجه!! عارف إنها حاجه من ٣ سنين لكن محتاج خيط رفيع بس يوصلني لحاجه

ثم زفر و :
- قبل ما ترجع أم أربعة وأربعين من السفر لازم يكون في دليل في إيدي

قطعت "ملك" طريقه ووقفت أمام السيارة لتلفت انتباهه.. فـ أوقف القيادة وأغلق المكالمة وهو يترجل، سار نحوها وهو يسأل بفتور يناقض حالته المهتاجة في الصباح :
- واقفة كده ليه؟

فسألت على الفور :
- إيه اللي عملته معايا الصبح ده؟
- أسألي نفسك عملتي إيه تستاهلي عشانه المعاملة دي

فـ أجابت وقد بحثت في عقلها مطولًا :
- أنا معملتش حاجه، إحنا حتى متكلمناش مع بعض

فـ تجهم وجهه وهو يعطيها طرف خيط :
- ممكن تسألي محمود لو معرفتيش توصلي للسبب

تنغض جبينها بـ استغراب من ذكره و :
- محمود!

وانفجر على الفور معلنًا عن غبطتهِ بدون أن يولي نفسه فرصة للهدوء :
- مين ده عشان تضحكي معاه أوي كده وتسيبيه يحط إيده على شعرك؟؟ هـه!

اتسعت عيناها بذهول غير قادرة على تخيّل السبب وراء انقلابهِ عليها.. وضحكت فجأة وهي تقول :
- يونس أنت بتغير عليا؟

جمد من سؤالها المباغت وأحاد بصره عنها وهو يقول :
- أنا مبحبش التصرفات اللي مش محسوبة

فـ دنت منه خطوة وهي تقول :
- لأ، دي غيرة.. حتى عينك بتقول كده

كاد ينصرف من أمامها، فأرادت استفزازه قليلًا :
- عمومًا ده عادي يعني، إبن جارتنا وكان بيسلم عليا

فـ أمسكت قبضته معصمها ببعض العنف الذي لم يستطع التحكم فيه و :
- بلاش تثيري أعصابي.. مش هتقدري تواجهي النتايج

فـ قالت بفتور :
- بس ده مش سبب برضو إنك تحرجني بالشكل ده

فـ ترك معصمها بنفاذ صبر و :
- مش هرد عليكي

تجاوزها وكاد ينصرف، فـ استوقفته بآخر كارت تملكه قائلة :
- بدل كل ده ممكن تقولي إنك بتحبني مثلًا

تصلبت ساقيه في مكانها، لحظات للإستيعاب مرت عليه، ثم التفت إليها مشدوهًا من الجرأة التي تملكها هي من دونه، بينما هو يعاني من فرط التردد، هل يفتح الأمر من جديد معها أم يؤجله.. وها قد أتته الفرصة على طبق من ذهب.
دنت منه وهو محدقًا فيها وتابعت :
- مش صعبة ، ممكن تعترفلي بدل ما تتعب نفسك بالشكل ده

صمته جعلها تشعر لوهله إنها أخطأت في ذلك، أخطأت في المبادرة بقول ذلك له.. لذا أجفلت جفونها ومرت من أمامه كي تنصرف، ولكنه اجتذبها حتى كادت تصطدم به لولا ذراعيه اللذان أحكما الإمساك بها، ثم قال بصوت متلهف لسماع ردها :
- تتــجـوزينـي؟
.............................................................................

مرت دقائق على محاولات الأطباء للتدخل في حالة "إبراهيم" ، ولكن قلبه لم يعد يعمل.. تم إعادة استخدام الصعق الكهربي لأكثر من مرة ولكن بدون فائدة، دخل وخرج الجميع في محاولات بائسة لتنشيط قلبهِ.. حتى أردف الطبيب الأكبر من بينهم :
- حد يتصل بـ أستاذ يونس بسرعة

صوت إنذار جهاز النبض لم يتأثر بكل ما فعلوه.. بل إنه أعلن موت قلبهِ بدون أدنى فائدة من مجهوداتهم، تنفس الطبيب بمعدل سريع وهو يعتدل في وقفته ويناول جهاز الصعق لمساعده وهو يردف بأسف :
- إنا لله وإنا إليه راجعون
..........................................................................
طال الصمت.. منذ أكثر من خمسة عشر دقيقة وهو يقف بجوارها في هذا المكان الهادئ مستند على السيارة، ينتظر أن تتفوه بأي شئ.. ولكنها لم تتحدث.
فقطع "يزيد" هذا السكون قائلًا :
- أكيد إحنا مش هنا عشان نتأمل الليل يارغدة؟

فـ أفتر ثغرها بـ ابتسامة باهتة وهي تقول بتعجب :
- أنت كنت بتحب الليل إيه جرالك؟

ثم التفتت له، نظرت إليه مليًا وهي تبلغه بقرارها :
- أنا ماشية يايزيد، هروح عند عمي يومين لحد ما أجهز نفسي للسفر برا.. هروح لبابا ومش هرجع تاني

فـ تضايق داخله و :
- ليه؟

فـ تجمعت الدموع في عيناها وهي تعترف :
- عشان انت كان عندك حق، عيشتني في الوجع وانتقمت مني وانت شايفني بتعذب بغلطتي، لكن انا كنت ضحية زيك بالظبط

فـ نكس "يزيد" رأسه رافضًا ذلك :
- أنتي اللي اختارتي تكوني ضحية في اليوم اللي رفضتي فيه تصدقي جوزك اللي محبش غيرك، جاية تعاقبيني دلوقتي وتقولي إنك هتختفي؟

فـ هزت رأسها بالسلب و :
- مش بعاقبك ، أنا بعاقب نفسي.. هحرم قلبي منك، هحرمه إنه يشوفك وهيفضل عايش عشان يتلهف يطمن بس عليك

فـ اختنق داخله وهو يحس برغبة في عناقها :
- أرجوكي آ.....
- شششش

وضعت يدها على فمه و :
- أنا مش جاية أسمع، جاية اتكلم آخر كلام بينا.. أنت لازم تسامحني يا يزيد.. دي الحاجة الوحيدة اللي هتهون عليا إحساسي

تذكر أمر "معتصم" الذي أرسل له موقع المكان كي يراهم سويًا.. كي ينفذ الوعد الذي وعده به، فـ تشتت ذهنه وهو يدعوها للأنصراف من هنا والتحدث في مكان آخر :
- تعالي هنكمل كلام في حته تانية
- لأ

فـ تشدد "يزيد" في مطلبه :
- يانغم من فضلك آ... قصدي رغدة

تجلّى التوتر عليه، فـ ابتسمت هي بعد أن أخطأ في أسمها لأول مرة في حياته.. ثم عقبت على ذلك :
- هي فعلًا تستاهلك، تستاهل فرصة معاك.. مشوفتش حد بيبصلك البصة اللي نغم بتبصها ليك غيري
- رغدة أنا......

وضعت يديها على وجهه ومسحت كأنها تمشط ذقنه، أثارت مشاعر الحُب الذي ظن إنه دفنها في بئر قلبه منذ زمن، ولكن الحقيقة إنها كانت ملوثة فقط ببعض الغبار.. صمت وهو يتجول ببصره على وجهها، وفجأة كان يُقبّل شفتيها قُبلة رقيقة من طرفهم وهمس بـ :
- متمشيش يارغدة

فـ ختختت بصوت خالج أنفاسه التي تلفح بشرتها :
- لازم أمشي

فـ طوق خصرها وهو يرجوها بضعفٍ اجتاحهِ :
- طب عشان خاطري

استمع كلاهما لصوت أمان سلاح يتحرك من مكانه ليستعد للإطلاق.. فـ انتبه كلاهما لـ "معتصم" الذي فصلت بينه وبينهم عدة أمتار وهو مُشهرًا سلاحه نحوهم، وقبل أن يهمّ "يزيد" كي يخرج سلاحه هو الآخر كان "معتصم" يطلق رصاصته التي أصابت الهدف تمامًا والحقد يتسلل من عيناه التي لمعت في ظلام المكان المظلم الكئيب و.......
تمت
لقراءة باقي فصول الرواية والجزء الثاني : اضغط هنا
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات